«قضاة الإسلام».. محي الدين ابن الزكي قاضي قضاة دمشق صاحب خطبة التحرير في المسجد الأقصي بعد جلاء الصليبين

الخميس، 31 مايو 2018 03:00 ص
«قضاة الإسلام».. محي الدين ابن الزكي قاضي قضاة دمشق صاحب خطبة التحرير في المسجد الأقصي بعد جلاء الصليبين
القدس
كتبت :إيمان محجوب

بينما تتناثر قطرات ماء الورد علي قبة الصخرة والتي تشع نورا بعدما انعكس عليها ضوء الشمس وتحوم الحمائم في ساحته بعدما وضع المنبر الذي صممه نور الدين زنكي قبل تحرير فلسطين بعشرين عاما وعندما كان يسأله المارة في حلب بسوريا ماذا تصنع يقول المنبر الذي سيوضع في المسجد الأقصى بعد تحريرها وسط الهيبة والخشوع وحضور الناصر صلاح الدين وجموع المسلمين من أنحاء المعمورة اعتلي المنبر شاب ثلاثيني خطب في الناس حتى بللت الدموع وجوههم وشكرا الله وحمده واثني علي نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم  حتى تهلل بكي من خشيه الله  أهل الأرض والسماء إنه قاضي قضاة دمشق صاحب أول خطبة في المسجد الأقصى بعد تحريره محي الدين ابن الزكي القرشي ولد 550 من الهجرة وهو من بيت القضاء والأصالة والعلم، وكان حسن اللفظ والخط، وقد قرأ المذهب على جماعة، وسمع من والده وكان مما زاده شرفا أنه شهد فتح القدس مع السلطان صلاح الدين الأيوبي، وكان له يومئذ ثلاث وثلاثون عاما.

 

 

صلاح الدين
 

أخلاقه وملامح شخصيته

كان فطنا ذكيا صاحب علم وفراسة، وفي ذات الوقت يتصف بالأمانة العلمية، ومما جاء في ذلك أنه لما فتح السلطان مدينة حلب سنة تسع وسبعين وخمس مائة أنشده القاضي محيي الدين بن الزكي قصيدة وجاء فيها:وفتحك القلعة الشهباء في صفر... مبشرٌ بفتوح القدس في رجب ..فكان فتح القدس كما قال لثلاث بقين من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة، عندئذ قيل لمحيي الدين: من أين لك ذلك؟ فقال: أخذته من تفسير ابن برجان في قوله تعالى: "ألم غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِين)

القدس
 

 

كان صلاح الدين يعزه ويحترمه، ثم ولاه القضاء سنة 588 هجريا عظمت رتبته عند صلاح الدين، وسار إلى مصر رسولا من الملك العادل..إلا أن أهم ما أُثر عنه في حياته العلمية والقضائية -حيث لم نعثر له على ذكرٍ لمؤلفات أو شيوخ أو تلاميذ- ما يمكن أن نسميه "خُطبة التحرير"، وهي خطبة الجمعة، تلك الخطبة التي أعيد بها افتتاح الأقصى من الفرنجة على يد صلاح الدين الأيويى رحمه الله، وكانت أول خطبة في القدس بعد التحرير.

تلك التي لم يكن مستعدا لها، بل أخرج إليه وقد أذن المؤذنون على السدة رسالة السلطان أن يخطب ويصلي بالناس، وهو مقام صعب؛ حيث اجتمع من أهل الاسلام ما لا يقع لهم إحصاء، وامتلئت ساحات المسجد وصحونه بالخلائق، واستعبرت العيون من شدة الفرح، وخشعت الأصوات ووجلت القلوب، وأخذ الناس لذلك الموقف أُهبته، حتى إذا حان وقت الخطبة قام ابن الزكي فخطب على المنبر في هذا الحشد العظيم، وقد ذكرها ابن خلكان في تاريخه، وها هو نصها:

خطبة الجمعة في المسجد الأقصي بعد جلاء الصليبين

 قال بعد أن استهلها بقولة تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) أيها الناس، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة -وهو الشيء المفقود-، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبًا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه واستقر فيه رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد، فإنه أسس على التقوى من خلفه ومن بين يديه، فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد -عليه الصلاة والسلام- وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد الاقصي الذي صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وروحه عيسى الذي كرّمه برسالته وشرّفه بنبوّته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيدًا.

وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تُشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مُجارٍ، ولا يباريكم في شرفها مُبارٍ، فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والواقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوحات العُمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبّل منكم ما تقرّبتم به إليه من مُهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء.

منبر نور الدين زنكي
منبر نور الدين زنكي

 

فاقدُروا رحمكم الله-هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالى بواجب شكرها، فله تعالى المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرّ به عينًا الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح على يديه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح الله على أيديكم أمثاله، وأن تكون التهاني لأهل الخضراء، أكثر من التهاني لأهل الغبراء.

ثم خطب الخطبة الثانية على عادة الخطباء مختصرة، ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر، ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدِك الخاضعِ لهيبتك، الشاكرِ لنعتمك، المعترفِ بموهبتك، سيفِك القاطع، وشهابِك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذابِّ عن حرمك الممانع، السيدِ الأجل، الملكِ الناصر، جامعِ كلمة الإيمان، وقامعِ عبدة الصلبان، صلاحِ الدنيا والدين، سلطانِ الإسلام والمسلمين، مطهرِ البيتِ المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين.

اللهم اشكر عن محمد -صلى الله عليه وسلم- سعيه، وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها، اللهم ذلل به معاطس الكفار، وأرغم به أنوف الفجّار، وانشر ذوائب ملكه على الأمصار، وابثث سرايا جنوده في سبل الأقطار، اللهم ثبت الملك فيه وفي عقبه إلى يوم الدين، واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم،

توفي في دمشق في 7 شعبان598  عن عمر يناهز48عاما، ودفن بتربته بسفح قايسون

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق