أقدام ثقيلة في الحديقة الخلفية لواشنطن.. هل تشعل الشكوك حربا بين أمريكا وفنزويلا؟

الخميس، 05 يوليه 2018 09:00 م
أقدام ثقيلة في الحديقة الخلفية لواشنطن.. هل تشعل الشكوك حربا بين أمريكا وفنزويلا؟
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

من موقع استراتيجي للغاية، في وسط أمريكا الشمالية، تتطلع الولايات المتحدة الأمريكية للعالم، وتعيد هندسة كثير من مناطقه وفق رؤاها وانحيازاتها، بينما تترعرع في حديقتها الخلفية أشواك قادرة على إدماء قدميها.

في مساحة شاسعة بالقارة الأمريكية الشمالية، تحتل كندا قمة الترتيب ملتحقة بأوروبا أكثر من التحاقها بالظهير الأمريكي، وتتوسط الولايات المتحدة القارة صانعة صيغة خاصة جدا ومشتبكة مع العالم بكل أقاليمه وتفاصيله، بينما تتأخر المكسيك في قاعدة القارة ملتحقة بأمريكا اللاتينية، الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، ومنطقة التوتر المزعجة.

رغم سيطرة واشنطن على كثير من الملفات في أنحاء العالم، وإمساكها بمفاتيح وخيوط اللعب في آسيا وأفريقيا وأوروبا وصولا إلى استراليا، فإنها لم تنجح بدرجة كبيرة في تطويع أمريكا الجنوبية بدولها الخمس عشرة، ربما على خلفية تأثر القارة بموجة ثورية من المد الشيوعي، أعادت صياغة خارطتها وطبيعة دولها، وتركتها رغم التحولات الاقتصادية والتوجه اليمني لدى كثير منها، مخلصة لأرواح الثوار الماركسيين ولنزعة المنجل والمطرقة شيوعية الطابع.

في ضوء هذا السمت الغالب على كثير من دول أمريكا الجنوبية، خاضت الولايات المتحدة صراعات طويلة مع عدد من دولها، لعل في مقدمتها كوبا التي بدأت صراعاتها مع واشنطن مبكرا، مع الحضور السوفيتي القوي في أرجائها بدءا من أزمة خليج الخنازير والصواريخ الكوبية، ولكن قد تكون أبرزها فنزويلا، التي تأتي في قمة الكتلة الجغرافية المتماسكة للقارة، تابعة للأرخبيل الذي تتقاسمه كوبا وجمايكا وهييتي والدومنيكان.

الصراع الأمريكي الفنزويلي لا يهدأ قط، ربما يبدو أحيانا في صورة مستقرة أو قيد السيطرة، لكنه استقرار وهدوء أقرب لكُمون النار أسفل الرماد، هكذا انقضت فترة حكم الرئيس السابق هوجو تشافيز التي امتدت أكثر من أربع عشرة سنة، وهكذا سارت فترة الرئيس الحالي نيكولاس مادورو القائمة منذ أكثر من خمس سنوات.

في مواقف سابقة وصل الصراع بين فنزويلا والولايات المتحدة إلى صدامات مباشرة، اتخذ فيها "تشافيز" قرارات بحظر صادرات النفط، أو بتأميم شركات واستثمارات أمريكية وغربية، ومن جانبها فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية قاسية على النظام الفنزويلي، وبينما توقع المتابعون أن يكون الصراع شخصيا ويهدأ برحيل "تشافيز"، كان صعود "مادورو" الوافد من الخلفية الثقافية والسياسية نفسها نذيرا باستمرار المعركة مشتعلة بالقوة نفسها.

خلال سنواته الخمس الماضية في السلطة واجه نيكولاس مادورو مشكلات عديدة، داخلية وخارجية، كان في مقدمتها الموقف الأمريكي من حكومته ودعم واشنطن للاحتجاجات المشتعلة على نظامه، والعقوبات المفروضة من جانبها، والتي طالت أحيانا الصادرات الفنزويلية من النفط، في ضوء أن البلد الأمريكي الجنوبي أحد كبار منتجي النفط ومصدّريه في العالم.

مع اقتراب الولايات المتحدة الأمريكية من إقرار حزمة عقوبات اقتصادية جديدة بحق إيران، وضرب حصار خانق على صادراتها النفطية، ربما يكون مُرشّحا بقوة أن تتخذ واشنطن الموقف نفسه تجاه كاراكاس، خاصة أنها هددت بسلاح النفط في وقت سابق، بينما تشهد أروقة منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" وحلفائها من الخارج (عددهم 22 عضوا وحليفا باستثناء إيران وفنزويلا) لبحث مستويات التدفق والآليات المتاحة لتعويض حصص إيران وفنزويلا وليبيا، في ضوء حزمة العقوبات المرتقبة بحق الأولى، والتوترات والمشكلات السياسية التي تؤثر على تدفقات البلدين الأخيرين.

رحلة البحث عن بدائل للغياب المحتمل لصادرات النفط الفنزويلية، ربما تُشير إلى سخونة متوقعة في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية، يدعم هذا التصور ما قاله الرئيس الفنزويلي نفسه عن توفر معلومات وتقارير إعلامية بشأن اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية التحرك عسكريا ضدّها، ما يُعني بطبيعة الحال توقف تدفقات النفط الفنزويلية وليس تأثرها أو تقليصها فقط.

التطور المفاجئ والخطير في ملف الصراع تضمنته توجيهات من الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، شدد فيها على عناصر ووحدات الجيش بالجاهزية والبقاء على أهبّة الاستعداد في ضوء التقارير التي أشارت إلى تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل عام باحتمال اتخاذ خطوة جادة تجاه كاراكاس، والتحرك بشكل عسكري مباشر لتنفيذ عملية اجتياح بري لأراضيها. 

توجيه "مادورو" لرجاله في الجيش الفنزويلي جاء خلال مراسم عسكرية جرت في أحد المعسكرات القريبة من العاصمة مؤخرا، خاطب فيها الجنود والضباط الحضور بالقول: "ليس في مقدوركم التخفيف من درجة التأهب، ولو ثانية واحدة، لأننا سندافع عن أعظم حق لبلدنا في تاريخه، ألا وهو أن يعيش في سلام"، مشيرا إلى تقارير إعلامية أمريكية أفادت بأن "ترامب" أعلن في لقاء مع مستشاريه خلال أغسطس الماضي، احتمال تنفيذ اجتياج للأراضي الفنزويلية، في ضوء "استبداد نظامها اليساري وفساده" كما قال الإعلام الأمريكي.

الرئيس الفنزويلي قال في خطابه إن المعلومات التي تناولتها التقارير الإعلامية الأمريكية عن الاجتياح المحتمل، أو الذي تخطط له إدارة ترامب، هدفها بالأساس السيطرة على الموارد النفطية، وأن هذه الفكرة جاءت عقب استضافة البيت الأبيض وفدا من المعارضة الفنزويلية، مشككا في هذه الزيارة ومتهما عناصر المعارضة ضمنيا بأنهم السبب وراء هذا التوجه الأمريكي.

ربما لا يبدو حديث "مادورو" منطقيا بشأن صلة المعارضة الفنزويلية بإشارة "ترامب" حول احتمال تنفيذ اجتياح بري للبلد الأمريكي الجنوبي، في ضوء أن واشنطن لا تقرر تحركاتها الاستراتيجية الكبرى في ضوء توجيهات أو رؤى الفرقاء السياسيين في أي منطقة تقع في دائرة اهتماماتها، لكن تفسير الإشارة باعتبارها استهدافا للثروة النفطية يمكن أن يكون مقبولا، مع تآكل الاحتياطي الأمريكي من النفط بنسبة كبيرة في الفترة الماضية التي اشتعلت فيها الأسعار، والتوترات التي تشهدها سوق الطاقة عالميا، واستعدادها لتنفيذ حزمة العقوبات الجديدة ضد إيران، إحدى أكبر مُصدّري النفط، ابتداء من نوفمبر المقبل.

الخطر الأكبر ليس في تنفيذ الولايات المتحدة اجتياحا لفنزويلا، فربما لا تكون الحسابات السياسية والاستراتيجية في صالح هذا التوجه أو مرجّحة له الآن، لكن التصعيد الذي تشهده كاراكاس وحالة الحشد التي بدأها الرئيس مادورو، مع أجواء التوتر على الساحة الإيرانية، قد تدفع في اتجاه بناء جسر بين طهران وكاراكاس، وهو ما قد يشكل مزيدا الضغط الذي لا تحتمله سوق النفط، حال قرر البلدان المناورة بحصتيهما الضخمتين من إجمالي الصادرات، سواء بتجميدها جزئيا بشكل طارئ، أو زيادتها خفية خارج ضوابط ومحددات "أوبك".

في الوقت الذي يوجه الرئيس الفنزويلي رسائل مباشرة للولايات المتحدة بمطالبة قواته المسلحة بالتأهب والاستعداد لاحتمالات الاجتياح الأمريكي، يحافظ "مادورو" على علاقات جيدة ومتنامية مع روسيا، وهو تدخل جديد من موسكو يُضاف لسلسلة تدخلاتها في سوريا وإيران وشبه الجزيرة الكورية وعدد من المناطق والملفات الاستراتيجية بالنسبة لواشنطن، لكن البُعد المختلف في هذا التدخل أنه يطال الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، التي اعتبرتها منذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي ساحة لعب خاصة جدا، لا يُسمح لأي قوة أخرى بالتمدد فيها.

لا يمكن اعتبار هذا الموقف الروسي ظهيرا حقيقيا لـ"مادورو" أو غطاء مضمونا لمواقفه السياسية أو صراعه العسكري المحتمل، ورغم التوازن الحرج بين واشنطن وموسكو، واستعداد ترامب للقاء بوتين، فإن الولايات المتحدة لا ترضى بالتأكيد عن هذا الحضور الروسي الكبير والتحرك بأقدام ثقيلة وباردة في حديقتها الخلفية، وإذا كانت قد خسرت أمام الروس في سوريا، ولا تضمن النجاح في ساحة اللعب الإيرانية للسبب نفسه، فبالتأكيد لن تسمح بأن تكون ضيفا عديم التأثير في مناطق نفوذها المباشرة.

في كل الأحوال لا يبدو أن الأجواء في فنزويلا ستظل في استقرارها الحيادي القائم خلال الشهور الأخيرة، ربما لا تكون الولايات المتحدة جاهزة الآن لفتح جبهة جديدة، مع تركيزها في الملف الإيراني، والحرب التجارية المتصاعدة مع التنين الصيني، وعدد من دول أوروبا وآسيا، لكن الأقدام التي تتأهب ببياداتها الثقيلة في الجيش الفنزويلي قد ترفع حرارة القارة اللاتينية، وتدفع واشنطن للالتفات لحديقتها الخلفية، التي تسعى للإبقاء على أوضاعها هادئة وقيد السيطرة، وهكذا فقد تُفكر في التحرك جزئيا، بينما يُربّي "مادورو" الأشواك في أراضي فنزويلا استعدادا لإدماء قدمي ترامب.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق