رجل إطفاء الحرائق في أديس أبابا.. هل يتغلب آبي أحمد على ميراث زيناوي وديسالين؟

الإثنين، 09 يوليه 2018 09:00 م
رجل إطفاء الحرائق في أديس أبابا.. هل يتغلب آبي أحمد على ميراث زيناوي وديسالين؟
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد
حازم حسين

صعد ميليس زيناوي لرئاسة الحكومة في العام 1995، وخلال سنوات أعاد إشعال الأجواء مع الجارة الشرقية إريتريا، ليتطور الأمر لحرب حدودية بدأت في 1998 واستمرت سنتين، وأكلت نيرانها آلاف الضحايا من الطرفين.
 
تعود قصة إثيوبيا مع إريتريا إلى الفترة التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية، وهزيمة دول المحور، ألمانيا وإيطاليا، وتوزيع تركة المستعمرات الخاضعة للبلدين بين القوى الاستعمارية الكبرى، أو الفوز بالاستقلال، وفي هذه المرحلة دخلت إثيوبيا الأراضي الإريترية، ونجح الإمبراطور السابق هيلاسلاسي في الحصول على اعتراف من الأمم المتحدة بتبعية إريتريا لأديس أبابا في إطار منظومة فيدرالية.
 
على الجانب المقابل لم يرض الإريتريون بالأمر، وتعاملوا مع الوجود الإثيوبي باعتباره احتلالا عسكريا، يبدأوا مسيرة من الصراع والنضال الشعبي لاستعادة استقلالهم الجغرافي والسياسي عن أديس أبابا، وعبر جهود حركة تحرير إريتريا وعدد من الحركات والتجمعات المستقلة، استمرت الاشتباكات 30 سنة تقريبا، وانتهت في العام 1991 بالتوصل إلى اتفاق، أفضى إلى استفتاء شعبي في العام 1993، اختار فيه الإريتريون الاستقلال.
 
الخيار الإريتري لم يكن مقنعا لأقلية التيجراي المسيطرة على الحكم في إثيوبيا، ربما في ضوء قدر من التوازنات العرقية والعقائدية، مع غلبة المكون المسيحي على دوائر السلطة في إثيوبيا، في مقابل غلبة المكون الإسلامي على إريتريا، إضافة إلى الخريطة الحبيسة للدولة الإثيوبية التي تعد السواحل الإريترية الممتدة بطول 1000 كيلو متر على البحر الأحمر نافذتها البحرية الأهم على العالم.
 
لتعويض هذه الخسائر سعت إثيوبيا في الفترة التالية للاستفتاء لمدّ الجسور مع جيبوتي المطلة على البحر الأحمر، رغم امتلاكها منفذا على المحيط من خلال شواطئ إقليمي أوجادين و"الهود" الصوماليين، اللذين تحتلهما أديس أبابا منذ عقود، لكن صعود "زيناوي" للسلطة أعاد التطلع لبسط النفوذ على إريتريا، فاقتحم الجيش الإثيوبي مثلث "بادمي" الحدودي في 1998 لتشتعل الحرب التي استمرت سنتين.
 
أسفرت الحرب الطاحنة عن احتلال إثيوبيا للمثلث، وتوتر العلاقات بين البلدين 20 سنة متصلة، طوال فترة حكم ميليس زيناوي، وفي السنوات الستّ التي قضاها هايلي مريام ديسالين في السلطة عقب وفاة زيناوي بالعام 2012، بينما مثّل صعود آبي أحمد لرئاسة الوزراء في إثيوبيا مؤشرا إيجابيا فيما يخص ملفات أديس أبابا الملتهبة، خاصة أنه من أغلبية الأورومو التي حرمتها أقلية التيجراي من حقوقها عقودا طويلة.
 
منذ الأسابيع الأولى له في رئاسة الحكومة، سعى آبي أحمد بشكل جاد للتهدئة في عدد من الملفات، ففتح قناة اتصال جديدة وإيجابية مع مصر والسودان فيما يخص ملف سد النهضة، وأزال كثيرا من علائق سوء الفهم في المفاوضات واللقاءات الجارية منذ سنوات، وزار مصر في أول تحرك رسمي له، وكانت الانتقالة الكبرى بزيارته لإريتريا.
 
وصل آبي أحمد العاصمة الإريترية أسمرة صباح الأحد، والتقى الرئيس أسياس أفورقي، وخلال اللقاء أُثيرت كل الموضوعات والملفات العالقة بين البلدين، لتسفر الزيارة في يومها الأول عن توقيع اتفاق سلام بين الجارتين، حمل اسم "إعلان أسمرة" يتضمن تحركات جادة باتجاه تصفية الخلافات القائمة منذ عقود.
 
 
ينص "إعلان أسمرة" على استعادة العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا والعمل على تطبيع العلاقات بين الجارتين، واستئناف تسيير الرحلات الجوية المتبادلة، ومشاركة أديس أبابا في تطوير ميناءي "عصب" و"مصوع" الإريتريين المطلين على البحر الأحمر، وفتح سفارتي البلدين واستعادة العلاقات الدبلوماسية، والأهم الاستعداد لفتح الحدود البرية المشتركة لاحقا، مع انسحاب الجيش الإثيوبي من مثلث "بادمي" المحتل.
 
الاتفاق الذي يُنهي خلافا قائما منذ عقدين، إذا استثنينا رواسب فترة التبعية الإريترية لإثيوبية ومعارك الاستقلال الطويلة، يتجاوز آثاره الظاهرة فيما يخص الصراع المحتدم بين بلدين جارين، ويشير إلى فلسفة مغايرة تنتهجها إثيوبيا في الفترة الأخيرة، بفضل العقلية والانحيازات التي يحملها آبي أحمد، الذي يتولى إدارة ملفات إثيوبيا حاليا بعقلية "رجل الإطفاء".
 
لم يقض آبي أحمد أكثر من ثلاثة شهور في السلطة، لكنه أنجز تقاربا مهما مع القاهرة والخرطوم، ووقع اتفاقا تاريخيا مع أسمرة، وقبل كل هذا أعاد رسم خارطة السياسة الداخلية، ربما بغير قرار مباشر منه، باعتباره أول ممثل لعرقية الأورومو التي تتجاوز 40% من إجمالي السكان في إثيوبيا، بعد عقود من سيطرة أقلية التيجراي التي لا تتجاوز 6% من مجموع السكان على السلطة في البلاد.
 
هذه التحولات الكبرى التي أحدثها آبي أحمد في ملفات السياسة والإدارة والعلاقات الخارجية لإثيوبيا، قد تُبشر بالاقتراب من إنهاء كل الملفات العالقة، وفي مقدمتها ملفا إقليمي "الهود" و"أوجادين" الصوماليين، اللذين تحتلهما إثيوبيا منذ سنوات طويلة، وخاضت معارك طاحنة مع الصومال للإبقاء عليهما، أوشكت الصومال في بعضها أن تنجح في تحرير الإقليمين لولا الدعم الروسي مثلا في معركة العام 1977، وأيضا ملف "سد النهضة" الذي شهد تعنّتًا واضحا من الحكومتين السابقتين، وإصرارا على نقض الاتفاقات السابقة الموقعة مع مصر، وعدم الإقرار بالحقوق التاريخية في مياه النيل.
 
المؤكد أن تحركات آبي أحمد ستثير غضبا في الداخل الإثيوبي، على الأقل في أوساط أقلية التيجراي، خاصة أن الرجل يعمل على تجاوز ميراث ميليس زيناوي وهايلي مريام ديسالين، وهو الميراث الذي تسبب في توتر علاقات أديس أبابا بكثير من الدول، ولعل محاولة اغتيال رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد قبل أسابيع، التي لم تتضح بدقة هوية المتورط فيها، وإن أشارت بعض التقارير إلى علاقات ملفتة بين إمارة قطر وبعض رجال التيجراي، قد تكون وراء المحاولة والضالعين فيها، ما يُعني أن رجل الإطفاء الإثيوبي سيواجه حرائق كثيفة وخطرة، لكنه بما يتجلّى في ممارساته من أداء ناضج وبراجماتي، قد ينجح في التخلص من ميراث سابقيه، زيناوي وديسالين، لكن هذا النجاح مرهون بالإفلات من مؤامرات التيجراي.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق