لص ناعم لكنه قليل الحيلة.. سر فشل الذهب في سرقة غنائم الحرب التجارية

الأربعاء، 11 يوليه 2018 11:00 ص
لص ناعم لكنه قليل الحيلة.. سر فشل الذهب في سرقة غنائم الحرب التجارية
سبائك ذهب
حازم حسين

الذهب لصّ ثري وناعم، هكذا يتحرك المعدن النفيس في الأسواق العالمية، متحيّنًا الفرصة لأية فوائض أو مكاسب مالية عارية من غطاء آمن، يخطفها سريعا ويقفز خطوة جديدة في رحلته الصاعدة.

يكتسب الذهب موقعه المهم ضمن وجهات الاستثمار البارزة، من كونه مخزنًا آمنا للقيمة في أوقات التوتر والتهديدات، ما يُعني أن أي اهتزاز طارئ في التعاملات التجارية أو أسواق المال يمثل فرصًا لامعة لاقتناص مزيد من الحضور والمكاسب للمعدن الأصفر.

هكذا كان مُتوقَّعا أن يقفز الذهب في التعاملات الدولية مع دخول الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين دائرة الاشتعال، وبدء سريان حزمة الرسوم الجمركية المتبادلة من البلدين على السلع التجارية المتدفقة بينهما.. لكن الغريب أن هذا التوقع لم يحدث.


وقائع الحرب تُخلف التوقعات

ما حدث واقعيا أن الذهب حافظ على استقراره، لكنه لم يحقق أية مكاسب ملموسة من الحرب التجارية وما أشاعته من مخاوف في دوائر المستثمرين ورؤوس الأموال الساخنة، في الوقت الذي حققت فيه أسواق المال في أوروبا وبعض دول شرقي آسيا مكاسب كبيرة، وهو ما قد يُشير إلى أن خفة يد الذهب وقدرته على سرقة المكاسب الطارئة، ربما تحد منها حالة من قلة الحيلة.

يدعم هذا الرأي أن الأسهم الأمريكية تواصل تحقيق المكاسب بعد أيام من سريان الرسوم الحمائية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين، ففي الأيام الماضية سجلت كثير من الأسهم ارتفاعا، محققة مكاسب مستمرة على مدى عدة أيام، فارتفع مؤشر داو جونز الصناعي 0.26%، ومؤشر "ستاندرد آند بورز" 0.31%، ومؤشر ناسداك المُجمّع 0.56%. الأسهم الأوروبية أيضا شهدت موجة صعود واضحة، فارتفع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي 0.5%، وفايننشال تايمز 100 البريطاني 0.4%، وعلى الصعيد الياباني سجل مؤشر نيكي أعلى مستوياته في أسبوع، مدفوعا بأداء إيجابي لأسهم البنوك وشركات التكنولوجيا.

في ملمح آخر لا يقل أهمية، تتجه ثلث الصناديق السيادية في العالم لتقليص حيازاتها من الأسهم خلال السنوات المقبلة، حسبما أظهر تقرير شركة "إنفيسكو" لإدارة الأصول السنوي، التي ردّت الأمر إلى العوامل المعاكسة لنمو الحيازات السيادية للأسهم، والمتمثلة في أوضاع سوق النفط والتوترات السياسية والصراعات المحتدمة في عدد من المناطق إضافة إلى الحرب التجارية وتقييمات المخاطر العالية، وأشارت الشركة إلى أنها توصلت لهذه النتائج عبر لقاءات مباشرة بـ126 من المستثمرين السياديين ومديرى احتياطيات البنوك المركزية، الذين يديرون أصولا قدرها 17 تريليون دولار.


عين الذهب المفتوحة على الحرب

في الوقت الراهن يُراقب محبو الذهب والمستثمرون فيه مستويات أداء الدولار، ومؤشرات السندات الأمريكية، سعيا لقراءة خريطة الأسعار في الفترة المقبلة، في ضوء الارتباط الوثيق بين المعدن والعملة الأمريكية.

البحث عن تفسيرات لهذا الخمول المفاجئ للذهب وسط أجواء ساخنة وديناميكية، طالما حقق أرباحا وقفزات كبرى في مناسبات شبيهة بها، ربما لا يمكنه التوصل للأسباب الخفية لهذا الإخفاق، لكن يظل الأمر مرتبطا بصورة كبيرة بواشنطن، الطرف الأبرز في الحرب التجارية، والطرف الأبرز أيضا في امتصاص مكاسب هذه الحرب.

بينما كانت التوقعات الأولى تشير إلى تأثر الدولار الأمريكي بأجواء الحرب وقذائف الرسوم الجمركية المتبادلة مع الصين، في ضوء المخاطر التي باتت تحيط بأسواق المال وأسهم الشركات الأمريكية، مع توقعات بمزيد من الخطوات المشابهة من أسواق ودول أخرى تعرضت لعقوبات أمريكية، سار الدولار بقدر كبير من الهدوء، مدعوما بانتعاشة كبيرة وفرتها له السياسات المالية الأمريكية في وقت سابق.

قبل أن يعلن الرئيس دونالد ترامب إشعال معركته، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) تحريك أسعار الفائدة على الدولار بواقع 0.25%، مع توقعات باتخاذ إجراءات شبيهة في الأسابيع التالية، وهو ما زاد الطلب على الدولار كوجهة استثمارية مغرية لكثير من رؤوس الأموال والتدفقات المالية الساخنة.

 

عوائد الدولار تكبح فرص الذهب

الميزة النسبية للدولار مع توفر مستويات عائد جيدة، أنه مخزن جيد للقيمة كالذهب، لكنه يتفوق على المعدن النفيس في أنه يوفر عوائد استثمارية تُمثل مكاسب دورية مُضافة لقيمة رأس المال، وهو ما لا يوفره الذهب، الذي يحافظ على قيمته، لكنه قد يظل سجينا في هذه القيمة شهورا دون تحقيق مكاسب.

وفق هذا التصور يمكن التوصل إلى حقيقة أن الإغراءات التي يوفرها الذهب للمستثمرين لم تكن كافية للتخلي عن المكاسب المتحققة من الاستثمار في الدولار، والتي يبدو أن تقييمات المستثمرين رأتها أكبر من المخاطر المحيطة بأجواء الحرب التجارية، فلم تتخلّ عن العملة الأمريكية متجهة لسجن فوائضها المالية، خاصة أن المرحلة المقبلة ربما تحتاج توفر سيولة مالية قادرة على التدفق والعبور السريع بين الأسواق، استغلال للفرص الطارئة أو تجنبا للأزمات المحتملة.

هذه الاحتماليات المفتوحة لا يمكن أن تذهب بالمستثمرين إلى حالة الكمون التي يوفرها الذهب، فالأجواء ساخنة بالفعل، لكنها مفتوحة على توقعات وفرص عديدة، بينما يمثل الذهب هروبا آمنا من المخاطر، ومن الفرص الطارئة أيضا، والحرب الآخذة في التنامي تحتاج تأهّبًا وجاهزية دائمين.

ما زالت الحرب مرشّحة للتصاعد، لن يتوقف الأمر على الصراع المتبادل بين واشنطن وبكين، فأوروبا واحدة من الجبهات التي تلقت ضربات أمريكية لتدفقاتها التجارية، والآن تقف في موقف حرج بين الجراح التي سببتها الرسوم الأمريكية، والكرامة التي أحرجتها الردود الصينية على ترامب.

في الجولة الأولى من المعركة، التي فرض فيها ترامب رسوما جمركية على سلع ومنتجات صينية قيمتها 34 مليار دولار، تحركت الصين باتجاه اتخاذ قرارات مماثلة، ما دفع البيت الأبيض للتهديد بإقرار رسوم جديدة على 500 مليار دولار من السلع الصينية، وفي كل مراحل التهديد والتلويح بالإجراءات العقابية كانت الصين تتعهد باعتماد مبدأ المعاملة بالمثل، وهذه الأجواء ترجح أن الحرب ستمتد ويتسع مداها وتزيد قسوة، ورغم هذا فإن حالة الشحن لم تصل للمدى الذي يُشكل قمعا مباشرا لتطلعات المضاربين والباحثين عن استفادة سريعة من الصراع، بشكل يدفعهم باتجاه الملاذات الآمنة، ويُعزز الطلب على الذهب.

يمكن توقع أن القارة العجوز قد تتجه لتطوير الصراع، أو توسيع مدى الحرب التجارية، هذا ما أكدته بشكل مباشر تصريحات وزير المالية الفرنسي برونو لومير، الذي قال إنه يتعين على واشنطن توقع ردود فعل قوية وموحدة من أوروبا حال فرض رسوم جمركية جديدة، محذرا من أن الحرب التجارية الدائرة بالفعل قد تتوسع ويزداد مداها حال اقتراب الولايات المتحدة من صناعة السيارات على سبيل المثال.

الحرب التي تقترب من إنهاء أسبوعها الأول، وتقترب أيضا من استقبال جنود جدد، لم تُضف للذهب مكاسب كان مأمولا أن يحققها في هذا المناخ المهتز، ربما في ضوء توقع المستثمرين أن دخول أوروبا على خط الصراع قد يفتح ثغرات كبيرة للأموال الساخنة للتدفق على أسواق المال بالقارة العجوز، واقتناص فرص كبيرة وسط أجواء الاهتزاز والتوجس التي قد تعصف برهانات الجميع.

 

كيس الرمل يتلقى مزيدا من اللكمات

المشكلة أن الذهب لم يتأخر فقط عن موقعه الطبيعي المتقدم في هذه الأجواء، باعتباره رأس حربة بين وجهات الاستثمار الآمنة، لكنه ما زال يقف في موقع رد الفعل وكيس الرمل الذي يتلقى ضربات الملاكمين جميعا، فبينما تضغط الارتفاعات المتوالية في أسعار النفط على المعدن الأصفر، ويخسر مزيدا من الفرص لصالح الدولار وأسواق المال المنتعشة في أوروبا وآسيا، ربما ينتظر تراجعا جديدا مع نمو الأجور والوظائف غير الزراعية في الولايات المتحدة بشكل أكبر من التقديرات السابقة.

الضغوط المتوالية على الذهب تقود كثيرين من حائزيه للتخلي عنه، لتتشكل موجة كبيرة من البيع، تُترجم مباشرة لاختلال في توازن العرض والطلب وتراجع في مستويات الأسعار، بينما على الجانب الآخر تظل المخاوف قائمة بشأن آثار الحرب التجارية، بعد أن يستفيد المضاربون والواقفون على أبواب الأسواق بأموالهم الساخنة من الفقاعة الإيجابية التي ستصنعها الموجة الأولى للحرب، قبل أن يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة من الكساد النسبي، مدفوعا بضغوط تضخمية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وإشباع الأسواق، ليشهد الجميع حالة من التباطؤ في مستويات النمو الاقتصادي، يمكن أن تتطور إلى أزمة اقتصادية عالمية ما لم تتخلّق منافذ بديلة، أو تأخذ القوى الكبرى المتصارعة خطوات للخلف.

هذا السياق لا يبدو خطا مستقيما ممتدا للنهاية، فالجانب المقابل من الصورة أن تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، ودخول أطراف أخرى لمجال النزاع، مع احتمال تراجع تقرير الوظائف الأمريكية ومؤشرات الأجور، قد يدفع المستثمرين المتوجسين لتوجيه استثماراتهم لسندات الخزينة الأمريكية باعتبارات الأمان النسبي، ما سيرفع أسعارها ويُقلل فوائدها، وقتها سيفقد الدولار جاذبيته لصالح الذهب، الذي سيتقدم لتصدر مشهد الوجهات الاستثمارية المفضلة والأكثر رواجا.

تظل كل السيناريوهات مفتوحة، ربما تحول تطورات الحرب التجارية، والملفات الساخنة المفتوحة حول آبار النفط، والندية التي تتعامل بها الصين، والإحراج الضاغط على أوروبا في مواجهة عقوبات أمريكية ورسوم حمائية هوجاء، دفة الصراع باتجاه تكبيد الدولار وأسواق المال الكبرى خسائر كبيرة، تُغذي الطلب على الذهب، ليقفز المعدن الأصفر ممارسا دوره الأثير كـ"لص ناعم"، لكنه سيظل "قليل الحيلة".

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق