الأسد يلتهم أذرع أردوغان.. حصاد 7 سنوات من المؤامرات يتبخر على طاولات التفاوض

الثلاثاء، 17 يوليه 2018 07:00 م
الأسد يلتهم أذرع أردوغان.. حصاد 7 سنوات من المؤامرات يتبخر على طاولات التفاوض
الرئيسان السوري بشار الأسد والتركي رجب طيب أردوغان
حازم حسين - وكالات

يبدو أن الأمور في سوريا تتجه إلى التحسن، والأوضاع المعقدة في سبيلها للحلحلة، وسط مناخ من التماسك تشهده كثير من أرجاء الدولة المتورطة في حرب أهلية منذ 7 سنوات، وتشهد انتشارا واسعا للجماعات الإرهابية والميليشيات المدعومة من دول إقليمية وقوى دولية عدّة.

طوال السنوات الماضية نشطت تركيا في الداخل السوري، مستهدفة قائمة من المصالح والمكاسب المباشرة وغير المباشرة، أولها حصار تطلعات حزب العمال الكردستاني ومخاوف التوافق بينه وبين أكراد سوريا والعراق بشكل يسهل إعلان دولة مستقلة على المناطق الكردية في تركيا وسوريا وإيران والعراق، وثانيها انتزاع مقعد على طاولة الترتيبات النهائية للوضع المستقبلي في سوريا، وأهمها امتلاك أوراق قوة لتوظيفها في مناورة روسيا والولايات المتحدة، للتقرب من الأولى وتجنّب عداء الأخيرة.. وهكذا تمادى أردوغان ونظامه في دعم كثير من الميليشيات النشطة داخل سوريا.

رغم مسارات الدعم اللوجستي والمالي، والتسهيلات التي حصل عليها المتمردون، نجح الجيش العربي السوري خلال الشهور القليلة الماضية في فرض سيطرته على كثير من المناطق التي كانت خاضعة للميليشيات، تلا ذلك التوصل لاتفاق لخفض التصعيد في المناطق الجنوبية القريبة من الحدود الأردنية، ومحاصرة بقايا تنظيم داعش في عدد من الجيوب بالجنوب وبعض المناطق، والأهم التوصل لاتفاقات مهمة مع كثير من فصائل المعارضة.


"سوريا الديمقراطية" تستعد للحوار

قوات سوريا الديمقراطية واحدة من أبرز المكونات في المشهد السوري الراهن، وقد ساهمت في تدعيم رؤية الدولة السورية - رغم أنها محسوبة على المعارضة - بتتبعها لتنظيم داعش ونجاحها في الحدّ من سيطرته وتكبيده خسائر ضخمة في مناطق عدّة، والتوصل لتفاهمات معها يُعني تقدما كبيرا للغاية على طريق ضبط الأوضاع واستعادة البوصلة في الداخل السوري.

في مفاجأة ربما غير متوقعة الآن وبهذه السهولة، أعلنت قوات سوريا الديموقراطية، عبر ذراعها السياسية "مجلس سوريا الديمقراطية"، أنها بصدد التحرك باتجاه التقارب مع النظام السوري ومؤسسات الدولة، ودراسة تدشين منصة تمثل سكان المناطق الخاضعة لها شمالي سوريا، كتمهيد لبدء مسار تفاوضي مع الدولة السورية ونظام الرئيس بشار الأسد.

عضو الهيئة الرئاسية لمجلس سوريا الديمقراطية، حكمت حبيب، قال في تصريحات نقلتها قناة "سكاى نيوز - عربية" اليوم، إن "أحد أهداف المؤتمر تشكيل منصة للتفاوض مع النظام السوري، وهذه المنصة ستمثل كل مناطق الإدارة الذاتية، ومناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، كما ستشمل الرقة ودير الزور ومنبج".

 

أعداء أردوغان يتقربون من الأسد

قوات سوريا الديمقراطية، التي تضم أكرادا وعربا، وتتمتع بدعم مباشر من الولايات المتحدة، تمثل واحدة من مشكلات أردوغان الكبرى، ليس فقط في ضوء سيطرتها على مناطق مهمة شمالي سوريا، بعضها لا يبعد عن الحدود التركية أكثر من 30 كيلو مترا، ولا لأن المكون الكردي حاضر بقوة في تشكيلها ورؤاها، ولكن أيضا لأنها أحبطت كثيرا من خطط أنقرة، وقطّعت كثيرا من أذرعها.

النشاط الأكبر للمجموعة الكردية العربية، جيدة التسليح والتدريب، استهدف الجماعات السنية المسلحة، والميليشيات الإرهابية المتصلة بأنقرة بشكل مباشر، ووصل الاستهداف إلى تتبع مسارات الدعم اللوجستي وخطوط الإمداد وانتقال الأفراد والمؤونة والأسلحة بين الأراضي التركية والسورية، مستفيدة من انتشارها الكبير في الشمال.

يمكن النظر للعداء التركي لهذه القوات في ضوء ما جنته على خطط أنقرة ومشروعاتها، لكن الخطر الأكبر الآن أنها تسعى للتقارب مع النظام، وتُعدّ خططا وأطر عمل سياسية لإنجازها في الفترة المقبلة، ويأخذ الأمر صيغة مؤسسية متماسكة تؤكد جدية التحركات، آخرها إطلاقها مؤتمرا في مدينة الطبقة شمالي سوريا، بدأ الاثنين ويستمر حتى الأربعاء، بحضور 240 شخصا في مقدمتهم مسؤولون في مناطق كردية عديدة ذات حكم ذاتي، وممثلون لقوى المعارضة في الداخل السوري، وسط أجواء تشي بقبول النظام وتشجيعه، خاصة مع تسهيل وصول معارضي الداخل للمؤتمر.

هذا التقارب يعني مزيدا من المخاطر بالنسبة للنظام التركي، فالجيش وقوات سوريا الديمقراطية اللذان كبّدا الميليشيات خسائر فادحة في فترة عدم التوافق، يمكنهما أن يُشكّلا إزعاجا حقيقيا حال توافقهما، إضافة إلى أن التوصل لتفاهمات يُعني مزيدا من التهدئة والاستقرار في الداخل السوري، وهو ما لا يريده أردوغان ولا يسعى إليه بطبيعة الحال.


روسيا تدخل على خط الصراع

على صعيد القوى الدولية النشطة في الداخل السوري، يبدو أن موسكو تُحرز تقدما كبيرا يوما تلو يوم، في مقابل تراجع واضح للولايات المتحدة التي تخلّت عن كثير من مناطق انتشارها وعناصر قوتها، وأبلغت فصائل المعارضة في الجنوب قبل أسابيع بضرورة ترتيب أمورهم دون توقع مزيد من الدعم الأمريكي، بينما تشير الشواهد المتاحة إلى أن القوات الأمريكية قد تكون في سبيلها للخروج من سوريا بشكل كامل خلال الفترة المقبلة.

في القمة التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي دونالد ترامب في العاصمة الفنلندية هلسنكي أمس الاثنين، بدا أن قدرا من التوافق فيما يخص ملف الصراع السوري يتحقق للمرة الأولى بين البلدين، بعد فترة طويلة من التصعيد المستتر والشحن المتبادل، وربما يُعزى الأمر إلى إحساس الرئيس الأمريكي يثقل الفاتورة التي تتحملها بلاده نتيجة انخراطها في الواقع السوري.

"بوتين" من جانبه لا يُبدى أية نية للتخلي على بشار الأسد، أو التراجع عن دعم الدولة السورية، ما يُعني أن الرهان على إطالة أمد الحرب أمرا غير مفيد، ولن يقود إلى نتيجة أفضل مما تحقق في السنوات الماضية، ومع استعادة الجيش العربي السوري لقوته ونجاحه في السيطرة على مفاتيح استراتيجية ومحاور مهمة بالداخل السوري، فإن ما تحقق من قبل قد يكون مستحيل التكرار.


قمة ترامب وبوتين و"كرة سوريا"

في قمة هلسنكي، أهدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كُرة قدم لنظيره الأمريكي، يبدو أنها من كرات كأس العالم الذي نظمته روسيا وانتهت فعالياته قبل يومين، وداعبه بالقول إن "الكرة في ملعبه الآن" فيما يبدو أنه كان إشارة إلى الملعب السوري المفتوح، وإشارة أكبر إلى أن المباراة التي طال أمدها لسبع سنوات، ربما تشهد صافرة النهاية قريبا.

في مقابلة مع قناة "Fox News" الأمريكية، على هامش قمته مع ترامب، نفى الرئيس الروسي ما يُشاع بشأن قصف قواته لـ"حلب والغوطة" والتسبب في سقوط ضحايا من المدنيين، مشددا على أن "الجماعات الإرهابية التي تُزعزع الاستقرار في البلد، خاصة تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وغيرهما من المنظمات الإرهابية".

"بوتين" في تناوله للموضوع رفض اجتزاء المشهد، والحديث عن الأوضاع في حلب أو الغوطة مع تجاهل الأوضاع في "الرقة"، التي سيطر عليها تنظيم داعش سنوات، ومارس جرائم وتجاوزات إنسانية بحق مواطنيها، وعن هذا الأمر قال الرئيس الروسي: "لا يجب اجتزاء شيء واحد من صورة شاملة ونسيان شيء آخر، لقد قُتل عدد كبير جدا من المدنيين في الرقة، وتم محوها من سطح الأرض. وهي تشابه الآن مدينة ستالينجراد الروسية في أعوام الحرب العالمية الثانية. ليس هناك شيء جيد في ذلك. لكنني أكرر أن مسؤولية ذلك يتحملها أولئك الذين اعتبروا المدنيين رهائن لهم لأسباب ذات طبيعة إرهابية".

 

حديث "بوتين" عن التسوية السياسية في سوريا، وإهداؤه كرة قدم لـ"ترامب"، جاء ردًّا على تصريحات سابقة لوزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، قال فيها إن "كرة التسوية في سوريا تظل في ملعب روسيا" وهو ما ردّ عليه الرئيس الروسي خلال قمة هلسنكي بموقفه الكوميدي مع نظيره الأمريكي ترامب، لتُعلن قوات سوريا الديمقراطية اليوم استعدادها للتفاوض مع النظام، وفي ضوء علاقتها الوثيقة مع واشنطن، وتمتعها بدعم مباشر من الإدارة الأمريكية، فإن إعلانها الأخير قد يكون "كرة بوتين التي أحرزت هدفا في شباك ترامب".

 

القاهرة تضبط بوصلة سوريا

في تطور إيجابي بالغ الأهمية، نجحت مصر في إنجاز اتفاق مهم بين عدد من الفصائل السورية المعارضة، أمس الاثنين، برعاية جهاز المخابرات العامة والقيادة السياسية، في ضوء الرؤية المصرية الساعية لصيانة تماسك الدولة السورية، ودعمها لعبور مرحلة الصراع، والتوصل لحل سياسي للأزمة القائمة منذ سنوات.

الاتفاق الأخير الذي رعته مصر، شهد توافق عدد من فصائل المعارضة المسلحة في ريف حمص الشمالي، على وقف إطلاق النار، والعمل المشترك على مكافحة الإرهاب، والتواصل الفاعل بهدف الوصول لحل سياسي، إضافة إلى ملف عودة اللاجئين والنازحين لمناطقهم، والإفراج عن كل المعتقلين، وإنشاء قوى مشتركة لحفظ الأمن والسلام في المنطقة.

رغم التطورات الجيوسياسية الكبيرة في الفترة الماضية، ونجاح الجيش العربي السوري في السيطرة على أغلب أراضي البلاد، وصولا إلى درعا التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات في 2011 وكانت معقلا بعيدا عن أيدي النظام السوري، فإن التوصل إلى الاتفاق الذي وقعته الفصائل في القاهرة أمس يظل أمرا إيجابيا للغاية، لأنه يقطع الطريق على احتمالات التصعيد الطارئة، ويضمن استمرار حالة الاستقرار بقبول وإقرار من الجميع، وليس بمنطق القوة والسيطرة العسكرية فقط.

اتفاق فصائل ريف حمص الشمالي ليس الإنجاز الوحيد الذي حققته مصر في الملف السوري، إذ أنجزت من قبل سلسلة من اتفاقات الهدنة والتهدئة، منها اتفاق في الغوطة الشرقية في يوليو من العام 2017، واتفاق ريف حمص وسط سوريا في أغسطس 2017، واتفاق جنوبي دمشق في أكتوبر من العام الماضي، وشمل عددا من الفصائل المسلحة، منها أكناف بيت المقدس و"جيش الإسلام".


الأسد يلتهم أذرع أردوغان

هكذا يبدو أن حلبة المصارعة المنصوبة في سوريا تتجه إلى التخفف من بعض لاعبيها، لكن الواضح أن أغلب الخارجين من المشهد محسوبون على النظام التركي، أو كانوا غصّة في حلقه، وبهذا فإن أي تقارب مع النظام السوري وابتعاد عن نهج الصراع المسلّح، يعني مزيدا من الخسائر التركية في الحلفاء، والزيادة في الأعداء.. والأكثر إزعاجا أن الأعداء والحلفاء سيجلسون على طاولة النظام.

لن يمل أردوغان من المحاولة بالتأكيد، ففي الفترة الأخيرة هدد بالتدخل العسكري في "منبج" شمالي سوريا إذا لم يخرج منها مقاتلو "وحدات حماية الشعب" الأكراد، وما زال يفتح الحدود التركية لعبور المقاتلين واللوجستيات، وينفذ ضربات مباشرة في العمق العراقي، ولا يخلو الأمر من تحركات محتملة في العمق السوري، لكن كل هذه المحاولات لن تعطل النجاحات السورية، ولن تمنع التهام "الأسد" لكل أذرع أردوغان.. وربما تمتد بقايا هذه الأذرع إلى الداخل التركي لاحقا.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق