رصاصة أخيرة في بندقية طهران.. اليمن يدفع فاتورة الخسائر الإيرانية في العراق وسوريا

الأربعاء، 25 يوليه 2018 08:00 م
رصاصة أخيرة في بندقية طهران.. اليمن يدفع فاتورة الخسائر الإيرانية في العراق وسوريا
شاه إيران السابق والخميني ودونالد ترامب
حازم حسين - وكالات

رغم التوترات التي لا تهدأ، يبدو المشهد اليمني مريحا ومستقرا بدرجة جيدة. قوات الجيش المدعومة بإسناد من التحالف العربي تحقق نجاحات متنامية، وتفاعلات المشهد الإقليمي تضغط على الميليشيات داخليا، ولا أفق للمناورة لدى إيران وتركيا وقطر، أبرز داعمي الحوثيين في الوقت الحالي.

التطورات الدرامية الساخنة التي تخيّم على الأجواء بين واشنطن وطهران، تشي بأن أوراق اللعب كلها مطروحة على الطاولة، وفي ظل المساعي الحثيثة للبحث عن مداخل للضغط والحصار لن تفوّت الولايات المتحدة فرصة توظيف المشهد اليمني، بجانب التفاعلات الجارية في سوريا والعراق، ومحاولات استقطاب القوى الاقتصادية والسياسية القريبة من الدولة الشيعية، لحرمان الأخيرة من الأجنحة التي يُمكن أن تحلق بها بشكل آمن بعدما يطلق البيت الأبيض قذائفه.

 

مفتاح اليمن في سوريا والعراق

في الأيام الأخيرة تعلو نبرة التهديد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، والتي بدت أكثر وضوحا وحدّة في تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني حول خطورة تهديد طهران و"اللعب في ذيل الأسد" بحسب تعبيره، وموقف وزير خارجيته جواد ظريف الذي وجّه رسائل مبطّنة بالتهديد أيضا، وردود دونالد ترامب على الأمر بما يُعني أن صبر واشنطن نفد، وأن التهديد أو التلميح بالتصعيد معها لن يكون في صالح النظام الإيراني، ووسط هذه التوترات تواجه طهران حصارا خانقا وخسائر محتملة في ساحتين من أهم ساحات انتشارها ومناورتها للقوى الدولية، وفي طليعتها الولايات المتحدة.

الملف العراقي لم يبدُ ساخنا طوال الفترة الماضية كما هو الحال الآن، فمنذ الانتخابات التشريعية في مايو الماضي تسير الأمور بين التهدئة والتوتر، لكن خلال الأسبوعين الأخيرين ارتفعت حدّة الشقاق بين القوى السياسية. تخلت قائمة "سائرون" ومقتدى الصدر عن تحفظهما المتّزن، وتصاعدت حدّة التوترات والتظاهرات في الجنوب، وعادت عناصر داعش للظهور في عدد من المدن والجيوب المتاخمة لمحافظات كبرى، وتورطت إيران نفسها في تصعيد أجواء السخونة بقطع الكهرباء عن مناطق واسعة جنوبي العراق.

في سوريا يُحقق الجيش العربي المدعوم من روسيا وإيران تقدما يوميا ملحوظا، لكن الأخيرة تواجه استهدافا مباشرا من الولايات المتحدة وحلفائها، في مقدمتهم إسرائيل التي تعترض على الوجود الإيراني في المشهد السوري، ووجهت رسائل مباشرة بهذا المعنى للحليف الروسي، لدرجة اضطرت وزير الخارجية سيرجي لافروف لزيارة تل أبيب في سعي جاد للوصول لتفاهمات بشأن الخريطة السورية وحدود الحضور الإيراني في المشهد الذي ما زال مرتبكا حتى الآن. قبلها شاركت إسرائيل في إجلاء مئات من عناصر "الخوذ البيضاء" الذين اتهمتهم دمشق وإيران بالتورط في أعمال إرهابية ضد المدنيين وممارسات عدائية طالت كثيرين من المدنيين، فيما بدا وقتها تصعيدا مباشرا ضد تل أبيب بشكل قد يتطور لتنفيذ الأخيرة تحركات عسكرية مباشرة لاستهداف الوجود الإيراني في سوريا، خاصة أنه مدعوم بأسناد قوي من حزب الله، العدو التقليدي للدولة العبرية، والخطر الدائم على لائحتها.

هذه التفاعلات ربما تقود إلى خسائر إيرانية، أو ضغوط تدفع في اتجاه تقليص الحضور، وسقوط أوراق مهمة طالما وظّفتها طهران في المناورة والهروب من الحصار، وإطالة أمد حروب التصريحات دون حسم حقيقي مباشر من الولايات المتحدة وغيرها. لكن بسقوط هذه الأوراق أو بعضها، ستفقد طهران قدرًا كبيرا من قواها المعنوية، وستشهد تطويقا قاسيا لها داخل حدودها الجغرافية، والأهم أنها ستفقد خطوط إمداد مهمة مع حزب الله - سواء في الأراضي السورية أو اللبنانية - وهي الخطوط التي وظّفتها في الفترة الماضية لتأمين إمدادات لوجستية للحوثيين في اليمن، بعد فقدانهم السيطرة على مطار الحُديدة، ومواجهتهم ضغوطا قاسية في ميناء المدينة، بشكل حدّ من قدرتهم على كسر الطوق المفروض عليهم في كثير من محاور البلاد.

 

الحوثيون في قبضة التحالف

بتوالي الهزائم على المحورين العراقي والسوري، لا تتبقى لإيران إلا بطاقة اليمن للمناورة من خلالها، لكن هذه البطاقة طالتها النيران في الفترة الأخيرة، مع تقدم قوات الجيش المدعومة بإسناد عسكري وجوي من التحالف العربي الداعم للشرعية، وتحرير مناطق واسعة من الحُديدة وتعز، والتقدم باتجاه صنعاء، والسيطرة على محاور حيوية في الطريق إلى صعدة شمالي اليمن.

لا يمر يوم تقريبا دون إعلان الجيش اليمني عن نجاحه في تحرير بلدة جديدة، أو طرد الحوثيين من أحد معاقلهم، أو السيطرة على محور استراتيجي يقطع خطوط اتصال وإمداد مهمة لدى الميليشيات، وآخرها نجاح الجيش في فرض حضوره على السواحل الغربية وتفجير عدد من الألغام البحرية التي زرعتها عناصر الحوثي على مقربة من مرفأ حبل بمديرية ميدي بغرض تهديد الملاحة البحرية والسفن الإغاثية في حزام الجزر التابعة لمحافظة حجة.

حالة الحصار الخانقة للميليشيات اضطرتها لتوظيف المدنيين والمناطق السكنية كدروع بشرية، للإفلات من الاستهداف المباشر للقوات اليمنية وطائرات التحالف العربي، بجانب البحث عن وسائل غير تقليدية لاستهداف القوات وداعميها من المقاومة والمواطنين، عبر تفخيخ ألعاب الأطفال وتحويلها لعبوات ناسفة، حسبما أعلن وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني مؤخرا.

خسائر المعارك التي لا تملك الميليشيات طريقة لتلافيها أو تقليصها، أصبحت مادة للمعالجة الإعلامية في محاولة لاكتساب موقع أكبر ضمن بنية المشهد، والرهان على الموقف الدولي والأممي الساعي للوصول لتفاهمات وحلول سياسية، بمعنى إعادة صياغة معادلة الصراع المأزومة جغرافيا في وضع معتدل إعلاميا، واكتساب موثقف تفاوضي قوي تأسيسا على هذا المشهد المصنوع، وهو ما يبدو أن الميليشيات نجحت فيه جزئيا، بشكل دفع المبعوث الأممي مارتن جريفيث، والسكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، للحديث عن حل سياسي وتقاسم للسلطة بين مؤسسات الدولة والحوثيين.

 

تصعيد إيراني بتحركات حوثية

بالطريقة نفسها التي يمكن أن تُدير بها أي دولة أو قوة نظامية حروبها، تبحث إيران بالتأكيد عن ثغرات للإفلات من الحصار، وفتح جبهات فرعية بديلة لكسب أطول وقت ممكن من المناورة، وأكبر قدر مُتاح من الوجود داخل اللعبة الإقليمية وتفاعلاتها، ومع خسائر الحوثيين أمام القوات اليمنية، لا يبدو أن الأمر قابل للتطور إلا بتوسيع مدى الاشتباك في اليمن.

هكذا دخلت تركيا على خط الصراع مؤخرا، بإعلان انحيازها لإيران في التصعيد المتبادل مع الولايات المتحدة، وتحركها باتجاه الاشتباك مع المشهد اليمني ودعم الحوثيين. الموقف التركي بدا واضحا بقوة في تصريحات وزير خارجية أنقرة، مولود أوغلو، الذي قال إن بلاده أبلغت مسؤولين أمريكيين معارضتها لحزمة العقوبات الأمريكية على إيران، وبعدم التزامها بتطبيقها، مشيرا إلى استيراد النفط والغاز من طهران، وأن هذا الأمر سيستمر.

الدعم التركي يترافق معه موقف صيني مشابه، إذ يشتري البلدان النفط والغاز من إيران بكميات كبيرة، ودون سدّ هذه الثغرة فإن الولايات المتحدة لن تضمن فرض حزمة عقوبات مؤثرة، خاصة مع عدم قدرتها حتى الآن على التأثير في أسعار النفط بشكل يُقلل من عوائد الصادرات الإيرانية ويزيد خسائرها وضغوطها الاقتصادية، بل على الأرجح ستتجه الأسعار للتصاعد، ما يُعني أن إيرادات إيران النفطية ستزيد مقابل الكميات التي تستوردها تركيا والصين، حتى بعد حرمانها من ضخ مليوني برميل أخرى في الأسواق، وهو ما لا تريده واشنطن بالتأكيد.

هذا الملمح ربما يدفع في اتجاه توقع أن تتخلّى الولايات المتحدة عن هذه الورقة، لكنها تحتاج بالتأكيد أوراقا أخرى لحصار إيران، وهو ما يمكن إنجازه في الملفات الإقليمية الساخنة، وعبر الحلفاء الإقليميين الذين تجمعهم حالة عداء مع الدولة الشيعية، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية. في ضوء هذا الأمر يمكن فهم تصعيد عمليات التحالف في اليمن، ويمكن أيضا فهم استهداف الحوثيين اليوم لبارجة "الدمام" السعودية قبالة سواحل اليمن الغربية.

 

دور دولي مثير للتساؤلات

بينما تُعاد صياغة المشهد السياسي وتركيبة الصراع، يبدو الموقف الدولي مثيرا للاستغراب وعلامات الاستفهام، سواء في مواقف المبعوث الأممي مارتن جريفيث، وتصريحات السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، أو حتى في تحركات المؤسسات والمنظمات ذات الطابع الإنساني والإغاثي على الخريطة اليمنية وفي أجوائها.

هذه الملاحظة الحاضرة في مواقف متكررة، أطلت برأسها مرة أخرى اليوم، مع تغيير طائرة تابعة لمنظمة الصليب الأحمر الدولي مسارها الجوي وتغيير خط السير المفترض للطيران فوق منطقة العمليات، بعد فترة من مغادرتها مطار صنعاء باتجاه جيبوتي، ورغم تواصل التحالف مع الطائرة من خلال تردد الطوارئ العالمي - حسبما أعلنت قيادة الاتحاد في بيان رسمي - فإن طاقم الطائرة لم يستجب، ما اضطر التحالف لتوجيه أوامر للطائرة وإجبارها على الهبوط في مطار الملك عبدالله الإقليمي بمدينة جازان السعودية.

موقف طائرة الهلال الأحمر الدولي لا يمكن اعتباره تحرّكا عارضا أو خطأ غير مقصود، خاصة أن لوائح التحالف وإرشادات السفر في الأجواء اليمنية معلومة للمؤسسات الدولية، ورغم هذه المعرفة فإن تعمّد الطيران فوق مناطق العمليات وفي أجواء المعارك وساحة نشاط الطائرات الحربية للتحالف ومضاداتها الأرضية، قد يشير إلى تحرك مُتعَمّد لشلّ حركة التحالف، وتوفير غطاء جوي مدني لميليشيات الحوثيين، يساعدها على التحرك الآمن أو إعادة تمركزاتها أو تأمين خطوط اتصال وإمداد للربط بين عناصرها ومناطق نفوذها.

هذه الاستفادة الحوثية من التحركات الدولية، حتى لو لم تكن مقصودة، تُعني أن الولايات المتحدة قد تكون بصدد خصومة مباشرة قريبا مع مؤسسات ومنظمات دولية، أو على الأقل تحتاج لممارسة ضغوط جادة وحقيقية عليها لضمان إحداث تأثيرات قاسية على الحضور الإيراني في اليمن، بجانب الحصار المتنامي في سوريا والعراق، والتحركات الرامية لحبس إيران وراء خطوط حدودها، وتغذية جبهات الصراع الداخلية بتعميق الضغوط الاقتصادية دعما للاحتجاجات والقلاقل في المدن الكبرى وفي جنوبي البلاد.

 

اليمن يسدد فواتير الأشقاء

لن تغامر إيران بالتخلّي عن مكاسبها في اليمن، وستدفع بكل قوة للإبقاء على أكبر قدر ممكن من الحضور، أي الإبقاء على الميليشيات الحوثية في أفضل حال ممكنة لأقصى فترة وعلى أوسع مدى جغرافي، ودون الدعم التركي والقطري، ومع تصاعد الاختناق السياسي والاقتصادي، فإن طهران توقن جيدا أنها لن تتمكن من إنجاز هذا الهدف.

وحتى تُبقي إيران على أطراف المعادلة الحالية بالشكل الذي يُؤمّن لها أكبر حزمة من أهدافها، فإنها ستواصل الدفع في اتجاه تعميق الروابط مع أنقرة والدوحة، للتمتع بدعمهما المباشر في اليمن، وهذا الأمر يقتضي العمل على إبقاء المشهد العربي العربي (بين قطر ودول الرباعي) ساخنا للدرجة القصوى، وتعميق الخلافات بين تركيا والولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وقد تلجأ في هذا للعب دور غير مباشر في اتجاه تغذية الصدام بين الطرفين، سواء مع وحدات حماية الشعب الكردية المدعومة من واشنطن في شمالي سوريا، أو مع وحدات المقاومة الشيعية العراقية وعلى الجبهة الكردية.

كلما زادت الضغوط في سوريا والعراق، ستهرب تركيا وإيران إلى ملفات أخرى وجبهات بديلة، بالتأكيد سيبحث البلدان عن جبهات وأوراق مناورة جديدة، لكنهما سيحافظان على المتاح حاليا، ما يُعني مزيدا من تعميق الحضور في المشهد اليمني، ومزيدا من التحرّكات الساعية لإرباك المشهد وتغيير معادلة الصراع.. أي أن كل نجاح ستحققه سوريا والعراق ستقابله ضغوط قاسية على اليمن، فيما يبدو أنه تضحية اضطرارية وتسديد إجباري من اليمن لفواتير الأشقاء.  

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق