12 سقطة مهنية في فيديو الجزيرة.. حروب التيه "قُبلة قطر للإرهاب في رمقه الأخير"

الإثنين، 30 يوليه 2018 03:00 م
12 سقطة مهنية في فيديو الجزيرة.. حروب التيه "قُبلة قطر للإرهاب في رمقه الأخير"
قوات الجيش في سيناء وعناصر الميليشيات الإرهابية
حازم حسين

50 دقيقة بثّتها قناة الجزيرة القطرية في حلقة من برنامج "النقطة صفر"، تقدمه الفلسطينية سلام هنداوي، منحتها القناة اسم "سيناء.. حروب التيه"، وحاولت خلالها تقديم صورة تُوحي بأنها حقيقية وآنية للمشهد في سيناء، لكن صياغة الفرضية، ومسار تحقيقها، والثغرات المهنية العديدة والضخمة التي تجلّت على امتداد الشريط، كانت كلها كاشفة لانحياز الجزيرة وفريق عملها، وللهدف الأساسي الذي صّنع من أجله الشريط.

خلال الشهور الستّة الأخيرة نجحت الأجهزة الأمنية في حصار الإرهاب في شمال سيناء بشكل كامل، وأسفرت العملية الشاملة سيناء 2018 عن استعادة السيطرة على كامل المدن والقرى والمحاور الاستراتيجية في سيناء، وتصفية معاقل الميليشيات الإرهابية وجيوب انتشارها، إضافة لقتل عشرات من أعضائها والقبض على مئات آخرين، وأيضا تدمير الآلة الإعلامية للتنظيم والمقرات التي أعدّها كاستوديوهات لإنتاج أشرطته الدعائية.. الخسائر الضخمة التي تكبّدها الإرهابيون في سيناء حرمتهم من قوتهم الإعلامية، والدليل الأكبر أنهم لم يبثوا فيديوهات مصورة عن تحركاتهم وعملياتهم خلال الشهور الأخيرة، كما اعتادوا في أوقات سابقة، ويبدو أن الجزيرة أمام هذا الحصار الخانق قررت أن تتقدم خطوة لدعم التنظيم وتولّي دور آلته الإعلامية والدعائية.

 

تدليس منذ اللحظة الأولى في حروب التيه

في التحقيقات الميدانية تكتسب المعلومة قيمتها وجدارتها الإخبارية من ربطها بسياق زمني وجغرافي وحدثي واضح، ونسبتها لسياق مرجعي تُقاس عليه الأمور. لا قيمة لمعلومة خارج إطار الزمن، خاصة إذا كنا بصدّد تحقيق بيئة ديناميكية متطورة بشكل لحظي، تتغير تفاعلاتها وواقع الأرض فيها بشكل متواصل. هذه قاعدة أولى لا يُعني تجاهلها إلا احتمالا من اثنين: إما أن انتزاع المعلومة من سياقها أمر يستهدف تزوير واقع الصورة، أو أنه محاولة للتوظيف الدعائي لهذه المعلومة. لا سيّما إن كانت معلومة مهتزة ومطعونا فيها بعدم الدقة أو بالتزييف الكامل.

 

العمليات العسكرية فى سيناء (2)

في أحدث شريط بثّته قناة الجزيرة القطرية حول الوضاع في شمال سيناء، ومنحته اسم «سيناء.. حروب التيه» ارتكبت القناة وفريقها هذه السقطة المهنية، لكنها تورّطت فيها بشكل مركّب، فيما يخص انتزاع المعلومات من سياقاتها المرجعية، أو صياغة نمط حكائي أقرب إلى السيناريو المغلق، انطلق من فرضية أولى ووظّف كل العناصر المتوفرة، والمصنوعة، لتحقيق هذه الفرضية بعيدا عن منطق الاستقصاء الميداني. الشريط بكل الصور يُمثّل سقطة مهنية ضخمة، لا يمكن اعتبارها أمرا مؤسَّسا على نقص المعلومات - القناة حشدت قدرا كبيرا مما ادّعت أنه معلومات - لكنها سقطة صنعتها الرسالة الموجهة بالأساس، كان الأمر واضحا منذ بداية الشريط، بينما غابت تماما أسس التحقيق الميداني، لكن الأهم في الأمر أن المسار الموضوعي لجمع المعلومات ميدانيا بدا غائبا ومطعونا فيه. نظرة عابرة على التحليل البصري للشريط تكفي لالتقاط عشرات من مناطق العوار.

 

حروب التيه.. باحث إخواني ومذيعة صديقة للإرهابيين 

في المدخل التمهيدي أشار الشريط إلى أن العمليات العسكرية في شمال سيناء ممتدة منذ العام 2011 حتى الآن، لكن فريق البحث لم يُحدّد بوضوح المدى الزمني الذي جرى الاشتغال عليه، ولا الفترة التي غطّتها عمليات البحث وجمع المعلومات ميدانيا، أو إعداد المقابلات وإجرائها. المصادر التي استندت إليها القناة بدت مُستدعاة من إطار زمني قديم نسبيا، بينما حاول الشريط تسويق الأمر باعتباره معالجة آنية للأوضاع. هنا كانت السقطة الضخمة والمرعبة.


العمليات العسكرية فى سيناء (3)

اعتمد الشريط في جانبه الإحصائي والمعلوماتي على شخص يُدعى «أبو بكر خلاّف» جرى تعريفه باعتباره صحفيا وباحثا. تتبُّع الاسم يكشف انتماء «خلاّف» لجماعة الإخوان، وتأسيسه ما يُعرف بـ«نقابة الصحفيين الإلكترونيين» بالتعاون مع شركة «أوتو» القطرية للتدريب الإعلامي. الشركة هي الممول الأساسي لموقع مصر العربية المحسوب على الجماعة الإرهابية (لديه قضية رسمية للعمل بدون تراخيص) ورئيس تحريره عادل صبري هو الأمين العام لنقابة «خلاّف» الوهمية. الأخير ضُبط في 2015 وأحالته الأجهزة الأمنية للتحقيق في القضيتين 4449 و4748 لسنة 2015، على خلفية تصويره وقائع تسلُّم أسر إخوانية لجثث ذويهم من مشرحة زينهم، وتصوير القضاة المشاركين في عزاء النائب العام السابق هشام بركات، في إطار مخطط لاستهدافهم، بجانب توفير مواد بصرية لقنوات الشرق ومكملين ووطن الإخوانية وقناة الجزيرة القطرية. المفاجأة أن «خلاف» حاول في الفترة نفسها الهروب إلى إسرائيل عبر خطاب وجّهه في أغسطس 2015 لكلية الآداب جامعة تل أبيب (حصل بالفعل على موافقة رئيس القسم ميخائيل جلوزمان) بدعوى إعداد بحث عن الكاتبة الإسرائيلية سارة إنجيل.

مقدمة الشريط، الفلسطينية سلام هنداوي، من أسرة تنتمي لحركة حماس. ربما تأثرت بالخلفية الإخوانية في نشأتها، لكن الأهم أن مسارها المهني حافل بالتساؤلات المريبة.. في احتدام المشهد الليبي وعمق سخونته كانت «هنداوي» في بنغازي، وقت سيطرة الميليشيات الإرهابية عليها. في حلب وقت سيطرة الميليشيات أيضا كانت المراسلة الفلسطينية هناك (تحت غطاء من الإسلاميين المسلحين) كما غطّت عمليات الحوثيين على مدينة عدن اليمنية - من الجانب الحوثي بالطبع - وأعدت شريطا موجّها عن مثلث حلايب، بدون تصاريح وتنسيق مع الجهات المصرية وتحت حماية وحدات من الجيش السوداني. شخصية الـSuper Woman سلام هنداوي تُعيد للأذهان حكاية الإعلامي المصري يسري فودة، الذي التقى إرهابيي القاعدة وطالبان والدولة الإسلامية في العراق ثم «داعش» لاحقا، في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا، وعبر معهم الحدود بين البلدين الأخيرين، وفي كل هذه التغطيات كان يتمتّع بغطاء من الجانب الميليشياتي، وبطبيعة الحال كان يعودا سليما مُعافى، حتى لو قُبض على بعض ضيوفه (خالد شيخ محمد ورمزي بن الشيبة نموذجا) بعد أيام من المقابلة.

 

حروب التيه بين لقطات أرشيفية وتمثيلية مُجهّلة

الثغرة الأكبر في الشريط أنه لم يُحدّد المدى الزمني للبحث الميداني، ولا الفترة التي جرت فيها المقابلات. يمكن القول إن كل معلومة مرتبطة بمناخ جمعها وتوقيت الجمع، على الأقل لضمان حداثتها أو حقيقة اطلاع الضيوف والمصادر على تطورات الأوضاع. في شريط الجزيرة كان فريق العمل حريصا على تغييب المعلومات الأوليّة بشكل كامل، لن تجد معلومة واضحة عن اللقطات والمشاهد البصرية، ولا عن مواعيد المقابلات، ولا عن فترة رصد الفريق الميداني للأحداث، أو حتى آلية وصول الفريق لمواقع البحث، وحجم الاستعانة بعناصر من الداخل، وعدد العناصر الخارجية التي نجحت في اختراق بيئة البحث، ولا كيف قضت أوقاتها في ساحة ملتهبة، أو كيف تحركت وسط أعمال عسكرية محتدمة ورصد متواصل من الأجهزة الأمنية. تقريبا لا معلومة واضحة، بينما تتوقف جدارة المعلومات المطروحة وجدّتها وحجم تمثيلها للبيئة الميدانية على هذه المداخل المهمة. يُحاول الشريط إيهام المشاهد بأنه يُقدّم رفعا ميدانيا آنيًّا للواقع، بينما تحليل المعلومات وخيوط الربط بينها يؤكد أننا أمام إعادة إنتاج لمحتوى قديم.

سيناء (4)

لم يوفّر شريط الجزيرة فرزا إحصائيا لمعلوماته ومحتواه البصري. استعان في كثير من المناطق بلقطات أرشيفية جرى بثّها في بيانات للجيش المصري أو العناصر الإرهابية بين 2012 و2016 دون إشارة إلى أنها مشاهد أرشيفية، كما لم يميّز لقطاته ومشاهده التي يُفترض أنها حصيلة جمع ميداني مباشر بأية علامة أو عبارة إيضاحية. جودة الصورة ظلّت ثابتة في أغلب الشريط بشكل قد يُرجّح مصدرها الأرشيفي، كما لم تظهر العناصر الميدانية (سواء ظهورا واضحا يؤكد موثوقية الوجود في بيئة البحث، أو ظهورا مموّهًا يدعم أن جامع معلومات مستقلا كان بصحبة المصادر أو على مقربة من الأحداث) مشهد واحد ظهرت فيه سيارة خاصة تتحرك في متّسع صحراوي فسيح دون علامات مميزة، وبشكل لا يُقبل عقلا أن يكون جرى في الشهور الستة الأخيرة، مع فرض رقابة صارمة مدعومة بغطاء جوي على تحرك السيارات والآليات في مناطق شمال سيناء وعلى محاورها وطرقاتها. الشواهد تُرجّح إما أن تكون اللقطات قديمة (قبل العملية الشاملة سيناء 2018) أو أنها مصنوعة في بيئة صحراوية خارج سيناء. الاحتمال الأخير يُعني أننا أمام مشاهد تعبيرية قد تكون مقبولة في الأعمال الوثائقية والميدانية، لكن عدم الإشارة إلى أن المشهد تمثيلي أو مصنوع قد يكون تعمُّدًا واضحا للتضليل، ومنح المعلومة جدارة غير متحققة لها، وإلحاقها ببيئة ميدانية لا تخصها.

 

لغة المصادر تفضح تزييف حروب التيه

استعان الشريط بعدد من المصادر (أخفى هوياتها) كان الأول حسبما جرى تعريفه مجنّدا سابقا في الجيش، أُجريت المقابلة معه في القاهرة، هذا الأمر يُعني أن هذا المصدر - لو لم يكن تمثيليا هو الآخر - قد غادر سيناء قبل عدة شهور على الأقل. حديثه بالفعل لم يقترب من الأحداث منذ انطلاق العملية الشاملة في فبراير، لكن الغريب أنه يتحدث عن شهداء القوات المصرية بتعبير «قُتل» وهو ما لا يتواتر على ألسنة عموم المصريين، فضلا عن مجند كان مُعرضا للشهادة وبالتأكيد لا يرى زملاءه وأصدقاءه قتلى (الوعي السائد بين الجنود أكثر تشدّدا فيما يخص وصف الشهيد).. لكن المفارقة أن المجند يتحدث عن استهداف عشرين نقطة أمنية بالتزامن واستشهاد 200 ضابط وجندي في يوم واحد. القاعدة المهنية أن المعلومة إذا تجاوزت وعي المصدر وقدراته على النفاذ للمعلومات فهي معلومة مُضلّلة ولا يُعوّل عليها، وأعداد النقاط التي تعرضت لهجوم أو العناصر التي استُشهدت، أمر يتجاوز وعي ومعرفة جندي عادي. هنا نحن أمام مصدر يقدّم معلومات تفوق قدراته ومن ثمّ يجب إخضاعها للبحث والتدقيق، وعدم الاعتداد بها بهذا اليقين، أو أنه مصدر مُخترع في مشهد تمثيلي يُستَنطق بما يريده الشريط ومُعدّوه، وربما كان الاحتمال الأخير هو الأرجح، خاصة أن فريق العمل لم يهتم بتحقيق المعلومة واستيفاء جدارتها. كان الفريق يريد المعلومة بغض النظر عن حقيقتها، وبوضعها على لسان مصدر مُجهّل حقق غرضه، فتجاهل أسس التحقيق الميداني الاستقصائي في التعامل معها ومعالجتها.

في مقابلة أخرى يقدّم الشريط مصدرا غير واضح الهوية، باعتباره ضابطا رافق الشهيد أحمد المنسي 6 شهور. لم يوضح الشريط ولا مصدره المدى الزمني للشهور الستة، وهل كان في وقت سابق أم قبل استشهاد المنسي. الاحتمال الأول يُعني أن المرافقة قد تكون مرت عليها سنوات، وحتى في الاحتمال الثاني فالمصدر يتحدث عن الفترة بين يناير ويونيو 2017 (قبل استشهاد المنسي في يوليو 2017) لكن الشريط ساق المقابلة باعتبارها شهادة على الوضع الراهن. هذه مخالفة صريحة لأُطر الضبط المهني للعمل الميداني. لكن الأكثر غرابة أن المصدر نفسه تحدث عن استشهاد أكثر من ضابط بوصف «قتله» وبالتأكيد لا ينسجم هذا الأمر مع عقيدة العسكرية المصرية. الملفت في الأمر أن أحد مشاهد المقابلة استعرضت مؤقت برنامج التسجيل وهو يشير للدقيقة 25. الشريط لم يستعرض من حديث المصدر إلا أقل من خمسة دقائق سارت كلها في المسار الذي اعتمدته فرضية الشريط وعنوانه. وهنا أيضا نتوقف أمام سؤال مهم عن الانتقائية ومعيار اختيار المادة.

يدعم الشكوك حول المادة المجموعة تعمّد التلاعب بأصوات المصادر في الوقت الذي أُخفيت فيه هوياتهم. افتراض أن الأمر مرتبط بتأمين المصادر يتحقق بإخفاء الهوية (على الأقل في حالة المصادر المجهولة أصلا كالمجند وعنصر الجماعات الإرهابية السابق) أما التلاعب في الصوت فربما كان محاولة لإضفاء قيمة إقناعية على الشريط، بهدف الإيحاء للمتلقي بجدية الأمر، خاصة أن بعض برامج المعالجة الصوتية الحديثة يمكنها الوصول لبصمة الصوت وتحديدها رغم هذا التلاعب، أي أن الأمر لو كان مرتبطا بتأمين المصادر فإن الجهات الأمنية يمكنها تحديد بصمة الصوت، والوصول لهؤلاء الأشخاص حال كانوا حقيقيين. المُرجّح أن هذه النقطة لم تغب عن بال صناع الشريط، وربما كانت المصادر غير حقيقية، ومن ثمّ لا خطورة عليها، كل ما في الأمر منح الشريط بُعدًا إقناعيا للمشاهد، واستكمال هندسة المحتوى المصنوع بشكل يبدو أكثر إتقانا وتأثيرا.

ضمن قائمة المقابلات قدّم الشريط شخصين من بيئة البحث، الأول باعتباره عنصرا من المجموعات المتعاونة مع الجيش، لم يتطرق الحوار معه لحدود التعاون وآليات التنسيق، وهي الأمور التي يُحتمل أن يكون على علم بها، لكنه استقى منه معلومات عن أسماء قبلية بارزة، منها إبراهيم العرجاني، وربطها بأجهزة أمنية وشخصيات مهمة داخلها، وهو الأمر الذي يفوق وعي المصدر وخطوط اتصاله بطبيعة الحال، تماما كحالة المجند المزعوم. الحالة شبيهة بأن أُجري تحقيقا ميدانيا عن قطر، وأقبل من مواطن قطري عادي معلومة مفادها أن أمير الدولة تميم بن حمد قال لمساعديه في غرفة مغلقة بقصر الوجبة سأقتل والدي حمد بن خليفة لأنه يتآمر عليّ. هنا تسقط المعلومة ولا يُقام لها اعتبار لأنها تتجاوز حجم المتاح للمصدر ومدى قدرته على النفاذ لها واختبار صحتها. المصدر الثاني قيل إنه عنصر سابق في الجماعات الإرهابية «تنظيم الدولة».. لم يقدم المصدر ولا الشريط تبريرا لبقاء إرهابي منشق على قيد الحياة ومطلق السراح، بينما يظل هدفا للأجهزة الأمنية، وفي الوقت نفسه يُعرف عن الجماعات الإرهابية عدم قبولها لفكرة الانشقاق أو تسامحها معها. الأكثر مفارقة أن المصدر يقول إنه ترك تنظيم الدولة بعد سنتين. بالنظر لتاريخ مبايعة إرهابيي سيناء لـ«داعش» يكون قد انشق في 2016، ومرة أخرى نواجه سؤالا مهما حول سنتين من السلامة وحرية الحركة بين الميليشيات والجيش وهو مطلوب منهما في الوقت نفسه، لكن الأهم أن معلوماته تظل متوقفة عند لحظة انشقاقه (2016) وتقديمه الآن مع تعمّد تغييب هذه المعلومة المهمة يُعني أننا أمام عملية تضليل وتلفيق معلوماتي من جانب الشريط والجزيرة وفريقها.

 


فرضية مغلقة وتحقيق موجّه

يُفترض في البحوث الميدانية الاستقصائية أن ينطلق العمل من فرضية مفتوحة قابلة للتعديل مع مسار تحقيقها واختبارها عمليا. الشريط انحاز للعكس تماما، انطلق من فرضية مغلقة وأعاد توظيف المعلومات أو صناعتها، واستعان بالمشاهد الأرشيفية والمقابلات مُجهّلة التاريخ، لدعم هذه الفرضية. هذا التعاطي مسلك انحيازي يضرب فكرة العمل البحثي والميداني، وقد تجلّى هذا الانحياز في صور أخرى، أبرزها اعتماد توصيفات الميليشيات لنفسها «تنظيم الدولة» و«ولاية سيناء»، في الوقت الذي وصف فيه العناصر المتعاونة مع أجهزة الأمن المصرية بـ«الميليشيات».. الخياران المنطقيان للتعاطي مع الأمر ينحصران في اعتماد توصيفات الدولة المصرية للجانبين، باعتبارها الكيان الشرعي صاحب السلطات القانونية والولاية في المجال الجغرافي المصري، هنا يصبح متطرفو شمال سيناء «إرهابيين أو ميليشيات» ويصبح أبناء القبائل «متعاونين»، والخيار الثاني الأقل مهنية هو اعتماد تسمية كل طرف لنفسه. الجزيرة ذهبت إلى الجانب الآخر تماما، فاعتمدت تسمية الإرهابيين لأنفسهم «تنظيم الدولة/ ولاية سيناء» وتسميتها للمتعاونين «الميليشيات». هذا الكشاف الاصطلاحي انحياز واضح لجانب الميليشيات، بوضعه إلى جوار فرضية الشريط وعنوانه، يخرج الأمر من حيّز العمل الإعلامي الميداني والاستقصائي بشكل كامل، ليدخل حيّز الانحياز الدعائي والترويجي، كما لو كان الشريط صادرا عن الفريق الإعلامي للميليشيات الإرهابية وليس عن منصّة يُفترض فيها الالتزام بالضوابط المهنية للعمل الإعلامي.

في المقابلات الميدانية التي يُفترض أنها جرت في سيناء، لم تكشف اللقاءات عن أي ملمح بصري يوثّق الوجود في ساحة البحث. فبينما ادّعى الشريط وجود فريق ميداني في سيناء عبر لقطات عامة لتحركات عسكرية (لا يبدو أنها لقطات خاصة، وبعضها أرشيفي سبقت إذاعته) اعتمدت لقاءات المصادر الميدانية على لقطات مقربة للغاية، لا تكشف عن أي ملمح لسيناء، مجرد مشاهد في بيئة صحراوية يمكن أن تكون في صحراء قطر أو غيرها. وكان الأكثر توثيقا وتدليلا على حقيقية اللقاءات أن ينفتح الكادر على لقطات بعيدة تُظهر وجودا عسكريا أو تحركا لآليات أو طائرات. يُضاف لهذا أن شريط الصوت كان نقيا للغاية، لا تظهر في خلفيته أصوات طائرات أو إطلاق رصاص، وهي الأصوات التي يُفترض أنها دائمة الحضور في بيئة حرب مفتوحة كما حاول الشريط إيهامنا، بل كانت لهجة أحد المصادر الميدانية مختلفة بدرجة واضحة عن لهجة أبناء سيناء، وبدا المصدر يبذل مجهودا للحفاظ على صيغة لهجية واحدة، بينما أفلتت منه بعض الكلمات لتخرج بصورة صافية أقرب للفصحى المجرّدة أو لهجات أبناء المدن.

الرسائل المبطّنة في الشريط لا تقل توجيها عن الرسائل المعلنة والمادة البصرية. في مشهد جرافيك يحاول الشريط الإيعاز بأن انتشار آليات الجيش المصري في المنطقة «ج» بسيناء جرى بقبول ومباركة إسرائيلية، عبر صورة تعبيرية ليدين ملونتين بعلمي مصر وإسرائيل تتصافحان. حقيقة الأمر أن زيادة الوجود العسكري في سيناء سبقته تفاهمات صعبة مع تل أبيب، التي كانت ترفض هذا الأمر وكان رفضها سببا في زيادة انتشار الإرهابيين بسيناء، هذه واحدة من بنود اتفاقية السلام، ومع تطور الأمر ضغطت مصر واضطرت إسرائيل للرضوخ، لكن لم يكن الأمر قبولا ودودا كما حاول الشريط إيهام متابعيه. بجانب هذه النقطة يُمكن النظر لعنوان الشريط «حروب التيه» المُستدعى من الوصف القرآني والتوراتي لرحلة بني إسرائيل في خروجهم مع موسى، وسنوات التيه التي قضوها في سيناء. هنا لسنا أمام استعارة تاريخية تقصد الإشارة لإطالة أمد الحرب فقط، لكننا أمام تشبيه مباشر للدولة المصرية ومؤسساتها ببني إسرائيل، وحينما تكون المواجهة مع ميليشيات إرهابية تدّعي التعبير عن الإسلام، فإن هذا التشبيه يمثّل انحيازا مباشرا من قطر والجزيرة وفريق الشريط لجانب الميليشيات الإرهابية، ومحاولة منح هذا الانحياز الإجرامي غطاء دينيا مشبوها، وهي جريمة كبرى، ليست فقط في الوقوف مع الإرهابيين على ضفة واحدة، ولكن في محمولها العميق الذي يمثّل شحنًا ضد الدولة المصرية وتوظيفا للمشاعر الدينية لدى ملايين المسلمين في المنطقة العربية والعالم، ضد دولة تخوض صراعا وطنيا مع تجمعات إرهابية، ليس من صحيح العمل الإعلامي ولا الأخلاقي أن تُوظّف النصوص والسرديات الدينية فيها لصالح المجرمين في مواجهة أصحاب الحق.

سيناء (1)

فيديو الجزيرة.. وزير إعلام الإرهاب

شريط الجزيرة مليء بالثغرات. يمكن القول بموضوعية شديدة إنه خارج إطار المهنية تماما، لم يستوف ضوابط البحث الميداني، لم يُدقق المعلومات والتواريخ، ولم يوضح الفواصل بين المواد الخاصة والأرشيفية. الشريط أقرب إلى العمل المصنوع تمثيليا لا البحث الاستقصائي، ولا يخرج عن خطاب الجزيرة الداعم للميليشيات الإرهابية في شمال سيناء، ولإرهاب الجماعات الإسلامية بشكل عام، سواء في ليبيا أو اليمن أو سوريا أو العراق. حاولت الجزيرة في شريطها إيهام المشاهدين بأن استهداف الإرهابيين في سيناء «حروب تيه» لكن في الحقيقة خرج الشريط في صورته النهائية تعبيرا عن تيه آخر، سياسي وإعلامي، يبدو أنه يضرب الإمارة الخليجية الصغيرة وأذرعها الإعلامية والميليشياتية، ويعبر عن محنة الدوحة وحلفائها المتطرفين في المنطقة، أكثر من تعبيره عن أي شيء آخر.

لم يقترب الشريط بشكل واضح من الأوضاع منذ انطلاق العملية الشاملة 2018. حاول الإيهام بأنه يناقش الوضع الحالي، بينما استند إلى لقطات أرشيفية ومقابلات مصنوعة ومعزولة عن مجالها الجغرافي، حتى يُعطي انطباعا للقارئ بأن الأوضاع في سيناء خارج السيطرة، في الوقت الذي تؤكد الشواهد العملية وروايات شهود العيان وأهالي شمال سيناء أن أجهزة الأمن تفرض سيطرتها الكاملة على المنطقة، وسط غياب واضح لعناصر الميليشيات الإرهابية، وهو ما دعمته مثلا زيارة الفريق أول محمد زكي، وزير الدفاع والإنتاج الحربي، لعناصر القوات المسلحة والشرطة في شمال سيناء، وقضاء ساعات معهم بين حوار ومداعبة وممارسة للرياضة، بشكل يؤكد استقرار الأوضاع وعدم وجود أي تهديد أمني بأية صورة من الصور، إلى حد أن القيادة العسكرية الأبرز تتجول في مناطق العمليات بثقة واطمئنان وفي مناخ هادئ.

تعلم الجزيرة بالتأكيد أن شريط حروب التيه لن يغير واقع المشهد العملي على أرض شمال سيناء، ولن ينفخ الروح في شرايين الميليشيات الإرهابية التي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لكن غايتها من الفيديو أن تُصوّر الأمر على غير حقيقته، استهدافا للروح المعنوية للمصريين، وتوفيرا لغطاء إعلامي ودعائي للإرهابيين.. المؤكد أن تحوّل مهمة الدعاية من أجهزة وعناصر الميليشيات ومقاتلي داعش إلى قناة الجزيرة، يُعني أن التنظيم فقد كل قدراته بما فيها الآلة الإعلامية، وأن تتحول حروبه هو وداعميه إلى استهداف إعلامي دعائي بـ50 دقيقة مصنوعة وموجّهة، فهذا في جوهره اعتراف بعدم القدرة على تشكيل أية خطورة أو تنفيذ أية عمليات على الأرض حاليا، وهكذا فإن الشريط في حقيقته ليس عن حروب التيه للدولة المصرية - كما أرادت رسالة الجزيرة المُغرضة تسويقه - لكنه إشارة قوية على أن ماكينة دعم الإرهاب تفقد قدرتها وتتساقط تروسها تِبَاعًا، وأن قطر تواجه تِيها إعلاميا وسياسيا وأخلاقيا، أكبر من قدراتها الضئيلة ومن حجمها المحدود.

تستغل القناة الموجّهة الوصفة التي أعدتها لها هيئة الإذاعة البريطانية BBC (مؤسسة الجزيرة واستوديوهاتها وفريق عملها) وهي الوصفة التي طبعت منظومة العمل وأداء الإعلاميين الملتحقين بها، بدءا من يسري فودة حتى سلام هنداوي. قدر من المجهود في انتقاء وتوجيه المعلومات، ذكاء في اختلاق علاقات وخطوط ربط بينها، وانحياز مُبطّن حتى يظل الأمر قابلا لادعاء الموضوعية والمهنية، ووراء كل هذا يمكن أن تقف بـ"ملقط" صغير لتلتقط عشرات الثغرات والاختلاقات والتلفيقات ومحاولات التدليس والاجتزاء والتضليل المعلوماتي والبصري.. هذه صنعة الجزيرة التي قامت عليها، وهذه هي حروب التيه الحقيقية التي يتورط فيها إعلام قطر، الدولة التي تحولت إلى قناة تليفزيون "ملوّنة".


سيناء (2)

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق