«قرنية المتوفى» في أعين الخبراء.. القانون يواجه فتاوى الدين

الخميس، 02 أغسطس 2018 09:00 ص
«قرنية المتوفى» في أعين الخبراء.. القانون يواجه فتاوى الدين
قرنية العين - أرشيفية
إبراهيم الديب

لم تعلم أسباب التوتر الذي أصاب قلبها والقلق المنساب إلى عقلها لحظة مشاهدة «غرفة الغسل» الراقد داخلها زوجها مظلمة، وما الذي جعلها تشعر بأن شرا ما يحاك لجثمان لاحول له ولاقوة، فبدأت في تنحية حزنها جانبا لطمئنة صدرها من القلق والمشاهد المتداخلة التي شوشت رؤيتها وهي لاتعلم مايدور داخل تلك الغرفة المظلمة.

زوجة أحد المتوفين بمستشفى القصر العيني التعليمي، والمشهور مؤخرا بحادث «قرنية العين»، جال بخاطرها أن شرا آلم بزوجها وهو راقد منتظرا نقله إلى مثواه الأخير بعد انتهاء عمره في دنيا الفناء، وبعد محاولات كان الرفض هو عقبتها الأهم تمكنت من الدخول إلى تلك الغرفة ليتضح معالم المشهد المظلم كاشفا عن اختفاء قرينة عين زوجها على يد «ملائكة الرحمة»، ولم تتوقع أن تشوب نهايته تلك المأساة، وبدأت في الدخول بحالة من الهياج العصبي أفقدتها القدرة على ضبط نفسها لتكشف لنا الغطاء عن واحدة من اعظم خفايا عالم الطب داخل المستشفيات الحكومية.

جثمان بعين مخيط، وخرطوم مياه يتدلى فوقه.. ودماء سائلة على الأرض في انتظار تقطير النقطة الأخيرة منها، كان هذا أول مارأته أعين زوجة «مسلوب القرنية» داخل «مغسلة الموتى» بالقصر العيني، ووسط مطالبات أهله بمحاسبة المسئولين عن ارتكاب تلك الواقعة تتفتح الأذهان على مادة قانونية تصطدم بالواقع ورأي الدين، والعرف بين أهالي الأموات، تلك المادة التي فتحت بابا من الجدل الواسع بين جهات عدة، وتخلق حالة من الهلع والفوضى بين أهالي مرضى المستشفيات الحكومية.

حالة الجدل الواسعة التي سببتها تلك الواقعة جعلت الكثيرين ممن يهتمون بمتابعتها يفتسون بين دفاتر القوانين المنظمة لعملية التبرع بالأعضاء عن المادى التي تنص على قانونية الحصول على قرنية المتوفي دون الرجوع لأهله لاستخدامها في علاج المرضى كما صرح الدكتور فتحي خضير، عميد كلية طب قصر العيني، بحسب القانون حيث نص الكتاب الدوري للنائب العام في سبتمبر 2008، لتعديلات القانون رقم 103 لسنة 1962 بشأن إعادة تنظيم عمل بنوك قرنيات العيوم الصادرة بالقانون رقم 79 لسنة 2003 ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الصحة رقم 234 لسنة 2003، والتي تنص على: «لأقاسم الطب وجراحة العيون بكليات الطب في الجامعات المصرية إنشاء بنوك لحفظ قرنيات العيون للإفادة منها في ترقيع القرنية، وأوجب أن تتوافر في هذه البنوك الشروط المنصوص عليها في المادة (3) من اللائحة التنفيذية للقرار بقانون المشار إليه»، على أن يكون استئصال قرنيات العيون في المستشفيات المرخص لها في إنشاء بنوك قرنيات العيون، وفي المستشفيات الأخرى التي يحددها وزير الصحة، وتتم هذه العمليات  بمعرفة الأطباء  المرخص لهم في ذلك.

وتحصل تلك البنوك قرنيات العيون من قرنيات عيون الأشخاص الذين يوافقون موافقة كتابية على نقلها بعد وفاتهم بغير مقابل، و قتلى الحوادث الذين تأمر النيابة العامة بإجراء الصفة التشريحية لهم، وقرنيات عيون الموتى بالمستشفيات والمعاهد المرخص لها في إنشاء بنوك قرنيات العيون والتي يجمع ثلاثة من الأطباء  رؤساء الأقسام المعنية على نقلها وفقا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية للقرار بقانون إعادة تنظيم بنوك قرنيات العيون المشار إليه، على ألا يشترط موافقة أحد -المتوفي أو ورثته أو ذويه- قبل الحصول على قرنيات العيون في حالتي قتلى الحوادث الذين تأمر النيابة العامة بتشريحهم، أو بالمستشفيات والمعاهد المرخص لها في إنشاء بنوك قرنيات العيون.

استخدام المصطلحات الدالة على الوصف الصحيح، يعتبر هو المخرج الوحيد لتلك الأزمة، حيث أوضح الدكتور عبد الحميد أباظة، رئيس لجنة إعداد قانون زراعة الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010، أن أخذ الطبقة السطحية لقرنية لايعد مخالفا للقانون حيث أنها تندرج تحت وصف الأنسجة وليست عضو، وبالتالي لاتندرج تحت قانون زراعة الأعضاء البشرية، لافتا إلى أن لتلك العملية لها قواعد وشروط قائمة بذاتها بخلاف مايتعلق بزراعة الأعضاء.

وقال إن في زراعة الأعضاء يتم إحداث تغييرات في شكل وتكوين جثمان المتوفي، وبالتالي لابد من الحصول على موافقة كتابية من أهله، بخلاف زراعة القرنية والتي تعتبر نسيجا شفافا لايؤثر على شكل الجثمان، منوها أن إبلاغ أهل المتوفي يكون من باب العرف الأخلاقي فقط.

وعلى النقيض التام، أكد الدكتور علي محروس، رئيس الإدارة المركزية للعلاج الحر بوزارة الصحة والسكان، أن تلك المعملية تعد مخالفة قانونية صريحة، ولايجوز الحصول على قرنية المرضى دون وصية أو أذن كتابي من أسرة المتوفي، على سبيل التبرع بين الأقارب المصريين، مشيرا إلى جواز التبرع لغير الأقارب إذا كان المريض فى حاجة عاجلة لذلك، بشرط موافقة اللجنة الخاصة التى تُشكل لهذا الغرض بقرار من وزير الصحة وفقًا للضوابط والإجراءات التى تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

وأوضح رئيس الإدارة المركزية للعلاج الحر أن القانون ألزم أن يكون التبرع صادرا عن إرادة حرة خالية من عيوب الرضاء، وثابتا بالكتابة وذلك على النحو الذى تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون. ولا يقبل التبرع من الطفل، ولا يعتد بموافقة أبويه أو من له الولاية أو الوصاية عليه، كما لا يقبل التبرع من عديم الأهلية أو ناقصها ولا يعتد بموافقة من ينوب عنه أو بمن يمثله قانونا.
 
وشدد على أنه لا يجوز البدء فى عملية النقل بقصد الزرع إلا بعد إحاطة كل من المتبرع والمتلقي بواسطة اللجنة الثلاثية، والحصول على موافقة المتبرع والمتلقي، أو موافقة نائبه أو ممثله القانوني إذا كان من ناقصي الأهلية أو عديمها.
 
من جانبه أكد أحمد عمرهاشم، عضو هيئة كبار العلماء، أن الوصية قبل الوفاة شرط جواز نقل أعضاء الإنسان والتبرع بها بعد وفاته، ولايجوز شرعا الاستفادة من أي أعضاء الإنسان بعد وفاته دون وصية ولايحق لأحد كان من كان أن يخالف ذلك الحكم الشرعي.
 
وكانت أصدرت دار الإقتاء المصرية، فتوى تجيز التبرع بالأعضاء بقصد العلاج والدواء والشفاء للمحافظة على النفس والذات نقل وزرع بعض الأعضاء البشرية من الإنسان للإنسان، سواء من الحى للحى أو من الميت الذى تحقق موته إلى الحى، وهذا جائز شرعا إذا توافرت فيه شروط معينة تبعد هذه العملية من نطاق التلاعب بالإنسان الذى كرمه الله ولا تحوله إلى قطع غيار تباع وتشترى، بل يكون المقصد منها التعاون على البر والتقوى وتخفيف آلام البشر، وإذا لم توجد وسيلة أخرى للعلاج تمنع هلاك الإنسان وقرر أهل الخبرة من الأطباء العدول أن هذه الوسيلة تحقق النفع المؤكد للآخذ ولا تؤدى إلى ضرر بالمأخوذ منه ولا تؤثر على صحته وحياته وعمله فى الحال أو المال.
 
وحددت الدار 5 شروطا لترخيص عملية نقل الأعضاء البشرية من الميت إلى الحي على النحو التالي:
 
- أن يكون المنقول منه العضو قد تحقق موته موتا شرعيا وذلك بالمفارقة التامة للحياة، أى موتا كليا، وهو الذى تتوقف جميع أجهزة الجسم فيه عن العمل توقفا تاما تستحيل معه العودة للحياة مرة أخرى، بحيث يسمح بدفنه، ولا عبرة بالموت الإكلينيكى أو ما يعرف بموت جذع المخ أو الدماغ، لأنه لا يعد موتا شرعا، لبقاء بعض أجهزة الجسم حية، إلا إذا تحقق موته بتوقف قلبه وتنفسه وجميع وظائف مخه ودماغه توقفا لا رجعة فيه، وكان عمل بعض أعضائه إنما هو إلى بفعل الأجهزة، بحيث تكون روحه قد فارقت جسده مفارقة تامة تستحيل بعدها عودته للحياة، لأنه حينئذ لم يعد نفسا حية، والتحقق من الموت بناء على ما سبق يكون بشهادة لجنة مكونة من ثلاثة أطباء -على الأقل- متخصصين من أهل الخبرة العدول الذين يخول إليهم التعرف على حدوث الموت، وتكون مكتوبة وموقعة منهم، ولا يكون من بينهم الطبيب المنفذ لعملية زرع العضو المراد نقله، وهذه اللجنة يصدر بها قرار من الوزير المختص، فإذا لم يمكن - من قبيل الصناعة الطبية - نقل العضو المراد نقله من الشخص بعد تحقق موته بالشروط المذكورة فإنه يحرم حينئذ النقل، ويكون ذلك بمثابة قتل النفس التى حرم الله قتلها إلا بالحق.
 
- الضرورة القصوى للنقل بحيث تكون حالة المنقول إليه المرضية فى تدهور مستمر ولا ينقذه من وجهة النظر الطبية إلا نقل عضو سليم من إنسان آخر حى أو ميت، ويكون محققا للمنقول إليه مصلحة ضرورية لا بديل عنها.
 
- أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل فى حياته وهو بكامل قواه العقلية وبدون إكراه مادى أو معنوى وعالما بأنه يوصى بعضو معين من جسده إلى إنسان آخر بعد مماته، وبحيث لا يؤدى النقل إلى امتهان لكرامة الآدمى، بمعنى أنه لا تتضمن الوصية نقل كثير من الأعضاء بحيث يصير جسد الآدمى خاويا، لأن هذا ينافى التكريم الوارد فى قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بنى آدم﴾.
 
- ألا يكون العضو المنقول من الميت إلى الحى مؤديا إلى اختلاط الأنساب بأى حال من الأحوال، كالأعضاء التناسلية وغيرها، وذلك كما هو الحال فى نقل العضو من حى إلى حى تماما.
 
- أن يكون النقل بمركز طبى متخصص معتمد من الدولة ومرخص له بذلك مباشرة بدون أى مقابل مادى بين أطراف النقل، ويستوى فى ذلك الغنى والفقير، وبحيث توضع الضوابط التى تساوى بينهم فى أداء الخدمة الطبية ولا يتقدم أحدهما على الآخر إلا بمقتضى الضرورة الطبية فقط التى يترتب عليها الإنقاذ من الضرر المحقق أو الموت والهلاك الحال.
 
ومن جانبه قال الدكتور محمود كبيش، عميد كلية حقوق القاهرة السابق، إن قانون زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 يجرم ويمنع نقل أي عضو أو جزء من العضو أو أنسجة من مريض أو متوفي إلا في حالة الضرورة القصوى، ويكون ذلك بوصية وعلم أهل المتوفي، مؤكداً أن أي قانون سابق هو لاغي بصدور القانون الأخير الذي ينظم هذه الحالة.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق