ضربة استباقية للجيل الرابع من الإرهاب.. قراءة في المشهد الأمني بعد حادث كنيسة مسطرد

الأحد، 12 أغسطس 2018 09:00 م
ضربة استباقية للجيل الرابع من الإرهاب.. قراءة في المشهد الأمني بعد حادث كنيسة مسطرد
انهيار التنظيمات الإرهابية
هشام السروجي

فشل إرهابي مسطرد من تنفيذ عمليته أمس، وتناقلت وسائل الإعلام الخبر مُجردًا، مُعتمدة على البيانات الرسمية دون التطرق إلى تحليل العملية، والوقوف على بعض النقاط المهمة التي تشير بقوة إلى دلالات عديدة، تؤكد على انهيار البنية التنظيمية للجماعات الإرهابية في مصر، بعد أن عصفت بها رياح ضعف التمويل وندرة التواصل مع التنظيمات في الخارج، بعد أن أصبحت محاصرة داخل بعض الجيوب في سوريا والعراق وليبيا، كما لعبت الانتصارات التي حققها الجيش السوري على أراضيه، ومن قبله القوات العراقية، والحصار الذي يضربه الجيش الوطني الليبي على هذه التنظيمات المسلحة، على فقدان التنظيم للأرض التي استخدمها الإرهابيون في التدريب وإرسالهم مرة أخرى إلى بلدانهم، وهو ما أشارت إليه المئات من قضايا التنظيمات الإرهابية التي نظرتها الجهات المختصة في مصر.
 
الاستناد إلى أرشيف العمليات التي نفذتها الذئاب المنفرد مستهدفة الكنائس، والأخرى كالتي نفذت سلسلة عمليات استهداف الكنائس البطرسية والإسكندرية وطنطا والمتهم فيها 48 شخصا، وهي ما تُعرف بـ«التنظيم العنقودي»، أي الذي يترابط أعضاءه بشكل مُتشابك ويكوّنوا خلايا منغلقة، تنتهي قياداتها إلى إثنين أو ثلاثة أفراد، لذا سُميت بـ«العنقودية» لتشابهها بعنقود العنب، في كلا الحالتين هناك دلالات برزت من خلال تخطيط وتنفيذ عملية مسطرد.

 
 
 
قبل الخوض في الدلالات من الضروري معرفة أن التنظيمات السرية ومنها «الإرهابية»، تُصنف بحسب كتلتها التنظيمية ومساحة سيطرتها الجغرافية ومدى السرية التي تفرضها علي أنشطتها، والتصنيفات التي خُلصت إليها الدراسات كثيرة، منها الهرمي والعنقودي والخيطي والنحلي والترابطي والمركزي والنجمي والدوائر المغلقة والانشطاري، ومؤخرًا ساهمت تكنولوجيا الإتصالات وشبكات التواصل الإجتماعي في خلق نوع جديد من التنظيمات تسمى «الذئاب المنفردة» وهو الأخطر لصعوبة رصد عناصره.
 

لماذا نجح الأمن؟
 
النجاح الأمني كان الدلالة الأولى في فشل العملية، وهناك من يقّتَصِر عنده النجاح على قتل العنصر الإرهابي في مواجهة مباشرة مع الأمن، مثل واقعة استهداف الإرهابي إبراهيم إسماعيل لكنيسة «مارمينا العجايبى» بحلوان، أو القبض عليه قبل التنفيذ، فيما يُعرَف بالضربات الاستباقية فقط، لكن النجاح الحقيقي هو في القدرة الأمنية على فرض تواجده على الأرض بقوة، وإحكام المراقبة بتوسيع دائرة الاشتباه من خلال انتشار العنصر البشري، وفي حال أفلت من الضربات الاستباقية كان التواجد الأمني حجر عثرة حقيقي في خط سير العملية، الأمر الذي جعل المُنفذ وللمرة الأولي يلجأ للتنكر في ملابس عامل يوفر له سهولة التحرك في منطقة الهدف، ما يشير بقوة إلى التَحَسُب من التواجد الأمني، وهي المرة الأولي التي يستخدم فيها إرهابي «ساتر تحرك» واضح.
 

 
تعاطي الأجهزة الأمنية مع الأشكال المختلفة للتنظيمات في مصر، وأبرزها الهرمي مثل جماعة الإخوان الإرهابية وفيه يكون التنظيم علني، وأشبه بمؤسسات الدولة في اسلوبه الترابطي، وكذلك تعاملت مع العنقودي مثل «داعش» واللجان النوعية المنبثقة عن جماعة الإخوان وأخيرًا «الذئاب المنفردة»، رسخ في عقيدتها الأمنية أن تضييق الخناق من خلال التواجد الأمني المكثف وتوسيع دوائر الإشتباه، هو أبسط الحلول وأكثرها نجاح، وفي سيناء كان النموذج الأمثل في القضاء على تنظيم ولاية سيناء من خلال الحصار وتكثيف الإنتشار.
 
النجاح الأمني في عرقلة التحرك السري للتنظيمات، يأتي من التكامل والتعاون بين الأجهزة والمؤسسات الأمنية وتبادل المعلومات والمشاركة في العمليات الأمنية ضد العناصر الإرهابية وتنظيماتها، فمقارنة الوضع الحالي بالحالة الأمنية الداخلية منذ يناير 2011 وحتى منتصف عام 2014، يكشف عن تطور نوعي في المنظومة الأمنية المسؤولة عن العمل في ملف الجماعات المتطرفة، حيث لا يمكن إنكار أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تواجد فيها «خلايا عنقودية» لتنظيم داعش تطور بعضها إلى مرحلة «الشوكة والنكاية» مثل ولاية سيناء، بجانب مجموعات الإخوان النوعية –أسسها القيادي محمد كمال- التي نشطت في نطاق القاهرة الكبرى وآخرى كانت محسوبة على «القاعدة» مثل التي أسسها أحمد فؤاد بسيوني عشوش «أبو نزار المصري» بعد ثورة 25 يناير قادة المحاولة الشهيرة باقتحام وزارة الدفاع فيما يعرف باشتباكات العباسية، احترفوا العمليات النوعية بداية من التصفية الجسدية إلى الاستنزاف الاقتصادي واستهداف نقاط حيوية، لكن فشلت كل التنظيمات بأنواعها المختلفة من التنامي على آراضيها وتقلص.
 

قاعدة المعلومات
أحد محددات النجاح الأمني في التعامل مع التنظيمات السرية المسلحة ذات الأهداف الاستراتيجية، هو وفرة قاعدة المعلومات عن التنظيمات المستهدف تفكيكها والقضاء على قدرتها الحركية بأكبر قدر ممكن، لأن حقيقة القضاء الكامل على التطرف العقائدي المصحوب بتحرك عنيف أومسلح لتحقيق سيطرة على مساحات جغرافيا وأفراد، لم يحدث طوال التاريخ البشري، ويعد الإرهاب الحاصل حاليًا أحد مظاهرة، ولا يمكن إنكار أن نقص أو شبه غياب قاعدة المعلومات المتعلقة بعناصر «الشبكات العنقودية»، كان العقبة الأكبر أمام الأجهزة الأمنية في بداية التعامل معها، خاصة بعد حالة السيولة التي ضربت الأركان الأمنية لدولًا في الوطن العربي ومنها مصر، لكن بعد القبض على المئات من الخلايا والتنظيمات والحصول على معلومات عن التنظيمات وعناصرها خلال الاستجواب، تطورت قاعدة المعلومات الأمنية واكتسبت الأجهزة خبرة أوسع في التعامل مع الخلايا المنتشرة بشكل عشوائي في أغلب محافظات مصر، بعد أن كان التعامل قبل ثورة 25 يناير في نطاق أضيق جغرافيًا وعدديًا.
 
 
ومع توافر أكبر مساحة من قاعدة المعلومات نتيجة التراكمية التي حدثت لدي أرشيف الملفات الأمنية، والتي حولها محللي المعلومات إلى نتائج وتوصيات استطاعت أن تنفذ إلى داخل التنظيمات وتوقع تحركاتها وأهدافها، وكذلك الوقوف إلى طرق التواصل بين عناصر الخلايا الواحدة، وكيفية تلقي التمويلات والدعم اللوجستي، ومن ثم حققت أجهزة الدولة جزء غير قلبل من مُستهدفها، في تعطيل عمل التنظيمات عن طريق قطع وسائل الاتصال والإمداد فيما يعرف اصطلاحًا بتجفيف منابع الإرهاب.
 
وبالمقارنة بين الفترة الزمنية التي كانت تستغرقها الأجهزة الأمنية في ضبط العناصر الإرهابية المُنفذه للعمليات، في بداية عودة مؤسسات الدولة إلى الحياة مرة أخري، مثل واقعة اغتيال 16 جنديا من الجيش المصري على الشريط الحدودي لمدينة رفح، وبين الوضع القائم مثل ضبط خلية محاولة تفجير كنيسة العذراء بمسطرد، بعد ساعات قليلة من مصرع الانتحاري، نجد أن قاعدة المعلومات كانت لها دور الحسم في تطور القدرة الأمنية، ويجدر الإشارة أن هذه القاعدة شارك في تكوينها كامل مؤسسات الدولة المعنية، وتوافرت مساحة واسعة من تبادل المعلومات.
 

الفشل الترويجي

يرتكز نجاح التنظيمات الإرهابية على مجموعة عوامل، يأتي في مقدمتها نجاح منابره الإعلامية في الترويج لأفكاره ومكاسبه التي حققها على الأرض، لتتوفر له القدرة على اجتذاب عناصر جديدة إلى صفوفه، وإحباط الروح المعنوية داخل الدولة التي يستهدف التمدد فيها، وبالتالي نستطيع القول بأن النجاح الإعلامي  أهم ركيزة يستند إليها أي تنظيم ليحقق أهدافه، وهو ما ميز تنظيم «داعش» عن سابقيه من التنظيمات الأخري. 
 
ومع انهيار المنظومة الإعلامية للتنظيمات، وفقدان منابرها الداعمة أمثال القنوات المحسوبة على جماعة الإخوان، وبعض الأنظمة المُتهمة بدعم هذه المنظومات، تآكل أخر رمق في جسد الإرهاب.
 
 
وبنظرة خاطفة على «ولاية سيناء» نجد أنها كانت تهتم بدقة وجودة وتميز أصداراتها بعد كل عملية تنفذها، حتى أن مواقع التواصل الإجتماعي كانت تتشارك هذه الإصدرات عشرات الآلاف من المشاركات، وكذلك اهتمام مراكز الأبحاث المختصة والمهتمين برصد ومتابعة التنظيمات، بخروج الإصدارات والتسابق في نشر التحليلات وتفنيد ما نشر في الإصدارات، حتى أن نسبة كبيرة من رواد مواقع التواصل الإجتماعي مازالوا يتذكرون بعض العمليات التي نفذها التنظيم، لكن قدر الاهتمام الحاصل حاليًا، وعدم اهتمام العامة بعملية أمس وتناقلها بقدر ضئيل بشكل ملحوظ، اللهم إلا بعض المنصات ذات المرجعية الأيدلوجية والمُسيسة، والمعروفة بـ«اللجان الإلكترونية» هي من اهتمت بالحدث، وبالتأكيد اهتمت كذلك القنوات سابقة الذكر الداعمة لنشاط التنظيمات.
 
فشل التنظيم في الخروج بمواد فيليمة هوليودية، وعزوف المتابعين عن متابعة نشاطات الجماعات المتطرفة، أفقدها أحد أهم أدواتها لتحقيق انتشار واسع.
 
ومع استمرار اتساع نفوذ الجيوش النظامية للدول التي سيطرت التنظيمات على مساحات جغرافية واسعة فيها، ومع تطور قواعد المعلومات لدي الدول المُحاربة للتطرف، والتعاون فيما بين الأجهزة الأمنية المعلوماتية، وانهيار المنظومة البنيوية والإعلامية وقطع طرق الإمداد ووقف التمويلات التي رصدت مصادرها أجهزة استخبارت غربية وأعلنت عن مقطتفات منها، ستتوارى التنظيمات عن الساحة.
 
لكن يجب أن تستفيد المنظومات الأمنية الدولية من تجربة ظهور «داعش» المفاجئة، استعدادًا لظهور محتمل لما يطلق عليه مراقبون «الجيل الرابع من التنظيمات الإرهابية» بعد السلفية والقاعدة وداعش.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق