غطاء أردوغان يكشف عورات الإخوان.. 6 خسائر فادحة للجماعة من أزمة الليرة التركية

الخميس، 16 أغسطس 2018 07:00 م
غطاء أردوغان يكشف عورات الإخوان.. 6 خسائر فادحة للجماعة من أزمة الليرة التركية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتركي رجب طيب أردوغان
حازم حسين

في وقت تتواصل فيه أزمة الليرة التركية، التي خسرت قرابة 40% من قيمتها أمام الدولار في الأيام الأخيرة و70% منذ بداية العام، لا يبدو أن تركيا الخاسر الوحيد من الأمر، فالإخوان أيضا مهددون بالخسارة.

من الأمور البديهية أن استقرار النظام التركي يُعني مزيدا من الاستقرار والأمان للجماعة الإرهابية، خاصة أنه الداعم المباشر والأكبر لها في الوقت الراهن، إضافة إلى إقامة العدد الأكبر من قياداتها في تركيا، إلى حد أنها تحولت إلى المركز الثاني للتنظيم بعد لندن (مقر التنظيم الدولي) وتحتضن المكتب الإداري للجماعة بالخارج، الذي يرأسه القيادي أحمد عبد الرحمن، مسؤول المكتب الإداري لإخوان الفيوم حتى ثورة 30 يونيو.

بالمنطق نفسه فإن أي توتر سياسي أو اهتزاز اقتصادي سينعكس بالضرورة في صورة اهتزاز للمراكز الإخوانية. يُعزّز من المخاطر أن تركيا تحولت في السنوات الأخيرة إلى مركز مالي للجماعة، مع توجيه حزمة من الأصول والاستثمارات الإخوانية من ماليزيا وأوروبا وإندونيسيا وغيرها إلى السوق التركية، يُضاف لهذا أن تركيا تحتضن النسبة الأكبر من المنصات الإعلامية الإخوانية، في مقدمتها قنوات الشرق ووطن ومكملين، ومنها تنطلق عدة مواقع وتُشرف الجماعة على باقي المواقع والمنصات الأخرى التي تعمل من لندن أو مصر وعدد من الدول الأخرى.


الإخوان بين واشنطن وأنقرة 

الأزمة التركية الراهنة ليست أزمة اقتصادية مُجرّدة ومحكومة بالاقتصاد وإجراءته، فارتباطها بأبعاد سياسية وتصعيد متنامٍ بين الولايات المتحدة ونظام أردوغان، يُكسبها أبعادًا أكبر من الأرقام والمعاملات المالية ومؤشرات الأداء والتراجع، ويُرجح أن تترافق معها خطوات أخرى سياسية الطابع، لا أن يتوقف الأمر على القرارات والرسوم الجمركية.

هذا الملمح بدا واضحا بقوة حينما بدأت واشنطن إجراءاتها ضد نظام أردوغان بإقرار عقوبات مباشرة على وزيري الداخلية والعدل التركيين، في ضوء رفض أنقرة الإفراج عن القس الأمريكي أندرو برونسون، المحتجز في تركيا منذ عامين باتهامات تتصل بالإرهاب والتورط في محاولة الانقلاب التي جرت صيف العام قبل الماضي. القرار كان خطوة سياسية مباشرة، تبعتها خطوة فرض رسوم جمركية على الصلب والألومنيوم التركيين، بينما لم تخل تصريحات المسؤولين الأمريكيين وفريق البيت الأبيض من التلميح بمزيد من العقوبات والإجراءات السياسية بحق تركيا.

هذا الطابع السياسي للأزمة التي يراها كثير من المتابعين اشتباكا اقتصاديا بالدرجة الأولى، لا ينكره الرئيس التركي نفسه، حتى لو منح الأمر أبعادًا ضخمة في إطار مساعيه لابتزاز المشاعر الوطنية وحشد الأتراك خلفه. ففي خطاباته المتتابعة منذ بدء مسيرة الانهيار التي تشهدها الليرة، قال أردوغان في أنقرة وطرابزون وغيرها من المدن إن تركيا تواجه استهدافا خارجيا مباشرا، وإن هناك قوى تسعى لإسقاطها. هذا الأمر إقرار بالأبعاد السياسية للأزمة وإخراج لها من دائرة الاقتصاد المجردة، وإذا مددنا خط السياسة على استقامته فقد تطال الإجراءات الأمريكية حلفاء تركيا أو أذرعها الإقليمية والدولية.


تقليم أظافر أردوغان

حال رصد وترتيب حلفاء أردوغان وأذرعه الإقليمية والدولية، غالبا ستحتل جماعة الإخوان موقعا متقدما، فرغم ضعف الجماعة وهشاشة بنيتها إلا أن النظام التركي يُعوّل عليه بقوة، في ضوء علاقاتها القوية بالحركات الإسلامية المتشددة في أغلب الدول العربية، وارتباطها بكثير من الميليشيات والجماعات المسلحة في المناطق الساخنة، إضافة إلى توفر قواعد جيدة لها في بعض الدول بشكل قد يُشكّل تهديدا محتملا لها حال أرادت تركيا هذا، وهو الأمر الذي ينطبق على الحضور الإخواني في المغرب وتونس واليمن والأردن والكويت وغيرها.

هذه الأهمية تُعني أن أردوغان لن يتخلى عن الجماعة بسهولة، لكنها تُعني أيضا أنها قد تكون هدفًا مباشرا لمن يريد حصار أردوغان أو تقليم أظافره وتجريده من بعض أذرعه وأسباب قوته، خاصة إذا كان هذا الطرف بصدد حصار الوجود التركي في الإقليم، وتقليص قدرته على المناورة في الداخل العراقي والسوري واليمني والفلسطيني مثلا. هذا الأمر يتطلب بالضرورة ضرب سياج مشدد حول الإخوان وأجنحتها، ووقتها سيجد أردوغان نفسه عاريا من القوة وعاجزا عن مواصلة العمل في هذه الملفات.

الفكرة السابقة تُرجح أن تكون الإخوان هدفا مباشرا للإدارة الأمريكية حال تصاعد الأمور بين واشنطن وأنقرة. يترافق مع الأمر انحياز قطر (الداعم الثاني للجماعة) للنظام التركي وضخ 15 مليار دولار استثمارات مباشرة في تركيا، الأمر الذي قد تراه الولايات المتحدة خطوة عدائية تجاهها. هذه النقطة أكدتها قناة الحرة في أحد برامجها مساء الأربعاء، بقولها إن "قطر قزم يحاول التعملق" مستعرضا عددا من جرائم النظام القطري وتجاوزاته، وفي مقدمتها دعم الإرهاب وتمويل الجماعات المسلحة في المناطق الساخنة، وضخ مليار دولار لميليشيات عراقية تحت غطاء أنها فدية لاستعادة 26 صيادا قطريا جرى احتجازهم في العراق قبل سنتين.


خسائر الإخوان من أزمة تركيا

إذا نظرت الولايات المتحدة لموقف قطر الأخير باعتباره انحيازا ذا طابع عدائي، فإن نظرة واشنطن للإمارة قد تتطوّر في مسار درامي، يُحتمل أن يشهد تقليص التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري، وإقرار عقوبات اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة، وربما يتطور الأمر لنقل قاعدة العديد العسكرية، التي تُثار أحاديث في السنوات الأخيرة عن تفكير واشنطن في نقلها لإحدى الدول الإقليمية القريبة من مضيق هرمز.

حال وقوع قطر في دائرة الاستهداف الأمريكي، فإن الأمر سينعكس بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد القطري الصغير نسبيا (الناتج الإجمالي لا يتجاوز 170 مليار دولار سنويا) وقد يتأثر صندوق قطر السيادي الذي يستثمر في الولايات المتحدة وعدد من دول أوروبا ويضخ 35 مليار دولار استثمارات مباشرة في تركيا (إجمالي أصوله 335 مليار دولار). ربما تمارس واشنطن ضغوطها على قطر مباشرة، أو تزيد حدّة التصعيد تجاه الحليفتين الأخيرتين (تركيا وإيران) ما يُعني ضغطًا مباشرا على البلدين وغير مباشر على الإمارة الصغيرة.

كل اهتزاز يمكن أن تواجهه قطر أو تركيا يُعني بالضرورة اهتزازا للإخوان. الجماعة تعتمد بشكل مباشر على البلدين في الدعم المالي واللوجيستي والتسهيلات السياسية والتحركات الإقليمية والدولية والنشاط الإعلامي، قطر وحدها تموّل منصات إعلامية داعمة للإخوان في بريطانيا (قناة وموقع العربي أبرزها) بجانب توظيف شبكة الجزيرة في خدمة الجماعة، وتركيا تحتضن قنوات الإخوان الرسمية. الضربة الأولى التي يمكن أن تتلقاها الجماعة قد تتمثل في تراجع الدعم الإعلامي المباشر، وتقلّص التمويل المالي الموجه من قطر وتركيا للقنوات الإخوانية. 

مواجهة تركيا لمزيد من الضغوط الاقتصادية قد تغلّ يد أردوغان عن تمويل الإخوان وغيرها من التنظيمات، وعن إعالة قيادات الجماعة وتسهيل إقامتهم في تركيا. هذا الأمر يُعني أن المكتب الإداري بالخارج قد يكون بصدد دورة تقشّف مقبلة، وقد يتطور الأمر لنشهد موجات نزوح من بعض القيادات باتجاه وجهات بديلة، مثل لندن وبروكسل، أو حتى ماليزيا وإندونيسيا، هذا الأمر يشكّل مزيدا من الحصار للجماعة وتحويلها لجزر منعزلة، وتجفيفا لمراكز قوة أنفقت سنوات في تشكيلها لتضطر للبدء من الصفر في أماكن أخرى.

أبرز الخسائر أن الموقف الأمريكي تجاه الجماعة قد يتغير، خاصة مع وجود أصوات قوية في الكونجرس ترى الإخوان تنظيما إرهابيا عنيفا، وتطالب بتصنيفه وفق هذا التصور. ومع تعقد العلاقات بين واشنطن وأنقرة، فإن الإدارة الأمريكية قد تتخلّى عن موقفها المتحفظ تجاه هذه المطالبات، وعن دعمها المكتوم للإخوان طوال الفترة الماضية، وتبادر بتصنيف الجماعة كيانا إرهابيا، وهو ما يُعني مزيدا من الحصار والاختناق داخل الولايات المتحدة، أو حتى في المعاقل الأوروبية البارزة، خاصة أن أغلب دول القارة أعضاء في حلف شمال الأطلنطي "ناتو" الذي تتزعمه واشنطن.

تصعيد الولايات المتحدة للصراع مع تركيا سيتسبب في أضرار مباشرة وفادحة للاقتصاد التركي، وهذه الأضرار ستطال بطبيعة الحال الاستثمارات والأصول والشركات التي أنشأتها الجماعة أو شاركت فيها داخل تركيا. ستخسر الإخوان كثيرا من فوائضها ورؤوس أموالها، وهذا الأمر سيقلل قدرتها على تمويل أجنحتها التنظيمية والحركية في مناطق عدّة من العالم، وسيُجفف خطابها الإعلامي بنسبة كبيرة مع عجزها عن تنظيم القوافل وحملات طرق الأبواب التي تستهدف بها الجماعات والمؤسسات الأوروبية، وأيضا العجز عن مواصلة الإنفاق على قنواتها التليفزيونية بالمعدلات الحالية، خاصة أن كثيرا من هذه القنوات تشهد أزمات بالفعل منذ شهور، أبرزها "الشرق" التي اضطرت لفصل عشرات العاملين وسلّمتهم للشرطة بعد احتجاجات واعتصامات.


مستقبل الإخوان الغامض

يمكن القول إن الإدارة الأمريكية لم تحسم حتى الآن السيناريوهات المحتملة للتعامل مع تركيا في المديين القريب والمتوسط. على الأرجح يعيد البيت الأبيض قراءة المشهد وترتيب الأوراق ووضع الاحتمالات، خاصة أنها تبدو صاحبة اليد العليا والموقف الأقوىفي ظل تأثير عقوباتها الاقتصادية، وقوة الدولار وأدائه المزدهر عالميا، واختلال هياكل الاقتصاد التركي تحت ضغط الديون والأداء السيئ فيما يخص التضخم والبطالة وعجز الميزان التجاري. كل هذه النقاط تُعني قوة ردع قاسية لتركيا في المدى البعيد، لكن لا يُمكن توقع نظرة واشنطن القريبة للأمر وتحركها لتأديب أنقرة بعد تصعيد لهجة الخطاب أو فرضها رسوما جمركية على واردات أمريكية بنسب تتراوح بين 44 و140%.

لهجة التقارب العاطفية التي سرّبها أردوغان في خطاباته الأخيرة، حول الشراكة الاستراتيجية والعلاقات العميقة بين تركيا والولايات المتحدة منذ العام 1952، قد تتطور إلى اتصالات وتفاهمات في الكواليس، تُفضي إلى تجميد الموقف الأمريكي تجاه أنقرة. لكن حال عدم التوصل إلى اتفاق مريح فقد يتطور الموقف الأمريكي باتجاه فرض مزيد من العقوبات، وحتى لو أبقت واشنطن على العقوبات الحالية فإن المشهد سيسير في اتجاه سيئ بالنسبة لنظام أردوغان، خاصة أن بنية الاقتصاد التركي تظل هشّة في ظل استنادها إلى القروض المباشرة وعجز السوق المحلية عن لعب دور الرافعة القوية وامتصاص الفوائض الإنتاجية الكبيرة، ما يُعني الارتهان لحالة الأسواق العالمية وأداء الدولار، وهما أمران يُمكن أن تناور بهما واشنطن بقوة حال قررت إحكام الخناق حول خصم أو صديق مراوغ.

إذا تجمّد المشهد على صورته الحالية، فإن الجماعة ستواجه مأزقا ماليا مع الضغوط التي تعانيها تركيا وقطر التي أُجبرت على دفع جزية قدرها 15 مليار دولار، وستتأثر شركات الجماعة ومئات الوظائف التي توفرها لأعضائها وقياداتها، كما ستتأثر المنصات الإعلامية والقنوات التليفزيونية. أما في حال التصعيد فإن مآزق الجماعة ستكون أكبر، فبجانب المشكلات الثلاثة السابقة التي ستصبح أكثر حدة، ستخسر الجماعة الدعم الأمريكي الناعم وقد يتطور الأمر لتصنيفها كيانا إرهابيا، وسيتقلص حضورها في المشهد الأوروبي وقد تخسر كثيرا من قنوات الاتصال مع جميعات ومؤسسات دولية، والأهم أن تصاعد الضغوط سيجبرها على موجات نزوح من تركيا لتخسر بيئة كانت مرتبة واستهلكت وقتا في إعدادها، وتواجه مصيرا غامضا في ملجأ بديل، بالتأكيد لن يوفر دعما بسخاء الدعم التركي.

ثلاث خسائر قاسية ستعانيها الإخوان حال بقاء الأمور على ما هي عليه، وثلاثة أخرى تُضاف لها حال تطور الأمر أو تصاعد الصراع القائم بين الولايات المتحدة وتركيا. وفي كل الأحوال لن يظل المشهد الإخواني كما كان عليه في السنوات الخمس الماضية. فالصورة الذهنية التي صنعتها الجماعة وروّجت لها تركيا وقطر تبددت تماما، وأصبحت النظرة للجماعة الآن في كثير من الدول والمؤسسات نظرة قريبة من حقيقتها، بينما يبدو أنها هي نفسها تستشعر الغرق الوشيك، ربما لهذا أطلقت مبادرتها المضحكة التي قالت إنها "للخروج من النفق المظلم" قبل أيام. بقدر ما بدت المبادرة ساذجة وخارج السياق، كانت تعبيرا مباشرا عن دخول الجماع نفقا أكثر إظلاما مما كانت فيه بالفعل. يمكن توقع أن الجماعة تستشعر انكشاف غطاء أردوغان عنها، لكن أزمتها الكبرى أنها لا تعرف حتى الآن ماذا ستفعل حينما تجد نفسها عارية تماما!

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق