تعالوا نقتل سيد قطب إذا كُنا نريد الحياة

الثلاثاء، 28 أغسطس 2018 12:57 م
تعالوا نقتل سيد قطب إذا كُنا نريد الحياة
حازم حسين يكتب:

الأفكار أبقى من أصحابها وأطول عمرا، الجيد منها والسيئ، لا قِبَل لأحد بمحاكمتها ولا قصقصة أجنحتها، ستعبر كل مانع وعقبة، حتى ولو كان المانع انتقائية صاحبها وقفزه على سياقاتها الماضوية بتراكيبها الاجتماعية والإنسانية والثقافية، إلى أن تصطدم بأفكار أصلب عودا وأشدّ بأسًا. لن يعدو الأمر كونه اضطرابًا ومراوحة مجانية في المكان، منزوعين من إحداثيات الزمن، التي تمنح أثر الخطوة في وجه الأرض بريقًا ودلالة وحضورًا نابضًا، خارج السمت المتحفي الطللي، وهذا جوهر رحلة سيد قطب ومشروعه المضطرب العنيف الوالغ في الدم.

غدا تحل ذكرى إعدام سيد قطب الثانية والخمسين، على خلفية تورّطه في قضية تنظيم الإخوان الذي خطّط لنسف القناطر الخيرية، والاعتداء على عدد من المنشآت السيادية في وقت واحد، في العام 1964، بهدف إغراق الدلتا وشلّ حركة الدولة، وهي القضية التي تورّطت فيها زينب الغزالي باحتضان عناصرها ومخطّطاتهم في منزلها، وحُوكم فيها محمد مهدي عاكف، المرشد السابق لجماعة الإخوان الإرهابية، وسُجن ربع القرن تقريبًا.

بعيدًا عن القضية وتفاصيلها، فإن اضطراب سيد قطب والبرهنة على تناقضه واختلال موازينه لا تحتاج دليلا، كتب الرجل وقال وفكّر وسوّد صفحات وكتبًا، فيها ما يستحق القراءة والفهم، وأغلبها غثاء واعتلال وبراهين حيّة وواضحة على الاضطراب.

بدأ سيد قطب (المولود في 1906 وهي سنة ميلاد حسن البنا) حياته العملية شابًّا مُحبًّا للأدب والفن، مُقبلاً على عالم الثقافة وانفتاح الحياة المصرية بدءا من أواخر عشرينيات القرن الماضي، بعد إقرار دستور 1923 الاستثنائي وحيازة وفد سعد زغلول للأغلبية، بما وفّرته هذه المرحلة من صيغة عصرية ليبرالية أوروبية الطابع، بهيكل سياسي وطني شبه مستقل. وخلال هذه المرحلة قرأ قطب كثيرًا، وكتب كثيرًا، واقترف الإبداع الأدبي والكتابة النقدية، فكانت روايته الوحيدة "أشواك"، وعشرات المقالات في الفكر والأدب والفلسفة، وانضم للمحفل الماسوني المصري، الذي ضمّ سعد زغلول ومصطفى النحاس وقبلهما جمال الدين الأفغاني وعشرات غيرهم من رموز الفكر والفن والسياسة.

كان "قطب" يكتب الافتتاحية الأسبوعية لمجلة المحفل الماسوني، ومع ثلاثينيات القرن العشرين كان قد حقّق حضورًا واضحًا في ساحة الكتابة الصحفية والنقد الأدبي، فهو أحد أوائل من تناولوا كتابات نجيب محفوظ الأولى وبشّروا به، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ناهلا من المدنية والقيم الليبرالية ومُتع الحياة ولذائذها، وفي هذه الفترة - سنوات الأربعينيات الأولى - كتب مقالاً في الأهرام تحت عنوان "الشواطئ الميتة"، يتعجّب فيه من حال شواطئنا المصرية الميّتة، ويدعو إلى التحرّر ونبذ الأفكار والخرق البالية، وإطلاق يوم للعرّي والاحتفاء بملابس البحر ومفاتن النساء، كاشفًا عن وجه عصري إيروتيكي ينتصر للحياة والمتعة، لكنه مَيل لم يستمر، وسرعان ما أطاح به مَيل آخر.

رغم توجّه قطب الليبرالي في مرحلة الأربعينيات، إلا أن أفكاره تورّطت في حصة وافرة من التسطيح والتبسيط، فلم يخلص إلى جوهر الليبرالية قدر ما ولغ في مظاهرها، ولم يُقم عمادًا ثابتًا للتوفيق بين الاجتماع المصري بركائزه الثقافية والسوسيولوجية والهُويّاتية، وما توفِّره آفاق التمدُّن والتحديث من منطلقات للتحرُّر، في مستوياته الفردانية والوطنية، متورِّطًا في رؤى استهلاكية لا تُخاصم الشهوانية والجسدانية المباشرة، وظلّ "قطب" على هذه الحال حتى عاد في أواخر الأربعينيات حاملاً بذور الانعطافة الحادة، لينضم لجماعة حسن البنا، بعد وفاة صاحبها ومؤسسها، ويكون التحوّل الأكبر والأسود في مسيرته.

المعرفة الدينية التي وفرتها السنوات الثلاثون الأولى من عُمر سيد قطب - كما يتيسّر لشاب مُثقّف ومُطّلع ومُحبّ للحياة - كانت أدعى أن يكون تنويريًّا عقلانيًّا، إن لم يكن ناقدًا ومُفنِّدًا فعلى الأقل يقترب شِبرًا واحدًا من مدرسة محمد عبده وتلامذته أصحاب الرؤى التقدّمية التوفيقية بين النص والعصر. لكن اضطراب سيد قطب لم يترك له فرصة لهذه الموازنة، سرعان ما خلّصه من آثار سنوات التفتُّح والتنوير، وأسلَمه عجينة ليّنة وهشّة لكتابات أبي الأعلى المودودي، والهندي أبي الحسن الندوي، وعلى أساساتهما وأُسس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وشيئًا من منجز الحنابلة ومأثورهم، وخلاصة تُرّهات حسن البنا وأفكاره الوصائية الساذجة، دشّن سيد قطب سِكّته التي اختارها، مُستكملاً طريق الاضطراب.

تحوّل "قطب" المفاجئ وغير المفهوم يعزوه مؤرِّخو جماعة حسن البنا (الذين وجدوا فيه كنزًا روحيًّا وتنظيميًّا مُهمًّا بما وفره لهم من تنظير وتأسيس فكريين وحركيين لجماعة ظلّت خلال عقديها الأولين مسجونة في رؤية الرجل الواحد ومشيئته التي لا رادّ لها) بأنه إيمان مُتأخّر بشخصية البنا وما أحدثته من تغيّرات هيكلية في بنية الدعوة والمجتمع، وما حازته من صيت واسع انطلق صوته من القاهرة ليسمع قطب صداه في واشنطن (هكذا يعتقد غُلاة الإخوان ومخابيلهم) بينما يُفسّره آخرون بأسباب أخرى، ربما تقع خارج إرادة قطب المباشرة، منها ملامحه غير المليحة، التي لم توفِّر للجميلات مُبرِّرًا مُقنعًا لمبادلته النهم ومُتعة الحياة، ليخرج من تجربة عاطفية فاشلة إلى أخرى أكثر فشلاً، وبقصّتي حُبّ خائبتين وفّرت له الخسارة القاسية والعجز الذي لا حيلة معه، سببًا كافيًا للنقمة على العالم والقصاص منه، حسب تصوّره، وهو تفسير مقبول سيكولوجيًّا. لكن سواء كان هذا التصور واقعيًّا، أو حتى موهومًا كتفسير الإخوان، يظل تحوّل سيد قطب غير منطقي ولا مفهوم.

لم تكن مرحلة الليبرالية والحداثة حجرًا عضويًّا في بناء سيد قطب الهشّ، يؤكد هذا التصور أنه سرعان ما اهتز وتحلّل وتلاشى تحت وطأة خطوات الظلام الثقيلة، لتشهد المرحلة الأخيرة من مشروعه طامته الفكرية الكُبرى، كتاب "معالم في الطريق" الذي يُعدّ المانيفستو الأكثر رجعية وكهنوتية وتطرّفًا وإجرامًا للخطاب الإسلامي العنيف في القرن العشرين، وحتى الآن، وربما لسنوات كثيرة مقبلة، ويظل الأب الشرعي لكل الإرهاب المُتأسلم الذي شهده العالم.

يمكن مطالعة الآثار الفادحة لكتاب سيد قطب وأفكاره في كتابات أيمن الظواهري والدكتور فضل ومُنظّري الجهاديين وتنظيم داعش وغيرهم، بما قدّمه من اختزال مُخلّ لمفهوم الحاكمية الإلهية، وما طرحه من تصوّرات يقينية نهائية حول جاهلية المجتمع، ومسموحات الفرد والجماعة المسلمة في سياق ينحاز لتصوّر تشريعي مغاير للنظرة السلفية الراديكالية، مُزايدًا حتى على أساتذته المؤسسين للأصولية الأحادية المتشددة، ابن تيمية وابن القيّم والندوي والمودودي، بالدعوة للخروج على الحاكم نفسه وفق الصيغة القطبية لمفهوم جاهلية المجتمع. هكذا جاءت آخر حلقات مشروع قطب كأُولاها، بدأ باختزال الليبرالية وتسطيحها انتصارًا لصيغة مادية استهلاكية، وانتهى باختزال الإسلام وتبسيطه انتصارًا لصيغة كهنوتية دموية، خاتمًا على مشروعه بالاضطراب والسيولة، ومؤكّدًا أن مُتطرّفي الليبرالية - إن تحوّلوا - ليس بوسعهم أن يكونوا إلا مُتطرّفين في الإسلام.

إذا التمسنا الاقتراب من التركيبة النفسية التي وضعت سيد قطب على هذا المُنحَدر الحاد، بعيدًا عن تفسير الإخوان الساذج بانفتاحه الغيبي على أنوار حسن البنا (الرجل الذي لا أنوار له) أو حتى التفسير الإنساني الذي يُبرّر الأمر بالعجز عن التحقق الاجتماعي والفشل في الحب. فربما يرتبط الأمر باضطراب كامن في عمق شخصية سيد قطب، كان سببًا في تحوّلا متتابعة ومتداخلة، حتى داخل المرحلة الواحدة. ففي فترته الليبرالية كتب عن الأدب والفن والجمال، لكنه دعا إلى العُري والشهوانية، وفي مرحلته الإخوانية كتب في تفسير القرآن والتصوير الفني في النص، لكنه دعا إلى الإرهاب والقتل والخروج على المجتمع بكامله. لا يبدو في كل المراحل أن هناك نسقًا فكريًّا أو وعيًا ممتدًا يحكم دماغ قطب وأفكاره وتحوّلاته. طوال الوقت يسير كالمُغيّب الذاهل الذي به مسّ من جنون، يوجّه عينيه في اتجاه، ويُبعثر خطواته في اتجاه آخر.

إذا تجاوزنا فكرة التحوّل من الليبرالية إلى الحظيرة الدينية الراديكالية، فربما يعود الأمر إلى المكوّن النفسي الذي يترسّب في وعي الشخص خلال فترات التحوّل. فمع الإزاحة والانتقال من مرحلة منفتحة وحداثية الطابع، إلى دائرة ذات سمت ديني، ينتقل مع الشخص شعوره بالضياع والتقصير والتهاون، خاصة إذا جاء التحوّل في مرحلة عُمرية متقدّمة وبعد سنوات من الانطلاق والتحرّر، هُنا يشعر المُنتقل حديثًا بالفقر والعَوَز أمام أبناء دائرة التشدّد الذين تربّوا في الحظيرة منذ خطواتهم الأولى، وسعيًا لتعويض هذا الفارق وتقليص حيّز التمايز، يُغالي الوافد الجديد ويُزايد على المُقيمين القُدامى، ليُثبت جدارته بالبقاء في هذه الدائرة والترقّي داخلها، وينفي أفضلية أبنائها الأصليين عليه. هذا المنطق يُمكن استكشافه في كل نماذج التحوّل، قديمًا وحديثًا، ولعلّ من أبرز أمثلته الدكتور محمد عمارة الذي كان ماركسيًّا متطرّفًا ثم تحوّل إلى إسلامي مُتطرّف، والكاتبة الصحفية صافي ناز كاظم، وغيرهما.

على صعيد الوعي العميق بحدود ظاهرة سيد قطب وآثارها، فإن الأمر لا يتوقف عند فكرة الجماعة الدينية المتطرفة وتطلعاتها السياسية الممزوجة بالدين وحسب. تاريخ الصراعات والأزمات المفصلية فى العالم تاريخ فكري في وجهه الأعمق، والعقيدة إحدى أكبر مفجّرات هذا الصراع، لهذا فإن تتبُّع موروث الأيديولوجيا - بالإنتاج الفكري الكامل أو بالإنتاج الطقسي المتفرِّع على الدين - وعلى اختلاف التاريخ والجغرافيا، ينكأ جراحًا غائرة، ربما ما زالت مفتوحة منذ عشرات القرون.

ربما برؤية جوهرية تنفذ إلى الخفيّ والقارّ في نخاع الواقع، لا يكون ثمة تجاوز لو حاولنا تعريف الصراع الراهن - سياسيًّا واجتماعيًّا وعقديًّا - باصطلاحات ودراما وشجارات القرون الثالث أو الرابع أو الخامس وصولا للقرن الثامن الهجري، فالعودة على خط الزمن الأفقي لن تُغيّر شيئًا ملحوظًا في موضعنا الرأسي على خط التطوّر الفكري والانطلاق العقلي، والتفكير المغاير والمستجيب لآليات وتعقيدات الواقع والعصر، وهو الخط الصاعد ديناميكيًّا - وفق إيقاع الحياة والناس وصيرورة الاجتماع البشري وتداخله - بما يحفظ للنص المركزي سلطته العقدية، ويُقيم للبناء اللغوي وإمكاناته وطاقاته البيانية والمجازية وزنًا مؤثّرًا، يستجيب لاحتياجات الزمن ويسير بعينين مفتوحتين على طريق الاتصال الناضج بالحقائق والغايات.

وباعتباره صراعًا فكريًّا، وباعتبار اللغة وعاء الفكر الأساسي، فإنه يمكننا اعتباره صراعًا لغويًّا بالأساس، مَردُّه التباس المفاهيم وتداخلها، وأسلحته تضبيبها وتشويهها، فحينما يتم العمل على معيارية اللغة واصطلاحيتها وفق غائية موجّهة، تفقد العلامة اللغوية قُدرتها على التّماس بإيقاع واحد مع جمهورها الواسع، ويصبح التأويل البلاغي والمجازي بابًا مفتوحًا على الهجوم والدفاع في آن، وتُصبح الغَلَبة لصاحب الضربة التي تنسجم وقناعات أهل اللغة في مجموعهم العام - المستخدمين اليوميين لها - وما تمتّع بمساندة متّصلة لترسيخه وتكريسه في وعيهم المحافظ، ولهذا فإن فريق التأسيس الفكري لهذه الحرب المحافظة يكره المجاز، ويمقت الانحراف اللغوي وما يحمله من إبداع وخيال وإدهاش، لذا سترى أدبيات هذا الفريق تحمل موقفًا متشدِّدًا من الشعر والتأويل اللغوي والجمالي والخروج على أُطر النحت الدلالي المكرور. هذا الموقف يُمكن تلمّسه في انقلاب سيد قطب على بدايته الأدبية المجازية، إلى نهاية شمولية دموية.

بمحاولة جادة لاستقراء تركيبة الصراع وفق هذا المنطق الفكري/ اللغوي، يمكننا وضع أيدينا على عشرات النماذج على امتداد الخارطة الزمنية والجغرافية للاجتماع البشري، وبالطبع لجغرافيا الثقافة العربية والإسلامية بالتبعية، وملاحظة حجم انعكاسها على الراهن الثقافي والسياسي والعقائدي، إلى حدّ يُتاخِم فكرة دائرية الزمن وإعادة إنتاج الماضي، عبر آلية عقلية وبنية فكرية ولغوية لم تنحرف عن مثيلاتها في القرون الفائتة، وبالتالي فهي أداة حيّة لإعادة إنتاج مشكلات الثقافة وهِناتِها ومفارقاتها المحزنة، فلو اعتمدنا نماذج: الحلاج وابن تيمية، الغزالي وابن رشد، وفرج فودة ومحور حديثنا سيد قطب، كنماذج استقرائية لهذه الحالة من الالتباس المقصود، والتشويه العمدي، والحروب الفكرية اللغوية، سنجد الثنائيات الثلاثة قابلة للتلخيص تحت ثلاث ثنائيات لغوية مقابلة على الترتيب نفسه: التصوّف والتقليد، الفلسفة واليقين، والعلمانية والحاكمية، وسنجد بالتتبّع الفاحص أن الحرب كانت حربًا لغوية في جانبها الأكبر على صعيد الثنائيات الثلاثة، وأن سلاح المحافظة العقدية والفكرية اعتمد التلبيس والتضبيب اللغويين وسيلة لحسم الصراع، فكان العمل على تشويه مفردات: التصوّف والفلسفة والعلمانية، وطرح بدائل كلاسيكية مادية لها، تنسجم مع الذخيرة المعرفية التي أنتجتها قرون الفهم التقليدي، بما لا يجرح وعي الناس ولا يصدم مصكوكهم اللغوي الذي طالما استخدموه في الكفر والإسلام على حدِّ السواء "هذا ما وجدنا عليه آباءنا".

في هذه الحرب - المقدّسة بالنسبة لفقهاء التقليد – يُصادَر النص لصالح التفسير، والرؤيا لصالح الرؤية، ويُصادَر الفكر لصالح الكُفر، فتصوّف الحلاج الذي يردّ الكون لأصل واحد هو الله، ومن ثمّ يردّنا جميعًا إليه بالمحبة والتوحّد والحلول قيمة وفكرًا وروحًا، يصبح كُفرًا بواحًا على مقياس ابن تيمية ومصادرته للنصّ ومجازاته، انتصارًا لفهم تقليدي يُدشّن معمار الكهنوت اللغوي والعقدي المُصادِر للعقل، وتُصبح فلسفة ابن رشد التي تردّ الحقيقة إلى الإيمان والتسليم في وجه، وإلى العقل والتمحيص في وجوه أخرى تنتصر للفهم ولتحقيق حكمة الله في التفكّر والتدبّر، والإيمان بسرمدية الكون، تصبح تهافتًا وخروجًا على معيارية الفهم المصادر للنص وطاقاته البلاغية أيضًا، وكذلك علمانية فرج فودة التي تنتصر للإنسان وقيم المواطنة تحت لواء سياسي يجمع ألوية عقدية مختلفة ومتمايزة، فهي على مقياس سيد قطب خروج على حاكمية الله، يمثّل في عُمقه خروجًا على العقيدة حسب تصوّره، ما يُوجب إهدار الدم وقتال القائل بهذا والساكت عليه.

اعتمد الفقهاء المُقلّدون - المُكفِّرون - آلية استثارة العامة والوعي الجمعي وفق فهم تقليدي، دشّنه فقهاء مقلِّدون أيضًا، وذلك عبر شحذ سلاح اللغة، ومُصادرة النص ومجازاته، في محاولة عميقة التأثير، وربما القصد، لتسطيح العلامة اللغوية وتحييدها، لتُصبح ثابتًا دلاليًّا في الزمان، يمكن اعتماده كمرجعية عُليا لإعادة إنتاج الماضي، وفق رغبة عميقة لدى قطاعات من العاملين على سوسيولوجيا العقيدة في استدعاء القرون الأولى من عمر الفكرة، تحت ضغط إيمان مُطلق بفضلها - الفكري واللغوي بالأساس، باعتبار غياب معادلها الدرامي والحياتي عن مجال التلقّي الحيّ والفاعل - أو تحت تأثير إحساس عميق بالعجز عن إطلاق العقل والخيال وتحرير النص ومجازاته، فالصورة على هذه الشاكلة أقرب إلى مُقعَدٍ يحاول إقعاد الأرض عن الدوران، ولا سبيل لخوض هذه الحرب وإعادة الأرض للدوران - تحقيقًا لحكمة الله في الخلق - إلا عبر الانتصار للنص في وجهه الأرحب، الانتصار للغة والمجاز والفلسفة والفن.

بهذا التصوّر يُمكن القول إن سيد قطب الذي زرع بذور الإرهاب، لن يتبدّد ميراثه الأسود إلا باستعادة سيد قطب الذي تربّى في حظيرة الفن.. مَرّ أكثر من نصف القرن على إعدام الأب المؤسس للإرهاب الإسلاموي الحركي، وما زال خطابه حاضرًا في ممارسات جماعة الإخوان وحلفائها في مصر واليمن وليبيا وسوريا والعراق، وفي ممارسات داعش والجماعات الراديكالية والميليشيات المُسلّحة في كل الساحات المشتعلة وبؤر الصراع بالمنطقة، وستظل هذه الأفكار قائمة ما دُمنا لا نمنح الفن والإبداع والجمال واجهة الصورة، ونسمح لفقهاء التشدّد والتطرّف والإرهاب الفكري والعقائدي بالحضور في المشهد، سواء كانوا أبناء جماعات ضالّة أو مؤسسات دينية رسمية.. إذا كان سيد قُطب قد مات على عود المشنقة بسبب تخطيطه لجريمة مُرعبة بحق مصر (محاولة تفجير القناطر الخيرية) فإننا نحتاج لقتله الآن ألف مرّة بسبب أفكاره التي تنخر في الجمجمة والعقل العربيين، لكن يتعيّن أن يُقتل هذه المرة على أنغام الموسيقى وفي قاعات المسارح ودُور السينما ومعارض الكُتب. تعالوا نقتل سيد قطب إذا كُنا نريد الحياة.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق