المرأة الشبح

الإثنين، 25 يونيو 2018 10:00 ص
المرأة الشبح
حازم حسين يكتب:

صار من العادات اليومية لديّ أن أعيد مراجعة أوراقي الثبوتية قبل مغادرة المنزل صباحا، يترافق مع الأمر إلقاء نظرة سريعة على المرآة، لعل شيئا غريبا في ملامحي يختلف عن صورة بطاقة الرقم القومي (التي تفنن موظف غرائبي في التقاطها من زاوية غريبة) لاستدراك ما قد يحتاج للمراجعة والضبط في الأصل؛ ليوافق الصورة التي في حقيقة الأمر لا تشبهني كثيرا، حتى لا أواجه مشكلة في كمين أو نقطة أمنية.
 
على الجانب المقابل هناك مواطن آخر، أو بالأحرى مواطنة، تلقي نظرة سريعة على المرآة قبل مغادرة المنزل، لا لتتأكد من موقفها القانوني تأسيسا على أعجوبة الصورة الرسمية في بطاقتها، ولكن لتمعن في قطع الروابط تماما بين وجهها والصورة والبطاقة والعالم بكامله، مقررة بإرادة فردية أن تخترق المجال العام كشبح كامل التخفي.
 
قبل سنة تقريبا، اشتغلت أزمة كبيرة في أحد المطاعم الشهيرة، واحتلت سريعا «تريند» السوشيال ميديا لعدة أيام، كان ملخصها أن مشاجرة وقعت في أحد فروع المطعم الشهيرة بمنطقة مدينة نصر، كان أحد طرفيها مجموعة كبيرة من المنتقبات، وبعيدا عن الحرب الشعواء التي اشتعلت بين فريقين، مكفر لإدارة المطعم والمجتمع العلماني العنيف مع العفيفات، وناقد للفتيات اللواتي بدا من تعاملهن مع الأمر أنهن قصدن إثارة أزمة، وكنّ متحفزات ومشحونات بشكل استباقي، فإن المشكلة التي أثارت لغطا ونقاشات واسعة وقتها، ما زالت ممتدة في شوارع مصر حتى اليوم.
 
في الواقعة المذكورة اتضح لاحقا أن الفتيات طرف المشكلة من الداعمات لجماعة الإخوان وتنظيم داعش، وتداولت السوشيال ميديا منشوراتهن وتفاصيل صفحاتهن المهللة للعمليات الإرهابية والمحرضة على أفراد الأمن ومؤسسات الدولة، وإذا أضفنا لهذه الواقعة حقائق أخرى عن عشرات القضايا الجنائية والعمليات الإجرامية التي ارتكبتها منتقبات، أو رجال اتخذوا النقاب ستارا، من خطف وقتل وسرقة واغتصاب وغيرها، فإن الصورة تصبح أكثر إزعاجا وإثارة للقلق والمخاوف، وتأسيسا على هذا المدخل فإن مسلسل الرعب المحيط بالأمر يصلح مدخلا مهما لتناول موضوع ضخم، أسكتنا عنه النفاق الديني والالتباس المفاهيمي، وهو فضلا عن مخاطره الأمنية والاجتماعية، يمثل ضربا مباشرا لركائز دولة القانون وضوابط الاجتماع البشري التوافقي وشراكة المجال العام التعاقدية المتكافئة في المزايا والأعباء.
 
المشكلة الكبرى في أزمة المطعم، وسواء كان الطرف الآخر بعض الزبائن أو كاست المكان، تتمثل في النقاب، الذي وفر فرصة رخيصة للفرز وتصنيف المشكلة على أرضية عقدية، إلى جانب اشتباك النوع، وهذه المساحة الملتبسة التي يفرضها النقاب على المجتمع، في هذه المشكلة وغيرها، تستوجب التوقف.
 
ربما لقلة اتصال بفكرة الحرية، التبس على القطاع الأوسع منا مفهوم الحرية الشخصية، وحدود تقاطعه مع المجال العام، فالواضح عقلا ومنطقا أن الفهم الإنساني الأولي وحرمة المجال العام لا يقبلان أن يسير رجل أو امرأة عاريين في الشارع، رغم أن من يقدم منهما على هذا الفعل يكشف عورته هو ولا يتعدى على أجساد الآخرين، وبالتبعية فالانطلاق من مقبولية أن نسمح لشبح يخفي هويته إخفاء كاملا ويسير بمجهوليته وسطنا، مع ما تحمله هذه المجهولية من تعد على المجال العام وحقوق أفراده في الحركة في فضاء مكشوف لهم، هو انطلاق فاسد ومعتل، ولا أتجاوز لو قلت إنه انطلاق مجرم وخارج على الضابط الاجتماعي المستقيم.
 
في حديث أورده ابن الأثير في كتابه الشهير «اُسد الغابة في معرفة الصحابة» تقول القصة إن امرأة منتقبة ذهبت للرسول، فقال لها: «يا أمة الله أسفري فإن الإسفار من الإسلام وإن النقاب من الفجور». القصة نفسها وردت في مصادر عدة، وقال بعضها إن المرأة هي مندوس بنت عمرو، وذهبت للرسول طالبة البحث عن ولدها التائه.
 
خروجا من المعطى الديني للأمر، القراءة السوسيولوجية تقطع بأن النقاب لا يتصل بالعقيدة الإسلامية، ولا حتى الثقافة العربية، وأنه جاء من بلاد ما وراء النهرين محمولا مع ثقافة الوافدين الجدد على الإسلام، والحجاب نفسه يدور شك كبير، وغير محسوم بالمناسبة، حول فرضيته، ووفق هذا التصور يخرج النقاب من دائرة الصيغة الدينية بقدسيتها، إلى دائرة الاختيار الشخصي والحرية الفردية، المحكومين بما يتواضع عليه المجتمع ويقره نظامه الاجتماعي والقانوني.
 
لو اعتمدنا التصور السابق فالأمر محسوم بشأن حق المرأة في ارتداء النقاب في بيتها وبين أفراد أسرتها ودوائرها الضيقة، ومن يتقاطعون معها في مجالات اجتماعية على طرف المجال العام، ويقرون لها هذا الفعل ولا يتأذون منه، ولكن لو أرادت سحبه إلى المجال العام، فإن الأمر يصبح مشروطا بتلاقي إرادات أخرى، وبمجال تشريع وتقنين ومقبولية لا تملك المنتقبة وحدها حق صياغته كاملا.
 
في المجال العام من حق الضابط كشف وجه المنتقبة، ومن حق المطعم ألا يسمح بدخولها إلا لو رفعت خيمتها المصادرة على حقهم في رؤية زبائنهم، ومن حق سائق التاكسي والميكروباص ألا يقلها معه، ومن حقي وحقك رفض التعامل معها ونبذها، لأنه لا وجاهة ولا علة في إجباري على التعامل مع شبح يراني ولا أراه، والملامح والعين لغة كلغة اللسان، وكل ما يوفر فرصة للحركة بين المجموع وخارج رقابتهم في الوقت ذاته، لأي عنصر من عناصر هذا المجموع رفضه واتخاذ موقف منه.
 
أمام إصرار المنتقبات على اقتحام المجال العام بـ«طاقية الإخفا» هذه، وحق الأفراد المتحركين في هذا الفضاء في رفضهن وعدم التعاطي معهن، تبرز الحاجة لتدخل سلطة التشريع لتنظيم المجال العام وحفظ حقوق أفراده بصيغة قانونية ملزمة، خاصة أن الأمر لا يتصل بالعقيدة ولا يمثل القفز عليه تجاوزا لشرع أو حضا على مفسدة، ومن هنا فإن صمت الدولة على هذه الحالة المستشرية من التخفي غير مفهوم، وقبولها لهذا النمط من الفرز والحركة الشبحية تواطؤ واضح على سلامها واستقرار أمن مواطنيها في مجالهم العام، وعلى جهود القوة النظامية المضطلعة بضبط الأمن في حديه التنظيمي والجنائي.
 
الخلاصة.. يجب أن ندعم سن تشريع لحظر النقاب في المجال العام، بيوتكن تقبل منكن هذا، ولكن لا شيء يجبرنا على قبوله في الحيز العام المشترك بيننا، ولا تجاوز في هذا للحرية الشخصية، إذ إن الحرية في أبسط تصوراتها فعل مجرد ومتكافئ، وليس لأحد حق رؤية الناس وإسدال ستارة سوداء على هويته وبطاقة شخصيته الربانية.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق