يوسف أيوب يكتب: عجلة السياسة تعود في زمن كورونا

السبت، 11 يوليو 2020 06:00 م
يوسف أيوب يكتب: عجلة السياسة تعود في زمن كورونا
فيروس كورونا

 
عادت عجلة السياسة للدوران مرة أخرى، فبعد أكثر من أربعة أشهر سيطرت "كورونا" على كل الأحاديث والنقاشات العامة والخاصة، بدأت السياسة تعود إلى مكانها المفضل في الجلسات والحوارات.
 
لم تغب السياسة بالكامل طيلة الشهور الأربع الماضية، لكنها كانت مغلفة بالفيروس الذى أرهق العقول قبل الأبدان، لأنه جعل كل تفكيرنا في كيفية الهروب منه، وعدم الإصابة به، فبات هو الوحيد المسيطر على كل ما يقال، فلم تجد الأحزاب من حل الا أن تحول نشاطها إلى الإجتماعى، لمعاونة الدولة في خطتها لمواجهة هذا الفيروس اللعين.
 
اليوم تستعيد السياسة مكانتها الكاملة، مع بدء انحسار الفيروس تدريجياً، وعودة الحياة إلى طبيعتها بإجراءات احترازية أصبحت ملازمة لكل منا في تحركه ومسكنه.
 
قبل شهرين كنا على موعد من العودة التدريجية للسياسة من خلال جلسات مجلس النواب التي ناقشت تعديلات قوانين مجلس النواب والهيئة الوطنية للانتخابات والحقوق السياسية، فضلاً عن القانون الجديد لمجلس الشيوخ، ووقتها اتضح لنا أن السياسة في مصر لم تصاب بالخمول الفيروسى، لكنها كانت في حالة كمون مؤقت بسبب هذا الظرف الطارئ، فالنقاش حول القانون الجديد والتعديلات المقترحة على بقية القوانين كشفت عن زيادة في الوعى السياسى، وزيادة رقعة العمل السياسى في الشارع، وربما كان هذه الفترة هي شهادة الميلاد الحقيقية لمولود سياسى سيكون له شان عظيم مستقبلاً، وهذا المستقبل لن يكون بعيداً بل بات أكثر قرباً.. هذا المولود هو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين التي احتفلت قبل شهر بمرور عامين على التأسيس، عامين استطاعا خلالها أثبات أن الشارع السياسى المصرى ملئ بالكوادر والإمكانيات خاصة الشبابية.
 
التنسيقية قادت على مدار الشهور الماضية حوارا سياسياً راقياً بين كل الأحزاب حول قوانين الانتخابات كان لها دور إيجابى في النقاش النهائي حولها في مجلس النواب، وهو ما يؤكد أننا نملك جيلاً من الشباب قادرين على العطاء والإبداع شرط أن نمنحهم الثقة، وهو ما تؤمن به الدولة حالياً وفق الاستراتيجية التي أعلنها الرئيس السيسى منذ بداية توليه الحكم في 2014 بأن الشباب هم عماد الدولة.. استراتيجية تحولت سريعاً من القول إلى الفعل على الأرض بعدما أثبت الشباب أنهم على قدر المسئولية والثقة، ونتمنى أن تتحول من الدولة إلى الأحزاب.
 
اليوم تستعيد السياسة كامل قوتها بالدخول الفعلى والعملى في ماكينة انتخابات مجلس الشيوخ التي تبدأ رسمياً اليوم السبت بفتح باب الترشح.
 
وتجرى انتخابات الشيوخ في ظل حالة من الحراك الحزبي، حيث تشهد الساحة السياسية حالياً تحركات جادة من جانب الأحزاب لتشكيل تحالف انتخابى، وهو ما سيساهم في حلحلة الجمود الذي تعاني منه الحياة الحزبية، ويوسع تمثيل المعارضة في المنظومة التشريعية.
 
لدينا الآن غرفتين للبرلمان، الأولى النواب والثانية الشيوخ الذى عاد بعد النص عليه في التعديلات الدستورية الأخيرة، بعدما أظهرت التجربة العملية الحاجة لوجود هذه الغرفة من البرلمان لمساعدة مجلس النواب في القوانين المهمة والتي تتطلب نقاش هادئ بعيداً عن الصخب البرلماني، ومن هنا جاءت الحاجة لعودة مجلس الشيوخ، فقد تعالت أصوات خلال السنوات الخمس الماضية بعودته بعدما ألغاها الدستور لاعتبارات قدرها واضعوه حينها، لكن الواقع أثبت أن هذه الاعتبارات تحتاج إلى إعادة النظر.
 
البعض منا لا ينظر لمجلس الشيوخ على أنه مكملاً وليس فاعلاً، وهذه نظرة قاصرة لا تأخذ في الاعتبار الأدوار المنوط بالمجلس القيام بها، والغريب أن هؤلاء هم أنفسهم من سبقوا وانتقدوا خطوة الغائه قبل سنوات، والأغرب أن عدد من هؤلاء أيضاً يتسابقون حالياً للحصول على عضوية هذا المجلس!.
 
وفقاً للدستور والقانون، فإن مجلس الشيوخ يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيد دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعى والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمة العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي، وتوسيع مجالاته، كما يؤخذ رأى المجلس فى الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التى تتعلق بحقوق السيادة، ويؤخذ رأيه أيضا فى مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التى تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وأيضا ما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها فى الشؤون العربية أو الخارجية، ويبلغ المجلس رأيه فى هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب.
 
المؤكد من وجهة نظرى أن انتخاَب مجلس الشيوخِ هو خُطوة جديدةً في مسيرة مصر نحو ترسيخ الديمقراطية، وأن تشكيلَه سواء من خلال الفائزين في الانتخابات أو المعينين من رئيس الجمهورية، سيُثري التجربةَ النيابيةَ المصرية، ويضفي مزيدًا من التعمقِ على عملية دراسة مشروعات القوانين قبل إقرارها من جانب مجلس النواب، وهذا هو الهدف الأول ولكن ليس الوحيد.
 
والمتابع لحركة الشارع اليوم والأحاديث الدائرة حول الانتخابات سيجد أن هناك اهتمام بمجلس الشيوخ، نعم هناك اهتمام أكبر بمجلس النواب لأسباب مفهومة لدينا جميعاً، لكن المحصلة النهائية أن الشارع بدأ يتفهم ضرورة وحيوية مجلس الشيوخ، وأن يكون لكل منا دور في هذا المجلس.
 
كما أن هناك قوى سياسية وحزبية متنوعة أعلنت عن توجهها نحو المشاركة في العملية الانتخابية لمجلس الشيوخ، وظهر ذلك في بدء عدد كبير من مرشحي الأحزاب التقدم بطلبات للهيئة الوطنية للانتخابات بأوراق ترشحهم ناهيك عن بدء الأحزاب تقديم القوائم التي ستخوض بها الاقتراع.
 
المؤكد أن انتخابات مجلس الشيوخ ستكون بمثابة البروفة القوية لانتخابات مجلس النواب، خاصة أن الاثنان يأتيان في وقت لازال فيروس كورونا منتشراً، وهو ما زاد من صعوبة الموقف خاصة للمرشحين الذين حرموا من التواصل المباشر مع الناخبين، لذلك فإن تجربة انتخابات "الشيوخ" في زمن كوورنا ستكون نموذجاً لانتخابات "النواب"، لذلك سنجد الكثير من التركيز على هذه الانتخابات بكل تفاصيلها، وهو ما سيزيد الزخم حولها.
 
الشاهد الآن، أننا أمام استحقاق دستورى جديد، يتطلب من المصريين أن يكونوا على قدر المسئولية وهم ذاهبون لاختيار من سيمثلهم في مجلس الشيوخ، وفوق ذلك أن يكون الناخبين أيضاً مدركين لحجم التحديات التي تواجه مصر، فالعضوية ليست فقط حصانة أو وجاهة اجتماعية، لكنها مسئولية، وأعتقد أن تجربة مجلس النواب الحالي هي خير مثال لمن يريد أن يترشح، فالتحديات كثيرة والمسئوليات كبيرة، ومن يريد أن يكون في صدارة المشهد التشريعى والبرلمانى، عليه أن يدرك أن المطلوب منهم أكبر من فكرة الارتكان إلى العضوية، لأن المطلوب هو العمل ليل نهار لخدمة مصر أولا واخيراً.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق