(ملف خاص) دراما الوعي.. «تيكي تاكا» لعبة نيوتين تنتهي بهدف في مرمى الطلاق الشفوي

السبت، 15 مايو 2021 09:00 م
(ملف خاص) دراما الوعي.. «تيكي تاكا» لعبة نيوتين تنتهي بهدف في مرمى الطلاق الشفوي
مصطفى الجمل

يميز عمل درامي عن غيره، ما يحتويه من رسالة تكشف القصور في المجتمع، ويصل إلى العظمة، عندما يضع حلولاً جذرية لهذه الأزمة، ويقترب من الكمال، عندما يصيغ هذه الرسالة في قصة محبوكة، أحداثها متصاعدة، خالية من التوتر والملل، لا تزيد فيها ولا نقصان، وهي العوامل التي توافرت في مسلسل "لعبة نيوتن"، الذي ينافس على صدارة مسلسلات رمضان هذا العام.
 
المسلسل بطولة القديرة منى زكي، والموهوب محمد ممدوح، والصاعد بقوة محمد فراج، والمخضرم سيد رجب، والجميلة عائشة بن أحمد، وعدد آخر من الوجوه الشابة، قصة وإخراج تامر محسن، وإشراف مها الوزير على ورشة الكتابة، وإنتاج شركة media hub للمنتجان محمد سعدى وإيهاب جوهر. 
 
جرت أحداث المسلسل بنظام صارم ورتم ثابت، على طريقة نادي برشلونة الأسباني الشهيرة في كرة القدم «التيكي تاكا»، فتبدأ الأحداث كالكرة في التنقل من عند الشخصية البطل في هذه القصة منى زكي التي تلعب دور سيدة تحلم بأن يحصل وليدها على الجنسية الأمريكية فتبدأ في تدبير الخطط، لتنتقل بين أفواه وأجساد باقي الممثلين، حتى يصلوا سوياً كفريق واحد لمرمى القضية المستهدفة، ويحرزون هدفاً رائعاً في شباك قضية الطلاق الشفهي، التي احتلت مساحة ليست هينة من الجدل العام خلال العام الماضي، فلا أحد ينسى ما دار بين شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، والدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة حول هذه القضية.
 
انطلقت الإثارة قبل انطلاق المسلسل، حيث الاسم الذي به قدر كبير من الغموض المشوق، البعض ذهب بمجرد الإفصاح عن اسم المسلسل "لعبة نويتن"، أنه قد يتناول قضية علمية، أو ما إلى ذلك، ولم يذهب أحداً إلى أن الأمر يتعلق بنظرية العالم نيوتن، لكل فعل له ردة مساوية له في المقدار ومضادة في الاتجاه، أو كما يقول الأطفال في شوارع مصر المحروسة «صد رد».
 
مع الحلقات الأولى بدت الأحداث طبيعية هادئة لا يمكن التوقع بأنه بعد الحلقة الخامسة أو السادسة سيقف الجميع على قدم وساق، ينتظرون الحلقة تلو الأخرى، لمعرفة المصيبة تلو الأخرى التي ستقع فيها المدام هنا، التي تجسدها منى زكى، وكيف ستخرج منها، ومن سيساعدها في ذلك، وكيف ستكون ردة فعل زوجها "حازم" الذى يجسده الفنان محمد ممدوح.
 
التهميش يولد عدم الثقة 
 
وضع المؤلف عبر أول أربع حلقات يده على مشكلة اجتماعية أسرية لا يمكن تجاهلها، ألا وهي تهميش الزوج لزوجته، مما يفقدها ثقتها في نفسها، ويضطرها لارتكاب أمور خارج دوائر العقل والمنطق، وتبدأ الأدوار في التبدل، فبدلاً من كان الزوج (حازم) هو الفعل وزوجته هنا ردة الفعل، تأخذ هي زمام الفعل، ويبدأ هو في الجلوس على مقاعد ردة الفعل.
 
القيود التي فرضها حازم على هنا، هي السبب الرئيسي في التحول الجذري في شخصيتها، وركوبها عنادها بداية من كسر الإقامة بأمريكا مروراً بإقامتها بشقة شاب لا تعرف عنه شيئاً، نهاية بتسجيلها نجل حازم باسم أب آخر، ليس لشيء سوى أن تثبت لزوجها حازم أنها ليست فاشلة ولن «تغرق في شبر مياة»، كما كان يوبخها طيلة فترة زواجهم.
 
قطعاً فكرة أن زوجة تسجل نجلها باسم أب غير أبيه، فكرة قد تبدو غريبة بعض الشيء على المجتمع المصري، لكن السياق الدرامي كان بحاجة ملحة لها، حتى يضع المتضادين وجهاً لوجه، ليبرز فكرته الرئيسية وتصل للمشاهد، وكأن المؤلف أراد أن يقول إن التقييد لن يولد غير عند، والعند لن تحمد عواقبه، ولن يستفيد أي من الطرفين، وسيرتكب الطرف الواقع تحت سيطرة العند من الأفعال ما يكفي لهدم المعبد على ما فيه.
 
هل نحن مضطرون فعلاً لارتكاب خطايا حفاظاً على الروح؟ 
 
تطرق المؤلف والمخرج إلى قضية إنسانية مهمة، عندما يقع الإنسان في ورطة، ويكون المخرج منها الوحيد هو ارتكاب ما يخالف أخلاقه وأفكاره والقانون والأعراف، هل يمكنه القيام بذلك بضمير مستريح، الإجابة عرضها المؤلف مباشرة على لسان والد حازم عندما سأله حازم بشكل مباشر: «هو ينفع اعمل حاجة ضد مبادئي عشان انجي نفسي»، وكانت الإجابة: «احيانا بنكون مضطرين»، إلا أن المؤلف عاد في الحلقات الأخيرة وسرد من الأمور ما يرد على هذا الأمر، فقضية القتل التي اضطرت حازم للعمل مع زارعة نبات الأفيون، لم يكن سيقضي بسببها أكثر من 6 شهور حبس أو غرامة، إن اعتبرتها المحكمة قتل خطأ، وسيحصل على البراءة إن استطاع إثبات أنه كان يدافع عن نفسه، وهو الأمر الحقيقي، فهو كان مضطر لأن يجعل النحل يتكالب على شاهين الذي حرق منحله واستحل أسرار بيته، وحاول طعنه في شرفه بوضع صورة زوجة حازم في جيبه، وأكمل بمحاولة الاعتداء عليه.
 
تدارك المؤلف خطأه بأن يسهل ارتكاب المخالفات تحت تأثير الخوف من مصير مجهول، وعاد في الحلقات الأخيرة، ليكشف لو أن حازم فكر قليلاً، ما كان خضع لتاجر المخدرات، الذي طلب منه أن ينتج عسل من رحيق زهر نبات الأفيون المخدر، وأفلت بمبادئه وأخلاقه، وركز مع زوجته التي كانت متواجدة في الولايات المتحدة الأمريكية وبحاجة ماسة لتواجده معها.
 
الطلاق الشفهي.. أزمة العصر
 
عقدة المسلسل وصلت لذروتها، عندما وقع الطلاق الشفهي من حازم تجاه هنا، قبل أن يتهمها بالزنا على خلفية معلومات وصلته عن مرافقتها لشاب أمريكي، وإقامته بشقته، وتهديده لها بتحرير محضر فجور لها، في الوقت الذي كانت السلطات الأمريكية متحفظة على نجله بسبب تهديد هنا بالانتحار إن لم يسلموها رضيعها، ليعتبروها  غير أمينة على الطفل الأمريكي، وهنا يظهر الشيطان متمثل في شخص الشيخ مؤنس الواقع في غرام هنا والمتزوج من أمريكية، ويعرض عليها حلاً يقربه منها، وهو أن يسجل الطفل باسمه، قبل أن يسمعها رسائل زوجها فتستشيط غضباً، ويخبرها بأن عدتها منقضية ويمكنهما الزواج إن وافقت، وحتى ترد الكف كفين لزوجها الأصلي، وافقت وتم تحرير العقد في المركز الإسلامي بعيداً عن أعين الحكومة الأمريكية، حتى لا يسجن الشيخ مؤنس.
 
حتى هذه اللحظة لم يكن لدى حازم علم بأي مما يدور مع زوجته في الخارج، وكل ما يعلمه أنه أخطأ في حقها وحاول مصالحتها، وردها، وكان في طريقه لأمريكا لولا توقيف السلطات له بسبب قضية شيكات، حبس على إثرها يومان، لتزوره هنا في محبسه التي وصلت في نفس التوقيت للقاهرة، وتخبره بالمصيبة التي ارتكبتها، وتستفيق هي الأخرى على وضع اجتماعي غير مفهوم، طلاق غير موثق من زوج مصري، وزواج غير معترف به قانونا في مصر وأمريكا من زوج مصري أمريكي.
 
هنا أعلنها الكاتب صراحة، الطلاق الشفهي فيه سم قاتل، فيه تهديد لروابط المجتمع، فيه تفكيك للأسرة، فيه غرس لبذور اختلاط الأنساب، فيه كل ما لايحمد عقباه، أعلنها بعد أن شد الجمهور كله معه، وهيأه نفسياً لقبول فكرته وقضيته التي يدافع عنها، أعلنها وهو وواثق من رجاحة طرحه، أعلنها بعد أن فرش كل المقدمات التي تؤدي إلى النتائج المؤمن بها، أعلنها ولم يخش في ذلك لومة أي من المستمسكين بالطلاق الشفهي، دون الأخذ في الاعتبار أي من المتغيرات الطارئة على المجتمع.
 
محاولة البعض تصوير الكاتب وكأنه يفرض رأيه على الجمهور في لي لا يخفى على أحد لذراع الحقيقة، فالرجل سرد الأحداث في تشويق وإثارة، ولم يستبعد أحد أن يقع معه مثلما ما وقع مع أبطال المسلسل، لمنطقية الطرح، فمن يستطيع أن يتحكم في انفعالاته وقت الغضب ويمنع شيطانه عن أن يتحكم في قرار تطليقه لزوجته، الأمر لم يكن فيه تزيد عن الواقع الذي نراه كل يوم، اللهم إلا أن النتيجة التي عرضها المسلسل كانت صادمة بعض الشيء، وهو ما جعله يحتل مساحة كبيرة من الجدل العام.
 
الاغتصاب الزوجي 
 
قضية مهمة أخرى، سلط المسلسل الضوء عليها، وهي قضية الاغتصاب الزوجي، فأقسام الشرطة ممتلئة عن آخرها بمحاضر حررتها زوجات ضد أزواجهن، لمعاشرتهن بالقوة والغصب، وممارسة الكثير من أعمال العنف أثناء هذه العلاقة المقدسة.
ارتكب مؤنس الشيخ الملتحي لهذه الفعلة، لم يكن غريبا على الشخصية، التي تقوم من بداية العمل بأفعال غير مألوفة من أجل الوصول لهدفه، وصبره طويلاً على هذا الهدف، حتى نفذ صبره، ولم يجد بداً من معاشرة زوجته بالقوة.
 
وهنا يعود بنا المؤلف إلى تفاصيل دقيقة في نشأة وحياة الشيخ مؤنس، الذى أنفصل والده عن والدته، وحاول أن يبعد أبنه عن أمه، لأنها "متبرجة"، فنشأ الشيخ مؤنس حياة مليئة بالعقد النفسية، فهو متعلق بوالدته، لكنه في نفس الوقت يكرهها لإنها كما زرع والده في عقله "غير مؤمنة"، ومن هنا يمكن تفسير الحالة التي ظهر بها الشيخ مؤنس، رجل الدين المعروف في ولاية كاليفونيا الأمريكية، والذى في نفس الوقت يأتي أفعال تخالف الشريعة.
 
تنسيقية شباب الأحزاب تلتقط طرف الخيط 
 
تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، التقطت طرف الجدل الذي أثاره المسلسل، ونظمت صالوناً حول الجدل المثار عن الطلاق الشفهي، وتناول اللقاء الذي أداره الإعلامي أحمد عبدالصمد، مقدم نشرة التاسعة على التليفزيون المصري، عددا من المحاور والتساؤلات التي تشغل الرأي العام المصري، وهل الطلاق مسألة دينية أم دنيوية، ودور الدراما في عكس قضايا المجتمع وحسم المسائل الخلافية.
 
وحضر الصالون، الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والنائب طارق الخولي عضو مجلس النواب عن التنسيقية، ودينا المقدم عضو التنسيقية.
 
وتطرق اللقاء إلى عدد من النقاط الشائكة، ومنها مسألة «العقل والنقل» وهل يتعارضان في الإسلام، وهل تجمدت الشريعة عند آراء السلف، ولماذا يحرص الناس على الزواج رسميا والطلاق عرفيا، وهل الطلاق الشفوي موروث ديني أم اجتماعي، وأوضح الشيخ خالد الجندي خلال اللقاء، الفرق بين الشرع والفقه، وما هو المتغير منهما، وهل تتغير الفتاوى بتغير المصلحة، ولماذا يثور بعض الرجال لمجرد ذكر مشاريع تنظيم الطلاق.
 
وقال الشيخ خالد الجندى، إن الطلاق الشفهى لا قيمة له ولا يعتد به، ووصفه بأنه "أكذوبة ومهزلة"، مضيفا: "لا أتمنى فصل الدين عن الإنسان، أعتقد أن الدين جاء لرفاهية الدنيا وبالتالي لابد أن يكون الدين سبب من أسبب الازدهار الحضارى والسعادة، ولابد لأى دين أن يعمل على ازدهار الكرامة الإنسانية والحضارة الإنسانية وعلى سعادة بنى الإنسان، إذا كان الإسلام وهو بهذا أحق يسعى لتحرير الإنسان ولإثبات الكرامة الإنسانية، فيجب أن تكون المرأة على قدم المساواة في حريتها بين يدى الله، وفى المساءلة بين يدى الله، لا فرق بين رجل أو أنثى"، موجها شكره لصناع العمل الدرامى كونهم يساهمون وبحق في رفاهية الإنسان، وفى تحرير الإنسان من المشاكل المعاصرة، وقال " هناك أعمال درامية ساهمت في تعديل بعض القوانين وتصحيح بعض المفاهيم، ومنها قضية الطلاق الشفهى، وأعتقد أنها سلسلة في حلقة من حلقات الجهاد، وهناك ضرورة لمواجهة هذه المهزلة، وهناك علماء اجتهدوا في هذه المسألة".
 
وتابع: "التمثيل هو ضرب المثل، وضرب المثل هو الأسلوب المعتمد في القرآن الكريم، الممثل يقوم بضرب المثل، لا يجب أن تتوقف عند شخصية الفنان الحقيقية حتى لا تفقد رسالة العمل الدرامى، وإيصال الحالة التي نريد إيصالها للناس، هذا الكلام له فوائد ناجحة للغاية، في آخر مسلسل تابعته وهو الباطنية، أنا لست متابعا للمسلسلات لضيق الوقت ولا أحرم التمثيل،  وكنت مع أحد الإعلاميين، وفوجئت بالفنان صلاح السعدنى، وهو يمثل شخصية رجل تاجر مخدرات، وسألنى عن الحشيش، وقولت إن الحشيش مثله مثله الخمر، فالدراما تصنع الأفكار وتصحح المفاهيم".
 
من جانبه قال النائب طارق الخولى: "أن الدراما المصرية هي جزء من قوتنا الناعمة ليست على المستوى الإقليمى، بل على المستوى العربى والدولى، وجزء من مسائل جدلية كبيرة على مدار تاريخنا، ونتذكر أفلام تسببت في تعديلات تشريعية، وكان هناك على مدار التاريخ الفني المصري الكثير من القضايا التي تم إثارتها والتعامل معها تشريعيا وفقهيا، فالفن له تأثير كبير جدا في وجدان الشعب المصرى، وفى وجدان المسئولين والمشرع"، لافتاً إلى أن "مسلسل لعبة نيوتن أثار مسألة تثير جدل وتؤرق المجتمع، واقترب من هذه المسألة التى تمثل مواجهة وشجاعة المواجهة، مثل قضية الطلاق الشفهى، قضايا تمثل أرق للمجتمع، وفى حاجة للقضاء على هذه الفوضى ومواجهة فقهية وتشريعية، لمثل هذه القضايا، الرسول عليه الصلاة والسلام، قال، رفقا بالقوارير، ومنها مسألة توثيق الطلاق، وهناك حالة من التمييز ضد المرأة في هذه المسألة، وبالتالي لابد من مواجهتها تشريعيا".
 
ولفت نائب تنسيقية شباب الأحزاب، إلى أن مسلسل "لعبة نيوتن"، ألقى الضوء على مسألة الطلاق الشفهى، وأثار مسألة في غاية الأهمية، "امرأة المفترض أنها في وضع صحيح بعد طلاق شفهى، وأمام اتهام يصل إلى حد اتهامها بالزنا".
 

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر قراءة