حكام مفطرون.. القذافي وبورقيبة أشهرهم

الثلاثاء، 29 مايو 2018 07:00 م
حكام مفطرون.. القذافي وبورقيبة أشهرهم
القذافى
كتب - مصطفى الجمل

«شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ، فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» رغم أن آيات الصوم واضحة ثابتة لا جدال فيها، إلا أن قائمة المفطرين المعلنين امتناعهم عن الصوم من مشاهير وزعماء وقادة العرب طويلة ومكتظة جدًا، ولعل أشهر هؤلاء الرئيس الليبى الراحل معمر الذافى، والتونسى بورقيبة. 
 
يأتى على رأس تلك القائمة، الرئيس الليبى المثير- حيًا وميتًا- للجدل معمر القذافى، والذى قال عنه حارسه الشخصى، إنه لم يكن يعترف بالصوم وشهر رمضان، بل كان لا يصلى أيضًا، ولم لا وهو كان لا يعترف بالسنة النبوية، ويحرف قدرا كبيرا من القرآن، وكانت مواقفه من شهر الصيام تدعو إلى السخرية والضحك؟! 
 
 بعد اعتلاء القذافى الحكم، قام باجتثات الزاوية السنوسية وتحويلها إلى شبكة عسكرية واستخباراتية لغزو إفريقيا، وهنا ظهر له معارض قوى وفقيه له شعبية كبيرة، هو مفتى الديار الليبية الشيخ الطاهر الزاوى، فكان أول صدام بين المفتى وقائد الثورة موضوعه يتجلى حول رؤية شهر رمضان، فالمفتى كان يتبع القواعد الشرعية فى ثبوت رؤية الهلال طبقا للقاعدة «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، وكانت الأمور تجرى وفق المعتاد من وجود شهادة شاهدين اثنين شاهدا الهلال ثم يقومان بتبليغ الرؤية إلى المحكمة أو ناظر الشئون الدينية والأوقاف الكائنة فى المحافظة، وهذه الأخيرة تقوم بتبليغ المفتى بالعاصمة طرابلس الذى يعلن حلول شهر رمضان ببلاغ رسمى، ونفس الأمر لحلول شهر شوال أو عيد الفطر، وكان القذافى يرى أن هذا الإجراء مسخرة وعبث ومضيعة للوقت، حيث ينبغى إزالته ومسحه من الذاكرة الشعبية. 
 
الأمر الذى رفضه الشيخ الطاهر الزاوى، ما خلق له متاعب كثيرة مع الملازم الليبى معمر القدافى، إلا أن المفتى العجوز تشبث بمواقفه فى تطبيق الشريعة الإسلامية ووصل الخصام بين الرجلين إلى درجة دفعت الشيخ الطاهر الزاوى إلى كتابة بيان يكفر فيه القذافى ويتهمه بالردة والرياء، إلا أن الإعلان لم يصل إلى الإذاعة قصد تبليغه للرأى العام الليبى، حيث سارع القذافى إلى نزع اختصاصات المفتى وتحويلها إلى شخصه وأغلق دار الإفتاء وشرد منتسبيها، فتحول القائد إلى مفتٍ وخطيب وإمام المسلمين فى لييبا وعموم إفريقيا والعالم، نتج عن هذه المصادرة الدينية تهميش دار الإفتاء ووضع رئيسها فى الإقامة الجبرية إلى أن توفى فى ظروف غامضة رحمه الله. 
 
وكانت لموقف القذافى تداعيات سلبية على النسيج الاجتماعى فى ليبيا، فانقسم الشعب الليبى إلى من يصوم مع السعودية وآخرين مع مصر أو تونس، فالقذافى كان يأمر بالصوم يومين قبل المسلمين كافة وكان يفطر قبل الجميع. 
 
رئيس حرسه وابن عمه أحمد القذافى كتب فى أحد المواقع أن معمر القذافى كان لا يصلى إلا ركعتين وفى مناسبات نادرة خاصة عندما يذهب إلى دول الساحل. 
مدير تشريفات القذافى نورى المسمارى، قال إن إسلام القذافى كان سطحيا ومشكوكا فيه وكان ينزعج كثيرا عند قدوم شهر الصيام الذى كان لا يحترم شرائعه ويقضى لياليه فى الملذات والسهرات فى قصوره فى الصحراء عوضا عن الذكر والصلاة.
 
الكاتب الليبى أحمد إبراهيم الفقيه، قال إن القذافى ذهب إلى دار الإفتاء الليبية ليلة رؤية هلال رمضان منتصف الثمانينيات، بينما المفتى يكتب بيانًا لإلقائه على الشعب الليبى يعلن فيه أن غدًا أول أيام رمضان، جاءته رسالة من العقيد القذافى تطالبه بإعلان صيام رمضان بعد غد.
 
خالف مفتى ليبيا فى ذلك الوقت تنفيذ أمر النظام، وخاطب الليبيين بقوله: «من يريد أن يصوم طبقًا للرؤية الشرعية فليصم غدًا، ومن يريد أن يصوم طبقًا لرؤية النظام فليصم بعد غد». 
 
وأضاف الفقيه، قائلًا: «أذكر أننا كنا نسمع الإذاعة تقول غدا رمضان، وفى الفجر تقول الإذاعة لا.. علقوا صيامكم، أو غدا إفطار ثم بعد فترة قصيرة يقولون لا.. صيام، كان هناك لعب غريب وأحيانا نوع من المشاغبة». 
 
كانت علاقة معمر القذافى بشهر رمضان، شبيهة إلى حد كبير بعلاقة السلطان المغولى تيمور لنك بهذا الشهر، فالسلطان تيمور لنك كان يأمر علماءه بإخباره بقدوم شهر الصيام لكى ينظم غزواته وفتوحاته فى هذا الشهر الكريم ليتمكن من الإفطار بحجة الجهاد فى سبيل الله دون قضاء. 
 
وتمكن السلطان تيمور لنك من إنشاء أول إمبراطورية إسلامية شيعية ممتدة من موسكو إلى دلهى مرورا ببغداد والأناضول والشام، وقد بدأ السلطان تيمور لنك حياته راعيا للغنم، وتحول تيمور لنك من الرعى إلى اللصوصية وقطع الطريق على الناس حيث فقد إحدى رجليه عندما ضبط وهو يسرق غنما فى قرية كش، إلا أن دهاءه دفعه إلى تعلم الفروسية رغم إعاقته واشتهر بشجاعته وضرباته الدقيقة بالسهم، وكون جيشا من اللصوص لقطع الطريق والسرقة فنشر الرعب فى مناطق كثيرة فى آسيا الوسطى، أمام هذا الانفلات الأمنى، قام القائد الأوزبيكى إلياس خواجة لاحتواء جيشه الخارج عن القانون، ثم حدث أن ساءت العلاقة بين الرجلين ففر تيمور لنك عند الأمير حسين حفيد كازاخان آخر ملوك تركستان وتقرب إليه وترقى من وظيفة إلى أخرى حتى عظم وصار من جملة الأمراء، وتزوج بأخت السلطان حسين ثم استقر فى قندهار فلما استتب الوضع انقلب تيمورلنك على صهره وقتل زوجته، وأعاد تأسيس مجد دولة المغول وأعلن نفسه ملك ملوك المغول فى سمرقند. 
 
قضى حياته فى حروب متعددة وكان يمنع على علمائه بل يقطع لسان كل واحد يخبره بقدوم شهر رمضان وكان يدمر ويحرق ويخرب كل المدن والعواصم المعروفة بعلمها وعلمائها كبغداد وحماة وحلب، كما أسر السلطان العثمانى بايزيد الأول وقتله. 
 
أما الرئيس التونسى الراحل الحبيب بورقيبة، فقد قرر منع صوم رمضان فى عام 1962، بدعوى زيادة الإنتاج، وقام بعزل مفتى تونس الطاهر بن عاشور الذى عارض القرار.
 
وكان بن عاشور المتوفى فى 1973، قد خرج على التونسيين فى الإذاعة الرسمية، وتلا آية الصيام معقبا عليها: «صدق الله وكذب بورقيبة».
 
وفى كتابه «بورقيبة والإسلام.. الزعامة والإمامة»، قال الكاتب الصحفى التونسى لطفى حجّى، إن موقف بورقيبة من الصوم يعد الحلقة الأضعف فى تعامله مع الإسلام، والتى مكنت خصومه من استغلالها لما تضمّنه من استفزاز واضح لمشاعر المسلمين، ولعلّ ما أسهم فى تعميق هذا الشعور؛ مرور الزعيم الراحل من القول إلى الفعل، إذ قام بتناول كأس من العصير خلال  نهار رمضان، وذلك فى خطاب ألقاه فى فبراير 1960 بمبنى بجوار المسرح البلدى بوسط العاصمة تونس. 
 
بورقيبة كان قد قام عام 1957 بغلق جامع الزيتونة، أقدم جامعة إسلامية، حيث تأسست عام 79 هجرية، ودعا إلى ترك الحجاب المعروف فى تونس بـ«السفسارى».

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق