أن تجعل البلد على مقاسك تماما: رجب أردوغان.. حكاية سياسي يحب نفسه أكثر من الوطن

الأربعاء، 27 يونيو 2018 02:00 ص
أن تجعل البلد على مقاسك تماما: رجب أردوغان.. حكاية سياسي يحب نفسه أكثر من الوطن
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
حازم حسين - وكالات

في الوقت الذي يرى فيه أكثر من نصف الأتراك أن أردوغان حقق نجاحا في إدارة بلدهم، فمنحوه أصواتهم، بجانب ما منحه لنفسه ببعض الخروقات التي شابت العملية الانتخابية، تقول المؤشرات إن الرجل ربما يحب نفسه أكثر من محبته لتركيا نفسها.

عشر سنوات قضاها رجب طيب أردوغان في السلطة، منذ فوز حزب العدالة والتنمية بالأغلبية البرلمانية وتشكيله الحكومة، ربما شهدت هذه السنوات نجاحا على الصعيد الاقتصادي، لكنها شهدت تراجعا كبيرا على الصعيد السياسي، فالرجل تسلم تركيا جمهورية برلمانية يتمتع فيها الرئيس بحضور شرفي وتمثيل دبلوماسي، ويحوز رئيس الوزراء القادم عبر البرلمان السلطة التنفيذية، مع توازن واضح مع السلطتين التشريعية والقضائية، ووصل بها إلى محطة الجمهورية الرئاسية التي تتركز فيها الصلاحيات في يد الرئيس، مع تراجع كبير للبرلمان، وسيطرة مباشرة على سلطات القضاء والرقابة، بمنح الرئيس صلاحيات واسعة في تعيين القضاة وعزلهم.

التحول الكبير الذي أحدثه أردوغان في بنية الدولة التركية قبل عدة سنوات، مع اقترابه من مغادرة الحكومة عقب انتهاء ولايته الثانية التي يسمح له الدستور بها، يشير إلى أن الطمع ورغبة الاستمرار في السلطة، بل وتحصيل أكبر قدر من الصلاحيات، كانت السبب المباشر وراء الانعطافة الحادة التي أحدثها في هيكل الدولة التركية وبنيته وعلاقات سلطاته، ما يعني أن قدرا كبيرا من ولاء أردوغان تجاه نفسه لا تجاه أنقره، قاده لأن يعيد هندسة الفضاء العام والبنية السياسية للدولة لتتماشى مع تطلعاته الشخصية، التطلعات التي تعبر عنها قواعد حزب العدالة والتنمية وداعمي أردوغان من الإسلاميين في دول المنطقة باعتباره خليفة جديدا للمسلمين، وعبر هو نفسه عنها بالحديث عن أمجاد الدولة العثمانية وتوسعها وانتشارها في أوروبا والمنطقة العربية، وهي الدولة التي مارست جرائم تاريخية بحق عشرات الشعوب، ويمثل تفكيكها على يد مصطفى كمال أتاتورك في الربع الأول من القرن الماضي واحدا من الإنجازات البيضاء لتركيا الحديثة، التي يبدو أن أردوغان يحلم بالتراجع عنها.

حالة العشق التي يحملها أردوغان تجاه نفسه ليست تحليلا عدائيا أو إغراقا في تفسير الإشارات بشكل متعسف، فهذا الخيط التقطته صحيفة "جارديان" البريطانية في تناولها لخبر فوز أردوغان في الانتخابات الرئاسية التي جرت الأحد الماضي، مؤكدة أن الفوز المحاط بعلامات الاستفهام خطوة واسعة على طريق حُكم الفرد الواحد، معتبرة أن التطور الدراماتيكي الذي تشهده تركيا باعث قوي على القلق تجاه أكبر بلد مسلم في حلف شمال الأطلنطي (ناتو).

وقالت الصحيفة البريطانية في تقرير نشرته حول الانتخابات التركية وما تشهده البلاد من فرض للطوارئ وتتبع للمعارضين والأحزاب، وإغلاق لكثير من المنصات الإعلامية، إن ممارسات أردوغان ونظامه يتعذر معها الاعتقاد بأن العملية الانتخابية التي جرت في تركيا شهدت منافسة حقيقية أو نظيفة، في ظل سيطرة حكومة العدالة والتنمية (حزب أردوغان) على الإعلام، ما يعني حرمان المعارضة من التغطية الإعلامية بصورة مساوية ومتكافئة مع الحزب الحاكم.

حالة القهر والغطرسة التي أشارت لها الصحيفة، بدأت في صيف العام قبل الماضي، مع تحرك محدود للجيش تعامل معه أردوغان كانقلاب عسكري، واتخذه مبررا لتصفية كثير من معارضيه، عبر حملة واسعة شهدت تسريح عشرات الآلاف من المعلمين وأساتذة الجامعات والقضاة وضباط الجيش من العمل، وبدء إحكام قبضة العدالة والتنمية على مقاليد الأمور.

ورصدت "جارديان" في تقريرها تعرض الصحفيين والحقوقيين في تركيا للاضطهاد والسجن بتهم تتعلق بالإرهاب أحيانا؛ حتى أنه مما يثير السخرية أن أحد المرشحين الستة للرئاسة خاض حملته من مَسْجنه، وحذرت الصحيفة من أن أردوغان في ظل النظام الجديد الذي يتمتع فيه بسلطات مطلقة، بات قادرًا على إصدار تشريعات عبر المراسيم الرئاسية غير القابلة للرد.

ونبهت الصحيفة إلى أنه "بعدما كان القضاء يمثل شوكة في خاصرة أردوغان، الذي اضطر لاستبعاد عدد كبير من رجاله على مدار العام الماضي، بات تعيين القضاة الآن من صلاحيات الرئيس وحزبه، ولهذا فمن المتوقع أن يُذعن النظام القضائي التركي للرئيس بشكل تام، أي أنه لم يعد هناك فصل بين السلطات"، مؤكدة أن "أردوغان سياسي طوّر حزبا ثم بات هو الحزب، والآن أردوغان في الطريق لكي يصبح دولة. في 2003 سوّق أردوغان لنفسه باعتباره (تكنوقراط) قبل أن يرتدى العباءة الإسلامية. إن ولاء أردوغان لنفسه يفوق ولاءه لما سواها، وفى سبيل تحقيق الفوز في تلك الانتخابات انضم إلى حزب قومي متطرف كان معارضا له في السابق."

التتبع الفاحص لرحلة أردوغان يكشف فعلا أن مسيرته السياسية شهدت تذبذبا أيديولوجيا كبيرا، لا يُرجح أنه بسبب ضعف المعرفة أو الخلط بين المذاهب السياسية، ولكن في الغالب سببه المباشر البراجماتية السياسية التي تقود خطوات الرجل، في إطار ولائه الكبير لنفسه، وقصقصة أطراف وريش تركيا حتى تصبح على مقاسه تماما، أو يصبح هو الدولة.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق