الخروج من أوروبا أو الخروج من الحكومة.. رياح بريكست تُلطخ مكياج تيريزا ماي

الإثنين، 09 يوليه 2018 05:00 م
الخروج من أوروبا أو الخروج من الحكومة.. رياح بريكست تُلطخ مكياج تيريزا ماي
وزيرا الخارجية وبريكست المستقيلان من الحكومة البريطانية وتيريزا ماي
حازم حسين

فجأة وجدت تيريزا ماي نفسها أمام محطة فاصلة في علاقة بلدها بالاتحاد الأوروبي، ربما على غير إرادة منها، لكن الاستفتاء الشعبي الذي ذهبت له الحكومة السابقة وتسبب في استقالة ديفيد كاميرون، أصبح أمرا واقعا وفرض شروطا واضحة على خليفته في المنصب.
 
في الاستفتاء الشعبي الذي جرى قبل سنتين من الآن، تحديدا في يونيو 2016، اختارت أغلبية البريطانيين الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، في ترجمة مباشرة لأحاديث وانتقادات طويلة للأعباء التي تتحملها لندن جرّاء بقائها في الاتحاد، لكن الاختيار الشعبي الذي أفرزته الصناديق لم ير أشد المتابعين تفاؤلا أنه سيكون نهاية هادئة للجدل، خاصة مع ضخامة الفاتورة التي سيتحملها الاتحاد على خلفية هذا الانفصال.
 
في مراحل التفاوض التالية بين لندن ومؤسسات الاتحاد في العاصمة البلجيكية بروكسل، حاول الاتحاد الأوروبي الوصول إلى صيغة تُبقي على مساحة من التقارب مع بريطانيا بعد الانفصال، بشكل رآه كثيرون من داعمي "بريكست" البريطانيين تحايلا على خيارهم النهائي بالخروج من منطقة اليورو، بينما بدا أن الحكومة البريطانية تنحاز لموقف الاتحاد.
 
ليس ضروريا أن تتطابق رؤى الحكومات والشعوب، هذا ما يلخصه الموقف الراهن بشأن "بريكست"، فرغم الفاتورة الكبيرة التي كانت تتحملها بريطانيا في ضوء التزاماتها وتبعات عضويتها بالاتحاد الأوروبي، فإنها حققت في مقابلها مكاسب سياسية، إقليمية وعالمية، صحيح أنها لا تعني المواطنين في المقام الأول، لكنها بالتأكيد تُعني الحكومة.
 
بحسب مسار التفاوض فمن المنتظر أن تغادر بريطانيا الاتحاد في مارس المقبل، بعد ما يقرب من ثلاث سنوات على نتائج الاستفتاء وانحياز مواطنيها لخيار المغادرة وصفق الباب الأوروبي خلفهم، ومع قدر التعارض القائم بين الأجندتين الأوروبية والبريطانية بشأن حدود الانفصال ومدى العلاقة المستقبلية، فإن الشهور الثمانية المتبقية لن تكون شهورا هادئة بالنسبة للطرفين.
 
 
أول نُذر التوتر أفصحت عن نفسها من داخل الحكومة البريطانية، التي يبدو أنها لا تشهد حالة من التوافق على طبيعة المشهد ما بعد الخروج من المنظومة الأوروبية، وأنه في الوقت الذي تتقارب فيه مواقف رئيسة الحكومة تيريزا ماي مع الموقف الأوروبي، لا تعدم حكومة المملكة المتحدة وجوها داعمة بقوة للخيار الشعبي، والانفصال التام عن بروكسل.
 
هكذا يمكن اعتبار قرار الوزير البريطاني المعني بـ"بريكست" ومفاوضات الخروج من الاتحاد، ديفيد ديفيس، بالاستقالة من الحكومة، حسبما أفادت وسائل إعلام بريطانية مؤخرا، ردًّا مباشرا على مواقف تيريزا ماي والجناح الداعم للإبقاء على صلات قوية، وفق مستويات تواصل وتشابك اقتصادي أكبر من الطبيعي، بين لندن ومؤسسات منطقة اليورو، خاصة أن الاستقالة تأتي بعد يومين تقريبا من موافقة حكومة "ماي" على خطة عمل تُقر الإبقاء على علاقات اقتصادية قوية مع الاتحاد عقب إنهاء مرحلة الخروج البريطاني.
 
الوزير ديفيس لم يكن وجها حكوميا قديما، صحيح أن حكومة تيريزا ماي بكاملها جاءت عقب استفتاء بريكست واستقالة حكومة ديفيد كاميرون، تنفيذا لوعده السابق على الاستفتاء بمغادرة منصبه حال تأييد المواطنين للخروج من الاتحاد، الذي لم يدعمه "كاميرون"، إلا أن حضور "ديفيس" ضمن تشكيل الحكومة الجديدة التي تزعمتها "ماي" كان مرهونا بالأساس بإنجاز مرحلة الخروج من الاتحاد، في ضوء حمله الحقيبة المستحدثة الخاصة بمرحلة "بريكست".
 
استقالة ديفيد ديفيس المعلن عنها بشكل مفاجئ أمس لا تُعبر عن انعطافة حادة في مسار التفاوض ورؤية الحكومة البريطانية له، لكنها تعبير عن انقطاع سبل التوافق داخل الحكومة، فالوزير المستقيل هدد أكثر من مرة بمغادرة منصبه، على أثر خلافات حادة ومتكررة مع رئيسة الحكومة تيريزا ماي، وفي كل مرة كانت "ماي" تستوعب الخلاف وتفرض حالة من الهدوء في أروقة الحكومة، بشكل يُعيد "ديفيس" للطاولة مجددا، لكن مغادرته النهائية هذه المرة ربما تؤكد أن انسدادا في قنوات التواصل داخل الحكومة، وانحيازا واضحا من تيريزا ماي للرؤية الداعمة للإبقاء على علاقة غير اعتيادية مع بروكسل، تغلفها حالة تعنّت من "ماي" أو ارتداد عن مسار التوافق في أروقة الحكومة.
 
المفاجأة الصادمة أن خروج "ديفيس" من الحكومة البريطانية على خلفية تعنّت تيريزا ماي في مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبي بالشروط التي أقرها البريطانيون، تبعتها استقالة وزير الخارجية بوريس جونسون، الذي أعلن مغادرته الحكومة بعد ظهر اليوم الاثنين، في ضربة أخرى قوية وبالغة التأثير على حكومة تيريزا ماي.
 
 
لن تُوقف استقالة ديفيد ديفيس مسار التفاوض بين لندن والاتحاد الأوروبي، وكذلك لن تفعل استقالة بوريس جونسون، وربما تتابع الاستقالات الرافضة لسياسات تيريزا ماي تجاه العلاقة مع الاتحاد الأوروبي عقب الانفصال. في كل الأحوال سيمضي قطار بريكست، وستصر "ماي" على موقفها، لكن مزيدا من الخلافات والانقسامات في حكومتها ستثير غبارا كثيفا في المشهد، سيلطخ وجه تيريزا ماي ويُفسد مكياجها السياسي، بشكل قد يجبرها لاحقا على الاستقالة ويضع عربة الشعب أمام حصان الحكومة.
 
المأزق الكبير الآن ليس في 10 دونينج ستريت (مقر الحكومة البريطانية) وإنما في العاصمة البلجيكية بروكسل، المقر الأبرز ضمن مقرات مؤسسات الاتحاد الأوروبي، الذي يراهن على الخروج من مفاوضات بريكست بمكاسب سياسية واقتصادية لا تقطع الروابط مع لندن بشكل كامل، ولكن المشكلة أن هذه المكاسب ربما لا تتحق إلا مع تيريزا ماي، وكل موجة غبار تصيب وجه تيريزا ماي وتلطخ مكياجها، تُعني مزيدا من التشققات في بنية الحكومة، واحتمالات أكبر للغضب الشعبي.
 
السؤال الآن في ظل هذا الارتباك المسيطر على الحكومة البريطانية، ما مدى إصرار تيريزا ماي على تقديم ترضيات للاتحاد الأوروبي؟ وما حدود تضحياتها ضمن تشكيلة حكومتها والوجوه الرافضة للتنازل أمام بروكسل؟ وهل موجة الاعتراضات الحالية في "دونينج ستريت" ستشهد مزيدا من الاستقالات في الساعات المقبلة؟.. والأهم هو هل تحترم "ماي" رغبات البريطانيين، كما احترمها سلفها ديفيد كاميرون، وتتطلع للمرأة لترى حجم الغبار الملتصق بمكياجها بعد شهور من المناورة والانحياز؟ الساعات المقبلة قد تحمل مزيدا من المفاجآت.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق