واشنطن تخفي يدها البيضاء خلف ظهرها.. هل تراجع ترامب عن وعوده لكوريا الشمالية؟

الأربعاء، 11 يوليه 2018 08:00 م
واشنطن تخفي يدها البيضاء خلف ظهرها.. هل تراجع ترامب عن وعوده لكوريا الشمالية؟
شعار الأمم المتحدة وعلم الولايات المتحدة الأمريكية
حازم حسين

تقارب كبير بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، يتأسس على استجابة بيونج يانج للمطالب الأمريكية بتفكيك ترسانتها النووية، لقاء رفع العقوبات المفروضة عليها منذ عقود، لكن رغم هذا التقارب لا يبدو أن واشنطن مستعدة لتحمل فاتورة هذه المكاسب الكبيرة.
 
طوال سنوات سعت واشنطن لإخراج شبه الجزيرة الكورية، وإخراج نفسها بالطبع، من مدى التهديدات التي يطالها السلاح النووي الذي سعت كوريا الشمالية لامتلاكه، وتحملت في سبيل هذه المساعي ضغوطا وعقوبات قاسية، ومع نجاح الولايات المتحدة في تحقيق ما أرادت، يبدو أنها أخفت اليد التي طالما لوّحت بها، حاملة وعود التهدئة والعلاقات الدافئة والمكاسب الاقتصادية، خلف ظهرها مرة أخرى.
 

وعود ضخمة وواقع خانق
كان المشهد في لحظاته الأولى مبشرا، فبعد سنوات طويلة من الصراع يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نظيره الكوري الشمالي كيم يونج أون، ويتفق الرئيسان في قمتهما التي استضافتها سنغافورة الشهر الماضي، على تذويب جبال الثلج الضخمة التي خلّفتها سنوات الصدامات المتكررة بين البلدين.
 
لقاء هذه التهدئة لوّحت واشنطن بيد بيضاء، تحمل وعودا بالتخلي عن العقوبات المفروضة على بيونج يانج، وردّ "كيم" بتلويحة بيضاء أخرى تتمثل في استعداده لتفكيك ترسانته النووية، ورغم ما تبع القمة من تصريحات أمريكية وكورية جنوبية متشددة، ترهن التقارب وتخفيف الضغوط الاقتصادية بالتخلي الكامل عن السلاح النووي بشكل مسبق، لم تعترض كوريا الشمالية ولم تنقض الاتفاق، لكنها عبرت عن امتعاضها من الممارسات وأسلوب إدارة الملف، الذي وصفته بأنه يقترب من "أسلوب العصابات".
 
المماطلة الأمريكية التي يمكن النظر إليها في إطار المناورة السياسية واستخلاص أكبر قدر من المكاسب المضمونة، تتجلّى قسوتها بالنظر إلى الواقع الكوري الشمالي، فبينما تتبدد وعود واشنطن وتخفي الإدارة الأمريكية يدها البيضاء خلف ظهرها، تعاني بيونج يانج من واقع خانق وضغوط اقتصادية وإنسانية فادحة، قال عنها مارك لوكوك، مسؤول المساعدات الإنسانية بمنظمة الأمم المتحدة، إن "هناك أدلة شديدة الوضوح على حاجة كوريا الشمالية لمساعدات إنسانية".


أمريكا شاهد على الفاجعة
 
مسؤول المساعدات الإنسانية بالأمم المتحدة وصل كوريا الشمالية الاثنين الماضي، في أول زيارة من نوعها من مسؤول أممي للبلد المنعزل بقوة منذ العام 2011، وفي اليوم التالي لوصوله سجل ملاحظاته على الأوضاع القاسية في البلاد عبر مقطع فيديو بثّه على شبكة الإنترنت، ملخصا فيه تفاصيل مشاهداته من واقع زيارته لعدد من المناطق جنوي غربي كوريا.
 
أبرز الملاحظات التي وثقها المسؤول الأممي تمثلت بحسب قوله في "توفر أدلة شديدة الوضوح على الحاجة للمساعدات الإنسانية. إذ لا تتوفر لأكثر من نصف الأطفال في المناطق الريفية مياه نظيفة، وعندهم مصادر مياه ملوثة، كما أن نحو 20% من الأطفال يعانون سوء التغذية، والتمويل أقل من المطلوب" وهو ما يعيد للأذهان قول الأمم المتحدة في نوفمبر الماضي إنها اضطرت لوقف الدعم الغذائي لرياض الأطفال في البلاد بسبب نقص التمويل، وإن 90% من خطة الأولويات والاحتياجات في 2018 لم يتم تدبيرها، وأن أكثر من 40% من السكان، بواقع 10 ملايين شخص، يحتاجون مساعدات إنسانية.
 
الصورة التي تنقلها الأمم المتحدة لا تشي بأن كوريا الشمالية شهدت أي تغيير يُذكر منذ قمة ترامب وكيم، فالبلد شبه معزول تماما عن السياق العالمي كما هو، والمنظمة تعمل في الداخل وسط شُح في الموارد وعدم قدرة على الوصول للمحتاجين كما كان الحال سابقا، والولايات المتحدة ما زالت تُحكم الحصار حول عنق بيونج يانج كما اعتادت طوال السنوات الماضية، والفارق أنها أصبحت أقل عبوسا وهي تقبض على مفاتيح البوابة الحديدية التي تغلق بها منافذ البلاد، محوّلة أكثر من 120 ألف متر مربع لسجن كبير، وحياة ما يقارب 25 مليون مواطن لمعاناة كاملة.
 

ترامب يبتسم بينما تموت كوريا
النجاح الذي حققه ترامب في ملف التهدئة، ليس خيارا نهائيا على أية حال، فرغم استعداد بيونج يانج للتخلي طوعا عن برنامجها النووي، فإن الأمر بالنسبة لها مرهون بمكاسب مباشرة، وأي تهديد لما تستهدفه أو تتوقعه من مكاسب، قد يدفع البلد الفقير بقسوة للابتعاد عن مسار التهدئة.
 
في السنوات الماضية استندت كوريا الشمالية في عنادها والثبات على موقفها لدعم مباشر من الصين، بدا أنه يتراجع في الفترة الأخيرة مع مساعي بكين للتهدئة مع الولايات المتحدة في ملفات عديدة، لعل أبرزها ملف تايوان الذي تستخدمه واشنطن كورقة تهديد للتنين الصيني، ومع تصاعد الصراع مؤخرا على خلفية الحرب التجارية، قد تتخلى الصين جزئيا عن التهدئة المأمولة، أو تستعيد ورقة كوريا الشمالية وتلوّح بها مرة أخرى.
 
هذا السيناريو لا يجعل النظر في وجه ترامب المبتسم وهو يمسك بمفاتيح السجن الكوري الشمالي أمرا مريحا للمتشائمين أو القلقين الذين يوجهون نظراتهم الأولى للنقاط السوداء في مشاهد السياسة، فما لم يستعيد الزعيم الكوري وعوده التي فقدها سريعا، ويرى يد واشنطن البيضاء تخرج من خلف ظهرها، فإنه قد يعود لجنونه القديم، مع فارق أنه لن يحتاج للبداية من الصفر، فالمُرجح أنه قطع شوطا بعيدا على طريق التجارب النووية طوال هذه السنوات، إن لم يكن قوة نووية الآن بالفعل.
 
هكذا يبدو الحل العملي في أن تتخلى الولايات المتحدة عن قدر من الغطرسة والشروط الاستباقية القاسية، وأن تُسهل عمل بعثة الأمم المتحدة وتساهم في جهودها الإغاثية، مع تقديم ترضيات اقتصادية لتكون بمثابة الحوافز الدافعة للجانب الكوري على استكمال المسار الشاق نحو التهدئة.. إذ ليس من المعقول أن يحصل "ترامب" على ما يريد دون مقابل، حتى لو كان يدير الأمور بمنطق التاجر، فعليه أن يراعي في حالة كوريا أنه يتاجر في سوق فقيرة، ليس لديها ما تدفعه، ولا ما تخسره أيضا.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق