منجل أعمى يحصد القمح والشوك.. هل يطفئ ترامب الحرائق أم يضع يده في جحر الثعابين؟

الإثنين، 16 يوليو 2018 07:00 م
منجل أعمى يحصد القمح والشوك.. هل يطفئ ترامب الحرائق أم يضع يده في جحر الثعابين؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

لا أحد يفهم ترامب، لا إدارته ولا ميلانيا، وربما ترامب نفسه لا يفهم ترامب، فوسط تحركات عديدة ومتشابكة في عشرات الملفات، يبدو الرجل منظما أحيانا، عشوائيا أحيانا، ومتناقضا في كثير من الأحايين.

منذ وصوله البيت الأبيض قبل ثمانية عشر شهرا، يدير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عددا من الملفات الساخنة بطريقة مغايرة لما اعتاده المتابعون من سلفه باراك أوباما، لكن هذه المغايرة لم تخلُ من تناقضات في بعض الأحيان، أو رهانات لا يبدو أنها بريئة تماما، بشكل عزاه البعض إلى أن "ترامب" يتعامل مع السياسة الخارجية، وربما أمور الداخل أيضا، بمنطق رجل الأعمال، أكثر من اعتماد الأطر السياسية لتقييم المواقف والتعامل معها.

كثير من الملفات الساخنة شهدت هدوءا نسبيا في الأسابيع الأخيرة، وأخرى كانت هادئة ارتفعت حرارتها بشكل ملحوظ، وبين النجاح في مهمة رجل الإطفاء على أصعدة، والتورط في دور مشعل الحرائق على أصعدة أخرى، تبدو تحركات الرئيس الأمريكي كأنها منجل أعمى يحصد القمح والشوك، ربما لأن لديه رهانا على تجاور القمح والشوك، أو لأنه لا يعرف الفارق بينهما.

 

كوريا.. صداع واشنطن الدائم

ملف كوريا الشمالية ومساعيها لامتلاك ترسانة نووية ظل أحد الملفات المؤرقة للولايات المتحدة، وصداعا دائما في رأسها خلال السنوات الأخيرة، بدأ الأمر مبكرا مع الرئيس كيم إل سونج، الذي ظل في الحكم 46 سنة سيطرت عليها التوترات مع الجارة الجنوبية، وبطبيعة الحال مع واشنطن، وتطور الأمر مع الابن كيم جونج إل الذي صعد للحكم في 1994 وبدأ مسيرة الطموح النووي، لكنه تصاعد بقوة مع الحفيد كيم جونج أون الذي بدأ حكمه في العام 2011 وقطع أشواطا طويلة على طريق الحلم النووي، وطريق التوتر مع الولايات المتحدة.

في ظل الحماية الصينية لكوريا الشمالية لم تملك الولايات المتحدة منفذا للتعامل مع بيونج يانج وطموحها النووي إلا عبر العقوبات والحصار الاقتصادي، مع التلويح بين وقت وآخر باحتمال التدخل العسكري، الذي كان الجميع يثقون تماما أنه مجرد تهديد غير قابل للتحقق، وظل الأمر بين شد وجذب، وتهدئة وتصعيد، وتصريحات دبلوماسية وتراشق بالألفاظ، حتى كان التطور الأكبر والأهم على يد دونالد ترامب.

بدا الرئيس الأمريكي الجديد متحفظا وحادا في التعامل مع كوريا الشمالية، كما كان الحال مع أسلافه، لكن في واقع الأمر كانت قنوات الاتصال التحتية بين البلدين آخذة في التنامي والتطور الإيجابي، حتى فوجئ الجميع بلقاء ترامب ونظيره الكوري الشمالي في سنغافورة خلال الشهر الماضي، والأكثر مفاجأة أن اللقاء أسفر عن اتفاق إيجابي بأن تتخلص كوريا الشمالية من ترسانتها النووية، مقابل التقارب السياسي ورفع العقوبات، وبدء مرحلة جديدة من العلاقات المشتركة.


إيران.. البحث عن المتاعب

على النقيض تماما من الموقف السابق تجاه كوريا الشمالية، التي ورث دونالد ترامب ملف الرؤية الأمريكية لها في حالة سخونة، تعامل الرئيس الأمريكي مع ملف إيران الذي تسلّمه هادئا وباردا نوعا ما، فأطلق رصاصته القاتلة على الاتفاق النووي الإيراني بإعلان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وبدء التحرك صوب إقرار حزمة من العقوبات على النظام في طهران.

منذ اللحظة الأولى لم يُبد "ترامب" أي بادرة قبول للاتفاق النووي وما رتّبه من التزامات على الجانبين الغربي والإيراني، وعبر في أكثر من مرة عن رفضه للضوابط والاشتراطات التي أقرها الاتفاق، ومساحة المناورة التي حصلت عليها إيران بموجبه، ومع إعلان انسحابه من الاتفاق تحدث عن حزمة عقوبات اقتصادية، وعن حظر استيراد النفط الإيراني، ومارس ضغوطا على عدد من الدول الحليفة للالتزام بهذه العقوبات، في وقت تشهد فيه سوق النفط ضغوطا متصاعدة بشكل يهدد استدامة التدفقات وتوازن العرض والطلب ومستويات الأسعار.

إيران من جانبها لم تتعامل مع الأمر بهدوء، وأعلنت أنها ستتخذ إجراءات حادة من جانبها للرد على العقوبات الأمريكية، كما هددت بالانسحاب من منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك" حال إيقاف صادراتها وتقدم أي من أعضاء المنظمة لتعويض إمداداتها للأسواق الدولية، وتطور الأمر إلى توظيف الحضور الإيراني في الساحات العراقية والسورية واليمنية والأفغانية، للضغط على الولايات المتحدة وتشكيل إزعاج مباشر لها.

بالتأكيد كان الهدوء السائد على المحور الإيراني هدوءا مصطنعا، ولم يكن متوقعا أن يدوم لسنوات، لكن تخلي الولايات المتحدة عن هذه التهدئة وسط أجواء ساخنة في ملفات وساحات تتقاسم طهران الحضور الفاعل فيها، ربما لم يكن خيارا موفقا، وكان أقرب للبحث عن المتاعب وإشعال حريق جديد.

 

طالبان.. أحيانا يُلدغ الإنسان مرتين

قبل ما يقرب من سبع عشرة سنة شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربا عنيفة على أفغانستان، على خلفية حادث برجي مركز التجارة العالمي في سبتمبر 2001، وكان السبب المباشر تعقب الملاذات الآمنة التي انطلقت منها عناصر تنظيم القاعدة الإرهابي التي نفذت العملية، وما وفرته لها حركة طالبان التي سيطرت على السلطة في أفغانستان وقتها، من دعم وتسهيلات.

خلال السنوات الماضية لم تهدأ وتيرة الحرب الأمريكية في أفغانستان، ولم يتوقف تعقبها لمقاتلي القاعدة وطالبان، خاصة أن واشنطن كانت تعتبر مسألة تصنيف القاعدة وطالبان كتنظيمين إرهابيين مسألة نهائية لا تقبل النقاش، لكن خلال الأسابيع الأخيرة يبدو أن جليد السنوات السبع عشرة السابقة بدأ في الذوبان، مع تراجع إدارة ترامب عن مواقف سلفيه، جورج بوش الابن وباراك أوباما.

في تقرير نشرته "نيويورك تايمز" اليوم الاثنين، قالت الصحيفة الأمريكية أن إدارة ترامب أمرت دبلوماسييها بالعمل على إجراء محادثات مباشرة مع حركة طالبان، سعيا لبدء مفاوضات جادة في البلد الذي يشهد حربا ممتدة منذ العام 2011، وفسّرت الصحيفة الأمر بإن الإدارة الأمريكية "تدرس تغيير استراتيجيتها للمساعدة على بدء مفاوضات رسمية وموسّعة تقود لإنهاء الحرب في أفغانستان" مشيرة إلى أن الزيارات الأخيرة لوزير الخارجية مايك بومبيو ومساعدته أليس ويلز لأفغانستان وباكستان، كان هدفها المباشر التمهيد لبدء محادثات بين طالبان وواشنطن.

 

التحرك الأمريكي لا يمكن النظر إليه بمعزل عن المساعي الإيرانية للتقارب مع حركة طالبان، أشارت إليها تقارير إعلامية غربية بالحديث عن تلقي عناصر من الحركة الأفغانية تدريبات عسكرية في إيران، تتولاها قوات خاصة من الحرس الثوري، وبينما نفت طهران من جانبها هذا الأمر عبر بيان لهيئة الأرکان العامة للقوات المسلحة، وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه السفارة الإيرانية في العاصمة الأفغانية، يبدو أن قنوات المعلومات الأمريكية قد التقطت هذه المؤشرات وتأكدت منها، وقررت التعامل معها بنظرة سياسية.

كانت الأمور قد ساءت في الفترات الأخيرة بين التيارات الإسلامية في أفغانستان، مع بروز تنظيم داعش الرافض للقاعدة وطالبان على حدّ السواء، وهو الرفض الذي تسبب في مناوشات وصدامات عسكرية وعمليات انتحارية متبادلة، بينما لاحت في الأفق بوادر تقارب بين طالبان والحكومة الأفغانية، وفي ضوء خريطة الصراع الإيراني في الملاعب الساخنة (مواجهة الحرس الثوري لداعش في سوريا نموذجا) فإن الحديث عن تقارب إيراني طالباني يبدو منطقيا، إذ يحقق الأمر فوائد مركبة لطهران، أولها إزعاج الإدارة الأمريكية والضغط عليها، وثانيها حصار تنظيم داعش الذي يمثل عدوًّا مباشرا وشرسا للدولة الشيعية.


الصين.. واشنطن تضع يدها في فم التنين

في وقت حققت فيه إدارة ترامب نتائج إيجابية في عدد من الملفات، لم يكن أشد المتابعين تشاؤما يتخيل أنه قد يخوض حربا مع الصين، في ظل موازين القوى المتقاربة، والأضرار الضخمة المحتملة على البلدين جرّاء هذه الحرب، لكن هذا الأمر الذي لم يكن أحد يتوقعه بات حقيقيا للأسف.

في وقت سابق أقر دونالد ترامب حزمة من الرسوم الجمركية الحمائية على قائمة من الواردات الأمريكية من عدّة دول، منها كندا وإسبانيا وغيرهما، وفي وقت تالٍ وسّع مجال رسومه الحمائية لتشمل واردات صينية بقيمة 34 مليار دولار، الصين من جانبها تعهّدت بالرد بالمثل وتقديم شكاوى لمنظمة التجارة العالمية، فعاد "ترامب" ليهدد بتوسيع مدى الرسوم لتشمل واردات بـ200 مليار دولار، ردت الصين بتهديدات أخرى، فألمحت الإدارة الأمريكية إلى أن الأمور يمكن أن تتطور لتشمل كل وارداتها من الصين، البالغة 500 مليار دولار.

المؤشرات الاقتصادية في الأسبوع الأول للحرب التجارية بين واشنطن وبكين، تؤكد قوة الموقف الأمريكي، خاصة مع صعود الدولار مقابل سلة العملات الرئيسية، واليوان الصيني، وتراجع الذهب لصالح الأداء الجيد للسندات وأذون الخزانة الأمريكية، وأيضا تراجع أسعار النفط رغم أجواء الشحّ التي تسيطر على الأسواق، والمخاوف المحيطة بملف العقوبات المرتقبة على إيران، ما يُعني قدرا من الاستقرار السياسي والاقتصادي العالمي، الذي يصب بدرجة أكبر في صالح الولايات المتحدة.

رغم التفاؤل الذي تشيعه المؤشرات الاقتصادية، لا يمكن تجاهل الآثار السلبية التي ستعانيها الولايات المتحدة من هذه الحرب، لعل أسرعها الضغط الاقتصادي على المستهلكين الأمريكيين الذين يفضلون البضائع الصينية، وسيكون عليهم تحمل مزيد من الكُلفة لقاء الحصول عليها، بعد إضافة قيمة الرسوم الحمائية، ما يُعني تراجعا مباشرا في مستوى المعيشة، وفي معدل الادخار والودائع البنكية، وبالتبعية في القدرة على تمويل مزيد من طروحات السندات وتمويل عجز الموازنة الذي يتجاوز تريليون دولار.


حصاد القمح والشوك

في الملفات السابقة، وغيرها من الملفات الأخرى، منها ما يخص سوق النفط والضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة عليه، سواء بالضغط على أوبك وبعض أعضائها لزيادة الإنتاج، أو حصار فنزويلا ودعم التوترات السياسية فيها، أو تغذية الطلب بشكل كبير لتعويض فواقد مخزونها الاستراتيجي، وكذلك ملف الوضع في سوريا الذي زاده الوجود الأمريكي اشتعالا، وخلق حالة من السخونة والاشتباك مع روسيا، وشجّع إسرائيل على التدخل المباشر في الشأن السوري وتنفيذ ضربات مباشرة لأهداف سورية، وكذلك ملف حلف شمال الأطلنطي "ناتو" وضغوط واشنطن لزيادة ميزانيته، ورد موسكو الساخن بأنها ستتأهب على خلفية هذه الزيادة التي رأتها خطوة تصعيد، في كل هذه الملفات لا يبدو أن إدارة ترامب تتحرك باستراتيجية واضحة.

في ساحات ساخنة قدّم ترامب تنازلات للوصول إلى تهدئة، ربما لا تكون مكاسبها كبيرة، مثل ملف الترسانة النووية الكورية، وفي ساحات أخرى كانت هادئة نسبيا تعمّد خلق توترات، غالبا ستكون خسائرها قاسية، مثل ملف التصعيد مع إيران، أحد اللاعبين المباشرين في عدد من الملفات المهمة والمزعجة، أو التصعيد مع الصين، الخصم الاقتصادي والسياسي الشرس، وهذه التفاعلات المتقابلة إلى حد التضارب، ربما تحمل انطباعا بأن الإدارة الأمريكية لا تستهدف التهدئة، وبالتأكيد لا تسير باتجاه الحرب.

البُعد التجاري وفكرة العوائد المباشرة هما ما يحكمان رؤية الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب لكل الملفات، بالتأكيد لا تغيب الأبعاد الأمنية والاستراتيجية، لكن حسابات المكاسب تظل في المقدمة، ما يُعني أن "ترامب" ورجاله يسيرون في كل الطرق وعيونهم مثبتة بالأرض، باحثين عن قطعة نقود معدنية ربما سقطت سهوا من أحد المارة، وأنهم في حقل السياسة يحملون منجلا أعمى، وفي فورة التطلع للعودة بأكبر مغانم ممكنة، فإنهم كثيرا ما يحصدون الشوك مع القمح.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق