500 مليار دولار جديدة في مرمى النار.. إلى أي مدى قد تصل الحرب التجارية الأمريكية؟

الخميس، 12 يوليه 2018 10:00 ص
500 مليار دولار جديدة في مرمى النار.. إلى أي مدى قد تصل الحرب التجارية الأمريكية؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

"زيادة الرسوم الجمركية بصورة متبادلة وعلى نطاق واسع بين الصين والولايات المتحدة ستؤدي حتما إلى تدمير التجارة الصينية الأمريكية".. هكذا علّق نائب وزير التجارة الصيني لي شينجانج على أحدث حلقات التوتر بين واشنطن وبكين، التي تمثلت في تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حزمة رسوم جمركية حمائية جديدة.
 
الحرب الاقتصادية التي انطلقت أولى قذائفها في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضية ستتطور وتزداد اشتعالا بالتأكيد، وستنعكس على كثير من الأمور الاقتصادية في البلدين وخارجهما، لكن الأخطر أن يتحول الصراع عن وجهته التجارية المحكومة بالحسابات الاقتصادية، إلى مرحلة الكيد والمعاندة والتلاسن السياسي الذي يقود القرارات والإجراءات.
 
وقتما بدأ دونالد ترامب صراعه الاقتصادي من طرف واحد، لم يشتبك معه أحد من الدول المشمولة بخطط فرض الرسوم الحمائية، لم تبدأ الردود إلا عقب إقرار زيادات الرسوم الجمركية بشكل فعلي، وقتها تصاعدت الانتقادات من كندا وإسبانيا وعدد من الدول الأوروبية، وظلت الصين محافظة على هدوئها النسبي.
 
 
هدوء صيني وغطرسة أمريكية
مع دخول القرارات الحمائية حيز النفاذ، لم تتجاوز الصين في ردودها حدود الحديث عن اللجوء لإجراءات شبيهة، وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل، بينما تمادى ترامب في خطابه المتغطرس، مهددا بفرض مزيد من الرسوم على البضائع الصينية حال رد الأخيرة على الدفعة الأولى التي فُرضت على بضائع بقيمة 34 مليار دولار.
 
تهديدات ترامب أشارت إلى سلّة ضخمة من السلع الصينية، تتجاوز قيمتها 200 مليار جنيه، وهو ما اعتبرت بكين أنه سعي مباشر من الولايات المتحدة لتدمير التجارية البينية والعلاقات الاقتصادية للبلدين، وليس تهديدها أو الضغط عليها بغرض تحقيق مكاسب أمريكية أكبر، وبجانب الاتهام المباشر للإدارة الأمريكية باستهداف التجارة المشتركة، حذرت الصين من "اتخاذ التدابير المضادة المناسبة للرد على تهديدات واشنطن بفرض رسوم جمركية جديدة على صادرات صينية قيمتها 200 مليار دولار".
 

500 مليار دولار في مرمى التهديد
 
في قراءتها للمشهد، قالت بكين إن الموقف الأمريكي الذي تبدو عليه الغطرسة "غير مقبول إطلاقا"، وإن تصرفات الولايات المتحدة "غير عقلانية وتضر "بالصين والعالم وبواشنطن نفسها"، بينما لا يبدو أن البيت الأبيض يرى هذا الضرر المحتمل، بل على العكس تشير تفاصيل المشهد إلى أنه يتعامل مع الأمر باعتباره فرصة لاقتناص مزيد من المكاسب.
 
الولايات المتحدة دخلت الحرب التجارية باقتصاد قوي ومتماسك، كانت قد قدمت دعما كبيرا لعملتها برفع سعر الفائدة 0.25% قبل أسابيع، مع أداء إيجابي مستقر للدولار في الأسواق العالمية طوال أسابيع، وتأمين كثير من احتياجاتها النفطية عبر ضغوط على "أوبك" لزيادة الإنتاج ومطالبة المملكة العربية السعودية بمليون برميل يوميا خارج تدفقاتها الطبيعية، إضافة إلى توقعات إيجابية بشأن بيانات الوظائف غير الزراعية ومستويات الأجور.
 
الاطمئنان الأمريكي إلى صلابة عود الاقتصاد الداخلي في الفترة الأخيرة، شجع ترامب على اتخاذ قراراته العقابية وفرض حزمة الرسوم الجمركية وبدء تطبيقها بسرعة وحسم، سعيا إلى تعزيز المكاسب الاقتصادية، وضرب طوق من الحصار المعطل للقفزات الاقتصادية الصينية، وتغوّل التنين الأصفر على فضاء التجارة العالمية بوتيرة متصاعدة ومستدامة، تُرجح أن يكون الحصان الأسود في الأسواق خلال سنوات قليلة.
 
كان مُتوقعا أن تشعر الصين بقدر من الغيظ وتقرر الرد، وأن يهدد ترامب بالتصعيد، فتلوّح الصين بالمعاملة بالمثل، ومن محطة التهديد بفرض رسوم على بضائع بـ200 مليار دولار، وصل الرئيس الأمريكي إلى مدى بعيد في سيناريوهات التصعيد، في التصريحات التي نشرتها بلومبرج قبل أيام، وتضمنت أن واشنطن قد تلجأ في نهاية المطاف لفرض رسوم حمائية على سلع صينية تتجاوز 500 مليار دولار، وهذا الرقم هو إجمالي الواردات الأمريكية من الصين.
 
 
 

هل يسقط التنين الصيني في منتصف الحلبة؟

الحديث الأمريكي عن احتمالات الوصول إلى قائمة من الرسوم الحمائية تشمل إجمالي الواردات من الصين، يُعني أن بكين لنيكون بمقدورها مواصلة التصعيد مع ترامب أو انتهاج سياسة المعاملة بالمثل، في ضوء أن الميزان التجاري يميل بقوة في صالحها، ولا تصل وارداتها من الصين لحدود 500 مليار دولار التي تتدفق من بضائعها عابرة الحدود الأمريكية.

ميل الميزان التجاري لصالح الصين، وخريطة المنتجات الصينية العريضة التي تدخل السوق الأمريكية وتفوق عدد المنتجات الأمريكية التي تسير في المسار العكسي، تُرجح أن تكون الأضرار المباشرة على التنين الروسي أكبر، خاصة أن الرسوم الحمائية الأمريكية شملت في الدفعة الأولى 1300 سلعة بنسبة رسوم 25%، وتستهدف القرارات قطاعات النقل والدفاع والكيماويات والأجهزة الطبية والطيران والفضاء وتكنولوجيا المعلومات.

هذا التفوق الصيني الذي بدا كميزة كبرى طوال سنوات، يبدو الآن أنه يشكّل عبئا ضاغطا على التنين الصيني، يُقلل من قدراته على خوض الحرب حتى المدى الأخير، ويجعلها الطرف الأقرب للصراخ في معركة "عض الأصابع" التي تتصاعد بين البلدين يوما بعد آخر، وبينما يستطيع ترامب البقاء في المعركة لوقت طويل جدا، قد يسقط التنين الصيني بمنتصف الحلبة في أي وقت.


هل يكون الدولار نقطة ضعف ترامب؟

رغم المشهد الذي يبدو مغلقا، هناك محللون ماليون واقتصاديون يرون جانبا آخر مغايرا للصورة، وهو أن أوراق اللعب ليست كلها في يد الولايات المتحدة كما يتخيل البعض، وأن بطاقات مهمة وأكثر خطورة تحتفظ بها بكين خلف ظهرها.

في تقرير للكاتب المختص بالشؤون الاقتصادية، أمبروز إيفانز بريتشارد، نشرته صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية في وقت سابق، رأى "إيفانز" أن الصين تملك قدرات كبيرة وكافية لتهديد الولايات المتحدة وتشكيل خطورة كبرى على سلامها الاقتصادي، إذ تستطيع بسهولة أن تُدمر الولايات المتحدة ماليا، لكنه تدارك الأمر بالقول: "لكنها لا تجرؤ على اتخاذ هذا القرار".

فكرة إيفانز تدور حول محفظة الصين من أذون الخزانة الأمريكية (أدوات الدين التي يلجأ لها بنك الاحتياطي الفيدرالي) وتتجاوز حاليا حدود 1.2 تريليون دولار (ما يتجاوز 6% من إجمالي الناتج الأمريكي السنوي).. بحسب وجهة النظر هذه فإن بكين تستطيع توجيه ضربة قاضية لواشنطن حال تصفية هذه المحفظة الضخمة وتحويلها باتجاه سلّة عملات أخرى، والأمر نفسه مع باقي الاحتياطي الصيني البالغ 3.14 تريليون دولار، الحصة الأكبر منها بالعملة الأمريكية.

هذا السيناريو على صعوبته، يُعني إثارة موجه قاسية مثل التي أثارتها أزمة الرهن العقاري في العام 2008، وإشعال حالة من الهلع في أوساط المستثمرين وحائزي السندات والأذون الأمريكية، ما قد يتسبب في انهيار عاجل لسعر الدولار عالميا، ولأسعار السندات الأمريكية، ويخلق فقاعة مالية يصعب على الولايات المتحدة تجاوزها دون إجراءات تقشفية واسعة وعميقة، ستقود حتما إلى تآكل معدلات النمو أو تسجيل انكماش اقتصادي، خاصة أن عجز الموازنة الأمريكية يقترب من تريليون دولار، تدبرها واشنطن عبر السندات وأذون الخزانة.

الخيار السابق يظل طرحا نظريا يقترب من حدود المستحيل، أولا لأن أمور الاقتصاد لا تُدار وفق هذا المنطق، وثانيا لأن أي تأثير سلبي بهذه الضخامة على الاقتصاد الأمريكي سيطال كل دول العالم، وأول المحترقين بنيران هذا البركان الكاسح ستكون الصين نفسها، التي ستخسر كثيرا من فوائضها المالية في أجواء المضاربة والانهيار التي ستحيط بالعملة الأمريكية.

وفق هذا المنطق المعقد، لا سيناريو لهذه الحرب التجارية إلا التوافق، الذي ستكون الصين الطرف الأكثر حاجة له واضطرارا للقبول بشروطه المجحفة، لكن في كل الأحوال لا يمكن أن تستمر اللعبة بالشروط الحالية، لا واشنطن تحتمل الضغط على أسواقها الداخلية، وعلى البورصات وأسواق النفط، وعلى الحلفاء من الدول المشتبكة اقتصاديا بالتنين الصيني، ولا بكين تحتمل أن تخسر سوقا مهمة كالولايات المتحدة، أو يتطور الأمر ليصل لفرض 25% على 500 مليار دولار تربحها من الأسواق الأمريكية.. فالحقيقة أن الغول يمكنه أن يضع يده في فم التنين، لكن الأخير سيكون الأكثر صراخا.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق