سعاد وحامد.. وأولادهما

السبت، 04 أغسطس 2018 11:42 ص
سعاد وحامد.. وأولادهما
هبه العدوى

 
دخلت سعاد إلى مطبخها العتيق، هذا الذى ورثته أبا عن جد، دلفت إليه وهى فى قمة التركيز لتُعد طعام الغذاء.. لم تجده كما كان، فبدأت رحلتها اليومية فى ترتيبه ..بدأت بتصنيف ( الاشياء )، وضعت الملاعق هنا أما السكاكين فهناك، وصنعت ممرا خاصا بالملاعق الصغيرة .
 
هى حرصت كل الحرص أن تتواجد كل قطعة مع  مثيلاتها ..فى نفس ذات الممر البلاستيكى الصنع حتى إذا ما إحتاجت إحداها رجعت فوجدتها بسهولة ..صنّفت أيضا ذرات الفلفل والملح والكمون ..قصّت شريط ورقى مناسب لتضع لكل علبة  (مُسمى ) مناسب لها ..وبعد أن انتهت شعرت بالسعادة البالغة .
 
حذّرت سعاد كل افراد أسرتها أن ينبشوا بأيديهم فى تصنيفاتها وتنظيماتها ( الشديدة الدقة ).. نادت فى ابنها ( يوسف ) قائلة له أنه إن فعل ذلك أفقدهم هويتهم وضاعت قيمتهم !!
 
***
جاء حامد على عجل من عمله الذى يبعد قرابة الساعة ونصف عن منزله.. لم يبادل زوجته حتى التحية ..فقط يرن فى أذنيه كلمات رددها على مسامعه الراديو طيلة رحلة رجوعه من عمله .. الضريبة ..إدفع ما عليك من ضرائب .. لا يعلم تحديدا لماذا ذكرته تلك النداءات المتكررة بالمشهد الشهير فى الفيلم :
-الدواء فيه سم قاتل .. 
أى دواء هذا الذى نتجرعه جميعا ؟!.. دواء (التعويم وتبعات قرض صندوق النقد ) .. ترى هل يكون فيه هو أيضا (سم قاتل ) !! تسائل وهو يهم بإلتقاط ريموت التكييف ومعه ريموت التليفزيون ..
 
***
 بعد أن أتممت عمليتها التصنيفية وقفت تقلب الطعام فى صمت, تذكرت كلمات مدرب المهارات الشخصية الذى أحضروه لهم فى الشركة لكى تتأهل وزميلاتها للترقية ..هى ترى كل هذا الكلام عن تنمية الذات, هراء وشغل (عالم فاضية ) .. لكنها تحديدا هذه المرة وكأن كلماته لامست روحها عن الحرية :
-هى أعظم هبه وهبها الله لنا ..تجعل منّا أُناسا متفردين ..كل منّا له بصمته الخاصة وروعته التى لا مثيل لها ..نعم لقوانين مندل الوراثية وجود ..والجينات الوراثية تنتقل من الأب للمولود ..لكن يظل لكل منا حرية الإختيار ..
باغتها يوسف مناديا إياها  :
-جعااان 
إنتفضت من مكانها.. نظرت لابنها نظرة تشى باللاشيء, فمازال عقلها سابحا فى معانى  (الحرية ).. 
-مامااااااااااااا 
أجابته بجملتها الشهيرة ( حاضر ) .. جلسوا جميعا يتنازلون طعام الغداء ..حضرت ليلى وابنتهم سماء ودعاء التوأم  .. هى اسرة مكونة من ست افراد ..
قامت سريعا بتنظيف المكان بعد أن فرغوا جميعا من الطعام ..جاءتها (مسج ) من صديقتها تُذكرها بضرورة المذاكرة لأن (إمتحان الكورس ) غدا .. 
أغلقت باب إحدى الحجرات على ذاتها .. وأغلق كذلك حامد باب حجرة أخرى .. دخل الأولاد لحجرتهم .. 
***
انطلقت تستذكر عن معانى ( الحرية ) وقيمتها العظمى فى بناء الشخصية .. وأنها دونها لا وجود للإنسانية وإذا ما لم يكن  ( الضمير الحر ) للفرد مصاحبا لها صارت فوضى ..
شعرت بالكلمات غريبة على أذنها ..هى تفهم وفقط (الثنائيات ), فوضى وتنظيم .. ماهى تلك الحرية التى تقع بين الاثنين ؟ 
لا بأس ..فقط ( سأحفظ ) كل تلك الكلمات الشديدة الصعوبة .. وسأضعها فى الإمتحان .. لكن ماذا عن رغبة المدرب فى أن أكتب قصة حرة من مخيلتى عن (ما فهمته عن معنى الحرية ؟ ), لا يهم.. 
***
تقلّب حامد فى فراشه عدة مرات وعقله يرفض النوم وهو مثقل بالهموم .. كيف سيسد كل تلك الأعباء ؟؟ .. وماهو هذا المستقبل المشرق الذى ينتظر الوطن !!.. طيب (يدونا أمارة طيب ) 
زفر زفرة حارة .. تنامى لمسامعه آذان العشاء .. نهض ليصليه جماعة فى الزاوية التى تقع أسفل منزله .. 
***
 فرغت سعاد من قراءة (شابتر الحرية ) وبدأت فى إستذكار فصل (إدارة التغيير ) : 
-فعلا أنا محتاجة أغير مطبخى وأجيب مطبخ جديد ..
نهضت مسرعة من مجلسها, صادفت زوجها وهو يهم بفتح باب المنزل للصلاة:
- حامد عايزين نغير المطبخ, متقلقش حاخد قرض بضمان شغلى وأغيره .. 
***
نجحت سعاد  فى الإمتحان الذى أهلّها للترقية برغم عدم قدرتها على كتابة ( القصة الحرة ) .. أصبحت مديرة لمجموعة من (الموظفين ) .. بدأت فى تصنيفهم بنفس طريقتها التى إعتادتها داخل مطبخها الذى لم يعد بعد عتيق المظهر..
 
***
سافر حامد  لإحدى البلدان العربية .. مصاريف المدارس وأقساط الشقة التى اشتراها لكى يتزوج فيها ابنه الطفل يوسف بعد عمر طويل (قطمت وسطه ) ..كما أن ابنته الكبرى دخلت جامعة القاهرة وتريد أن تذهب للقسم الخاص داخله والذى يتكلف الكثير من الأموال .. 
***
 تقولبت الثلاث بنات بنفس قالب و صفات الأم التى تنظر دوما لهن قائلة :
-ونعم التربية..
كانوا (شديدى الدقة ) فى تصنيف صديقاتهن الائى لم يتعد يوما أعدادهن الإثنين معا ..عادة هى صديقة واحدة ودوما متغيرة..
***
سعاد  فى منتهى السعادة  ولا يعكر صفوها حتى الآن إلا (يوسف )الصغير الذى يجلس ليل نهار أمام شاشة اللابتوب ومازال يبعثر لها يوميا (كل الأشياء ) 
 
 
 
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق