بعد مطالبات الرئيس بتجديده.. ما المقصود بالخطاب الديني وكيف تطور عبر التاريخ؟

الأحد، 05 أغسطس 2018 09:00 م
بعد مطالبات الرئيس بتجديده.. ما المقصود بالخطاب الديني وكيف تطور عبر التاريخ؟
تجديد الخطاب الديني
محمد فرج أبو العلا

 

طالب الرئيس السيسي، أكثر من مرة، بضرورة تغيير وتجديد الخطاب الدينى، مؤكدا أن تشدد الخطاب الدينى تسبب فى زيادة نسب الإلحاد بين الشباب، وأن إصلاح هذا الخطاب بات ضرورة مجتمعية، من أجل الحفاظ على هوية الإنسان المصرى، مضيفا خلال كلمته بجلسة «استراتيجية بناء الإنسان المصرى» ضمن فعاليات مؤتمر الشباب الأخير بجامعة القاهرة، أنه «يجب أن نقف أمام أنفسنا بمنتهى الصراحة ونعرف أننا بحاجة للتحرك بشكل قوي وفاعل، لإعادة صياغة الشخصية المصرية، لكى تتطور بما يتواكب ومتطلبات العصر والإنسانية».

إن دعوة الرئيس السيسي لتجديد الخطاب الدينى لم تأت من فراغ، حيث أصبح التجديد وسيلة ضرورية للتخلص من الجهل والتخلف والتطرف الذى ولد الإرهاب والعنف، إلى جانب مواجهة الجمود والتقليد بالعقل والحكمة والموعظة الحسنة، فقد اشتغل على التجديد مفكرو الإسلام قديما وحديثا، من خلال التنظير والممارسة بمقتضى أن الإسلام يشمل غدة قواعد عامة تتحقق مقاصدها فى الخلق، ويأتى ذلك من خلال استيعاب الواقع من أجل إيجاد الحلول  المناسبة للمشكلات المعاصرة.

لم يقصد الرئيس عبد الفتاح السيسي بتجديد الخطاب الدينى الذى يعتبره البعض لغة القرآن والحديث، حيث إنها ليست من اختيار البشر، لأنها ليست لغة خاصة أو حوار يستدعى النقاش أو يسهل العدول عنه، كما أنها ليست من وضع الإنسان، لكنها لغة عامة وشاملة تخاطب جموع المسلمين على وجه الأرض، كما أنه أيضا ليس الخطاب السائد فى العلوم الإسلامية القديمة، فهذه متنوعة أيضا بين أصول الدين وأصول الفقه وعلوم الحكمة والتصوف، ولكل علم لغته ومصطلحاته التى تكون مفردات خطابه.

الخطاب الدينى الذى طالب الرئيس مرارا بضرورة تجديده يعرفه علماء الإسلام، بأنه الخطاب الرسمى الذى ينطلق من خلال أجهزة ووسائل الإعلام المختلفة، خاصة بعد انتشار الفضائيات، وتخصيص بعضها للبرامج الدينية وانتشار ظاهرة «مشايخ الفضائيات» الذين يصدرون الفتاوى بالتحليل والتحريم، ولا يتكلمون إلا فى الحلال والحرام، والأوامر والنواهى، والعقائد والغيبيات، ولا يتعرضون لتحديات العصر وقضايا الساعة.

الخطاب الدينى المراد تجديده اليوم كما أوضح الرئيس خلال مطالباته المتعددة فى هذا السياق، هو الخطاب المبنى على رسائل الوعظ والإرشاد سواء من خلال منابر المساجد أو الكتيبات والكتاتيب والملصقات والإعلانات، إلى جانب خطاب المواقع الإلكترونية على شبكات المعلومات الدولية، حيث يصل ذلك الخطاب بشكل أسرع عما كان يحدث فى الماضى، وذلك لمواجهة الخطاب المضاد الذى ظهر حديثا لتحقيق أهداف بعيدة تماما عن الدين والشرائع السماوية، وأصبح أقرب من الخطاب السياسى الذى يدعو لرفض حاكمية البشر، وعصيان القوانين المدنية بدعوى تطبيق الشريعة الإسلامية.

قضية تجديد الخطاب الدينى مازالت تستأثر اهتمام الباحثين والمفكرين المعاصرين، خاصة مع التطور الهائل الذى تشهده مناهج العلوم الإنسانية والنظم الوضعية، حيث يحاولون النهوض بالإسلام من خلال طرح الأدلة والبراهين العقلية والنقلية، لتأكيد عالميته وصلاحيته لكل زمان ومكان، ومن هنا انطلق فى السابق الإمام الغزالى بمؤلفه الشهير "إحياء علوم الدين"، والذى يعد مشروعا فكريا متكاملا للتجديد على أسس علمية وعملية.

كما تطرق علماء آخرون إلى فكرة التجديد فى الخطاب الدينى أيضا من خلال توضيح الفرق بين الثبات والاستقرار الذى تمثله النصوص الدينية مثل القرآن والسنة من جهة، وبين التجديد والتغيير المتصل بواقع الإنسان وحياته اليومية والمعيشية من جهة أخرى، وبحث الحد الفاصل بينهما، كما تجلت مسألة التجديد أيضا فى الخطاب الفلسفى الإسلامى الذى استخدم مناهج معينة لتأكيد فكرة قدرة الشريعة على استيعاب كل ما هو عقلانى.

واهتم العديد من علماء الدين الإسلامى بفكرة التجديد ذاتها فى مراحل مختلفة وخلال فترات زمنية متباعدة على مر العصور، فقد ألف جلال الدين السيوطى كتابا أسماه «التنبئة فمن يبعثه الله على رأس المائة»، والذى كان يبحث من خلاله عن كيفية تجديد الخطاب الدينى، كما أصدر ابن حجر العسقلانى كتابا بعنوان: «الفوائد الجمة فى من يجدد الدين لهذه الأمة»، كما تبلورت فكرة التجديد تحت اسم الإصلاح الدينى على يد جمال الدين الأفغانى ومدرسته التى أرساها وأصلها تلميذه محمد عبده، والتى امتد إشعاعها إلى مختلف دول العالم الإسلامى.

وفى سياق هذا التحول الشامل فى الخطاب الدينى، أصبح أتباع كل مذهب ومدرسة يربون أبنائهم وفقا لانتمائهم الدينى المذهبى، وإن كان لهم الحق فى التعبير عن آرائهم وتوجهاتهم، وإنتاج ثقافتهم المذهبية الخاصة، لكن تربية الأبناء على المذهب لا تعنى زرع الأحقاد والضغائن فى نفوسهم على أبناء مذاهب أخرى، ولا تحريضهم على الكراهية للآخرين، كما أن الحوار والنقاش بين وجهات النظر المختلفة أمر مشروع ومطلوب، لإثراء المعرفة، وإنضاج الرأى، وتمحيص الحقائق، حيث أصبحت خطابات بعض المساجد تأخذ منحى تعبئة جمهور مذهب بعينه ضد أتباع المذهب الأخرى.

فكرة تجديد الخطاب الدينى الذى تحدث عنها الرئيس السيسى، ليست وليدة العصر، حيث إن الإسلام فى عمقه حوار مستمر بين النصوص الدينية الثابتة من جهة مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، والحياة الواقعية المتغيرة من جهة أخرى، أو بمعنى آخر فهو الجدل الدائم بين الثابت الأزلى، والمتغير المتجدد، فكانت قضية تجديد الخطاب الدينى تشغل بال الدعاة والمفكرين فى الماضى، حيث ظهرت قديما دعوات للإصلاح عن طريق فتح باب الاجتهاد، وإشاعة الثقافة المبنية على الأسس الشرعية والعقلية على حد سواء.

واليوم أصبحنا بحاجة لإعادة تجديد الخطاب الدينى بما يتماشى مع أمور الحياة المعاصرة والتى تتطور يوما بعد الآخر بشكل سريع جدا بفض التكنولوجيا الحديثة، حيث تتعالى أصوات المفكرين والعلماء والمهتمين بالعلوم الإسلامية والإنسانية أيضا بمطالبات لضرورة تجديد الخطاب من خلال تحرير العقل المسلم من قيود التقليد والجمود الذى تفشى بين المشايخ والأئمة والدعاة وكل من ينتسبون إلى العلم الشرعى، حيث ركن هؤلاء إلى نتاج كان جديدا فى الماضى، وأصبحنا فى حاجة ملحة وضرورية جدا لتغييره أو تجديده.

 

اقرأ أيضا:

تنفيذا لتوجيهات الرئيس.. كيف تخطط وزارة الصحة للقضاء على فيروس سي؟

250 حالة يوميا.. لماذا وجه السيسي بدراسة وتحليل أسباب ارتفاع معدلات الطلاق؟

بعد 20 يوما من تكليفات الرئيس.. كشف حساب لوزيرة الصحة بملف قوائم انتظار المرضى

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق