ثقوب في حافظة نقود أردوغان.. 3 سيناريوهات قاسية لإنقاذ الليرة من الضياع

الإثنين، 13 أغسطس 2018 02:00 م
ثقوب في حافظة نقود أردوغان.. 3 سيناريوهات قاسية لإنقاذ الليرة من الضياع
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
حازم حسين

بدأ التداول صباح أمس الأحد عند مستوى 6.4 ليرة للدولار، وقبل نهاية اليوم خسرت العملة التركية أكثر من 12% من قيمتها ليسجل الدولار قرابة 7.2 ليرة، في واحد من أسرع عمليات التراجع التي سجلتها خلال فترة طويلة من النزيف المستمر.
 
أداء العملة التركية في الأيام الثلاثة الأخيرة لا يمكن وصفه إلا بأنه انهيار فادح. في تعاملات الجمعة الماضية فقدت الليرة 19% من قيمتها، وتكرر الأمر بنسبة متفاوتة يوم السبت، ثم فقدت 12.5% في تعاملات الأحد، ويظل الأمر مرشحا للتصاعد في ظل إصرار النظام التركي على إدارة السياسة المالية بمنطق الحروب الدعائية، ورهان أردوغان على خطابات الحشد والتعبئة الشعبية بدلا من اتخاذ إجراءات جادة لضبط الأوضاع. خاصة أن هناك حلولا نظرية يمكنها إيقاف النزيف مع قدر من الآثار الجانبية في نواحٍ أخرى، لكن تقاعس حكومة أنقرة عن اتخاذ هذا المسلك ربما يحمل في طياته إشارات إلى مخاوف أكبر من اتخاذ هذا المسار، في ضوء احتمالية ألا يتحمله الاقتصاد التركي.
 
الرئيس التركي رجب طيب اردوغان

 

نزيف حاد وخطاب تعبوي

بدأت العملة التركية العام الجاري عند مستوى أقل من 4 ليرات للدولار. الرقم يبدو كبيرا نسبيا بالنظر إلى مستويات الأسعار في السنوات السابقة (1.9 ليرة للدولار في 2013/ 2.1 في 2014/ 2.7 في 2015/ 2.9 في 2016/ 3.5 في 2017) لكن النظر إلى التحولات الحادة خلال الشهور الماضية يكشف حجم الخسائر الفادحة التي مُنيت بها الليرة في 2018، بتسجيلها قرابة 7.2 ليرة للدولار حاليا بتراجع يقترب من 100% في أقل من ثمانية شهور.

يترافق مع هذا المنحنى الهابط بوتيرة متسارعة معدل تضخم يتجاوز 16%، ودين خارجي يقترب من 500 مليار دولار بواقع 70% للقطاع الخاص و30% للقطاع الحكومي، وعجز في الميزان التجاري يتجاوز 47 مليار دولار، إضافة إلى ضغوط حادة وتراجع في الطلب على السندات، وهذه الأرقام تبدو صادمة بالنظر إلى إجمالي الناتج التركي الذي لا يتجاوز 882 مليار دولار.
 
على صعيد التعامل الرسمي مع الأزمة، لم يتحرك النظام التركي لاتخاذ إجراءات جادة. ما زال أردوغان يُصر على تسويق الأمر باعتباره مؤامرة خارجية واستهدافا لنظامه من الولايات المتحدة، مستندا إلى فرض الأخيرة رسوما جمركية بنسبة 20% على الألومنيوم و50% على الصلب الواردين من تركيا، بجانب فرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين على خلفية احتجاز قس أمريكي يرعى إحدى الكنائس التركية منذ 20 سنة واتهامه بالإرهاب والمشاركة في محاولة الانقلاب التي جرت في صيف 2016. هذا التفسير يبدو مريحا لأردوغان الذي يراهن على إقناع الأتراك به كمبرر وحيد للتراجع الاقتصادي، سعيا إلى حشدهم وتجييشهم في الأزمة الاقتصادية والإدارية التي يُسبغ عليها طابع المعركة.
 
سعيا لإنجاز حالة الحشد خطب أردوغان في تجمع من مؤيدي حزب العدالة والتنمية الحاكم بولاية بايبورت شمال شرقي البلاد، الجمعة الماضية، متحدثا عن المؤامرة والاستهداف ورهان تركيا على الله والدعم الشعبي، ومناشدا الأتراك بتحويل مدخراتهم من الذهب والدولار إلى الليرة باعتبار هذا الأمر «كفاحا وطنيا» حسب تعبيره. قبل أن يُنهي أردوغان خطابه فقدت الليرة 19% من قيمتها، ربما كانت هذه الخسارة الكبيرة كافية لإشعاره أن خطاب الحشد لا يُؤتي الأثر الذي يُراهن عليه، بل يزيد حالة الارتباك والهلع والضغط على سوق الصرف بشكل يُغذي الطلب على العملات الأجنبية، وأن الأمور الاقتصادية تُدار بالوسائل الفنية لا بآليات التوجيه والحشد. لم يستوعب الرجل الدرس وكرر الأمر يوم السبت وتراجعت العملة ثانية. ولم يستوعب الدرس أيضا وكرر الظهور مساء الأحد حاملا الرسائل نفسها لحشد في طرابزون شمال شرقي تركيا، وللمرة الثالثة تؤتي رسائله أثرا عكسيا وتفقد الليرة أكثر من 12% من قيمتها.
 
وزير الماليه التركي برات البيراق
وزير المالية التركي برات ألبيراق
 

ضربة واشنطن وصدع السياسة المالية
 
التزامن بين حزمة الرسوم الأمريكية على صادرات الألومنيوم والصلب التركية سمحت للبعض بإرجاع أسباب التهاوي الحاد في سعر الليرة إلى هذا الأمر. في الجانب العملي هناك علاقة مباشرة بين الأمرين بالفعل، لكنها ليست علاقة تسبيب كاملة كما يُشيع النظام في أنقرة، فالقرار الأمريكي ليس أكثر من ضربة ثقيلة على جدار مليء بالصدوع والتشققات. كل ما فعلته الرسوم أنها وضعت الاقتصاد التركي تحت ضغط جاد وفي اختبار لم يخضع له في الفترات السابقة، فانكشفت قوته الحقيقية وظهرت نقاط ضعفه التي لم يهتم نظام العدالة والتنمية باكتشافها وعلاجها طوال السنوات الماضية.
 
إرجاع نزيف الخسارة الحاد إلى الرسوم الأمريكية، يمكن وضعه بجانب إصرار أردوغان على التحكم في السياسة المالية، وغلّ يد البنك المركزي التركي عن وضع خطط عملية واتخاذ إجراءات تنفيذية بشكل ديناميكي فعال ومتجاوب مع تحولات سوق الصرف، كما يُمكن وضعه على خط واحد مع اختيار برات ألبيراق (صهر أردوغان) وزيرا للمالية، رغم أنه لا يمتلك خبرة كافية لإدارة السياسة المالية لبلد كبير، ما زاد من مخاوف المستثمرين لاعتبارات فنية، وعزّز شكوكهم في سلامة البناء السياسي والتنفيذي في ضوء نظرة عائلية بدا أنها تحكم خيارات أردوغان لمعاونيه وأركان نظامه.
 
وسط هذه التطورات صاخبة الإيقاع، لا يبدو أن النظام يستشعر حجم الكارثة التي يواجهها الاقتصاد. أردوغان يحاول الظهور دائما في هيئة الواثق المطمئن لقوة اقتصاده وثبات نظامه، ويصر على إبقاء سعر الفائدة عند معدلاته المنخفضة، باعتبار هذا الأمر حافزا للاستثمار. هذه النقطة تحديدا تمثل الثغرة الأكبر في البناء الاقتصادي التركي، الذي راهن على الاستدانة بشكل أكبر مما تحتمله القاعدة الحاملة للنظام الاقتصادي، فازدهرت الديون وظل الاقتصاد هشًّا مُعرّضا للتقلبات الحادة، بينما مثّلت الفائدة المنخفضة عامل ضغط مضاعفا على معدلات التضخم وسعر الصرف، أكثر من إسهامها في دفع عجلة النمو إلى الأمام.
 
الفائدة المنخفضة كانت عامل دعم لتطوير الإنفاق الاستهلاكي. يمكن أن يكون هذا الإنفاق حافز للنمو حال كان الاقتصاد قويا ومنتجا، لكن تسجيل عجز الميزان التجاري أكثر من 47 مليار دولار سنويا يُعني أن حصة كبيرة من هذا الإنفاق تتسرب في قنوات تجارية ريعية أكثر من المساهمة في تغذية النمو الصناعي. هذا الأمر ساهم على ما يبدو أيضا في الضغط على المحافظ الائتمانية للبنوك المحلية، ودفع في اتجاه تعظيم الاقتراض من البنوك الخارجية على حساب المصارف المحلية (ديون تركيا من البنوك الألمانية والفرنسية والإيطالية والإسبانية تقترب من 170 مليار دولار).. استمرار هذه السياسة يُعني مزيدا من الاقتراض، ومزيدا من الإنفاق الاستهلاكي، وما يستتبعه من تغذية للتضخم خاصة مع تسبب اختلالات سوق الصرف الحالية في اهتزاز التوازن بين العرض والطلب، في ضوء ارتفاع كُلفة توفير السلع الاستهلاكية المستوردة، أو المواد الأولية والطاقة اللازمة لإنتاج سلع محلية. استكمال هذا المسار يُعني التوقيع على شيك مفتوح بالخسارة، يصعب التنبؤ الآن بالرقم الذي سيصل إليه، إذ تدور عجلة الخسائر بوتيرة متسارعة للغاية، والمؤكد أنها ستقطع شوطا بعيدا ما لم يضع النظام عصا غليظة فيها لإيقافها عن الدوران، أو إبطاء حركتها على الأقل.
 
الرئيس الامريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

 
سيناريوهات الخروج من الأزمة
 
ما تكبدته تركيا من خسائر في سعر العملة، وآثار هذا الأمر على القطاع الصناعي والواردات السلعية وخدمة الدين، يُحتمل أن يُكبّد أنقرة قرابة 230 مليار دولار، حسب تقرير لوكالة «فيتش» في وقت يتراجع فيه التقييم الائتماني ولا يبدو أن مسار سداد الديون بمزيد من الاستدانة - على فداحته وآثاره الضاغطة - بات مسارا ممكنا أو سهلا على أردوغان ونظامه.
 
ما يشهده الاقتصاد التركي الآن إشارة إلى اختلالات هيكلية عميقة في بنائه، ودون البحث عن حلول جذرية لعلاج هذه الاختلالات فقد لا يتوقف النزيف، وحتى لو توقف مؤقتا فإنه يظل تهديدا قائما وخطرا مرشحا للتكرار والتصاعد. هذا الأمر يوجب على النظام وصانعي السياسة المالية في تركيا البحث عن حلول حاجة وعاجلة، وتحمل الفاتورة الناجمة عن هذه الحلول، وهي في كل الأحوال ستكون فاتورة قاسية.
 
تبدو خيارات النظام التركي ضيقة، فإما أن يذهب لصندوق النقد والبنك الدوليين، اللذين طالما انتقدهما أردوغان، مع ما يستتبعه هذا من قبول أجندة إصلاح اقتصادي تتصادم مع ما يروج له ويعتمده في خطاباته السياسية والدعائية طيلة السنوات الماضية، أو يلجأ لإعداد الكأس المر في المنزل وتناوله جرعة واحدة. للخيارين كُلفة اقتصادية مباشرة على الأداء المالي والاقتصادي والمصرفي، ربما تتقارب بدرجة يصعب معها الفرز والتقييم والحديث عن أفضلية خيار من الاثنين.
 
8201813112030938-تطورات الديون الخارجية التركية
تطورات الديون الخارجية التركية
 
شخصية أردوغان المتغطرسة تُرجّح ألا يلجأ للمؤسسات الدولية، أولا لأن هذا اللجوء سيكون بمثابة اعتراف قاطع بفشل سياساته المالية ومع عاش عليه من شعارات سياسية وخطاب بطولي طيلة سنوات، وثانيا لأن هذا الأمر يُعني قدرا من الالتزام بخطة عمل واضحة ومتتابعة المراحل، وهذا الأمر لا يتوافق مع شخصية الديكتاتور المغرم بالقبض على كل الخيوط في يده. هذه النتيجة تُعني أن تفضيلات أردوغان حال رغب في تجاوز الأزمة ستتجه للرهانات الداخلية بشكل مباشر.
 
على الصعيد الداخلي فإما أن يُبقي أردوغان على سياسته المالية الحالية بسعر الفائدة المنخفض، مع فرض قيود على الواردات ورفع الرسوم الجمركية على بعض السلع، بجانب تقديم حوافز استثمارية وضريبية للقطاع الصناعي، بغرض توليد مزيد من فرص العمل والاستفادة من الإنفاق الاستهلاكي في إدارة عجلة النمو، وهو السيناريو الذي يستغرق وقتا طويلا ويمثل مغامرة مجنونة، في ظل ميزان تجاري مختل واحتياج مباشر للطاقة والمواد الأولية من الخارج، وسباق محموم من الأتراك على تأمين مدخراتهم بتجميدها في ملاذات آمنة، سواء ودائع دولارية أو مدخرات ذهبية، وإما أن يتخلّى عن أوهام الرخاء المصنوع ويلجأ لمسلك جاد وتقشفي في ضبط اختلالات الصرف وإدارة الديون.
 
الخيار السابق يُعني اللجوء لرفع سعر الفائدة بغرض امتصاص السيولة والسيطرة على التضخم، مع فرض قيود على الإنفاق الحكومي واللجوء لإجراءات تقشفية وتقليص المزايا الممنوحة لبعض الفئات بجانب اتخاذ إجراءات حمائية لتقليل الإنفاق الاستهلاكي.
 
المشكلة التي تهدد هذا المسار أن الدولار يظل منافسا قويا، في ظل أداء إيجابي للغاية، وطلب مرتفع على السندات وأذون الخزانة الأمريكية بعد رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة مرتين في العام الجاري، وإعلان رئيسه عن خطة تتضمن خمس عمليات رفع حتى أخرى حتى نهاية العام المقبل. هذا الأداء القوي للدولار جعله منافسا قويا للذهب (أبرز الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات) رغم أجواء الحرب التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين وعدد من دول أوروبا وأمريكا الشمالية، ومن غير المرجح أن يكون تحريك سعر الفائدة على الليرة التركية منافسا قويا لهذا الإغراء الدولاري. جزء من أزمة تركيا في اتجاه كثير من رؤوس الأموال الخارجية للاستثمار في الدولار، وهو الأمر المتوقع استمراره خلال الشهور المقبلة.
 
بعيدا عن تهديد الدولار لهذا المسار، فإن الآثار الجانبية لهذا الحل ربما لا تُرضى أردوغان. يبدو الرجل طوال الوقت مغرما بالحديث عن الرفاهية والرخاء، حتى لو لم يكونا متحققين بشكل فعلي، واللجوء لرفع سعر الفائدة مع حزمة من الإجراءات التقشفية يُعني تقليص الإنفاق الاستهلاكي وقصور الاقتصاد عن استيعاب مزيد من العاملين الجدد، وتراجع قدرة الدولة على تمويل استثمارات مباشرة. عوائد هذا الحل تتمثل في السيطرة النسبية على التضخم، وتقليل الطلب على العملات الأجنبية، ودعم موقف الليرة في مقابل الدولار، وتقليص فواقد الأموال التي يبتلعا عجز الميزان التجاري، لكن آثاره السلبية ستقود لموجة من التقشف وتقلص معدلات النمو وتراجع مستوى المعيشة وغلاء الأسعار، ويظل الخطر الأكبر في عدم القدرة على ضبط المعروض النقدي مع فقد جانب من قوة الطرد الذاتية الدافعة للاقتصاد في اتجاه توسعي. هذا الأمر يُعني الوقوف في مواجهة احتمال التعرض لموجة من الركود التضخمي، يترافق فيها ارتفاع الأسعار مع اتخاذ الاقتصاد مسارا انكماشيا.
8201813112030954-رسم بياني لشارت الدولار والليرة
رسم بياني لشارت الدولار والليرة

خيارات مرنة ورؤية متصلبة
 
مؤشرات الأداء الحالية تنذر بخطورة كبيرة على الاقتصاد التركي واستدامة قدرته على النمو. كان الرهان المباشر لهذا البناء الهيكلي الضخم ظاهريا والفارغ داخليا على تغذية النمو عبر إطلاق يد القطاع الخاص وفتح الباب لشراكات واسعة مع القطاع المصرفي دون تقيد صارم بالملاءة المالية للشركات والمؤسسات الاستثمارية. هذا الأمر أنتج ديونا ضخمة تتغذى على الاقتصاد كما يتغذّى عليها، ما يُعني أن الوفاء بهذه المديونيات يظل مرهونا بإتاحة مزيد منها، وهو ما لم يعد ممكنا في الظروف الحالية.
 
رغم هذه الصورة القاتمة فإن قائمة الخيارات تظل متنوعة ومرنة. الرهان في الأمر على مرونة النظام السياسي والمالي لا على توفر الخيارات من عدمه، لكن هذه المرونة نفسها تظل محكومة بتصورات أردوغان الشخصية عن الاقتصاد التركي، وليس بحقيقة هذا الاقتصاد وتقييمه وفق ظروفه الموضوعية.
 
أردوغان يعلم بالتأكيد أن اللجوء للمؤسسات الدولية سيحرمه من خطاب الاستقلال والبطولة الذي يراهن عليه. كما يعلم أن المضيّ في السياسات الحالية يُعني مزيدا من النزيف والديون والتهاوي في سعر العملة. من المحتمل أن تتراجع إلى أكثر من 10 ليرات للدولار قبل نهاية العام الجاري حال استمرار السياسات الحالية. وفي الوقت نفسه يعلم أن سيناريو رفع سعر الفائدة واللجوء لإجراءات تقشفية سيبدد آثار النمو المتحقق في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وهي النقطة التي طالما استخدمها في الترويج لمشروعه السياسي، إضافة إلى أنه سيُدخل الاقتصاد في دوامة عنيفة تكشف هشاشته أمام الأتراك، مع عجزه عن النمو وتوليد الوظائف واستيعاب الزيادة السكانية، والأخطر أن هذا المسار سيحد من قدرة القطاع الخاص على سداد ديونه والوفاء بالتزاماته للجهات الخارجية، ما سيتسبب في خروج آلاف الشركات من السوق، وبالتبعية إضافة عشرات الآلاف من العاطلين لمعدلات البطالة الحالية.
 
في كل الأحوال ستدفع تركيا فاتورة قاسية، هي في حقيقة الأمر ديون متراكمة عن سنوات طويلة من سوء الإدارة والإبقاء على الاقتصاد في وضعية هشّة مُغلفة بصورة فخمة تصنعها الاستدانة. آثار الأزمة الحالية قد تتواصل عبر مزيد من الانهيار في سعر الليرة، وربما لا يظل معدل التضخم عند مستواه الحالي بواقع 16%. آلاف الشركات قد تعلن إفلاسها وتخرج من السوق، بالتبعية ستتقلص حصة القطاع المحلي من تدبير الاحتياجات الاستهلاكية، لتتصاعد مستويات العجز في الميزان التجاري. كما أن مصارف أوروبا لن تكون حاضرة في خدمة أنقرة كما كانت في السنوات الماضية، وقد تقود هذه الضغوط النظام إلى اتخاذ إجراءات مزعجة فيما يخص الضرائب والرسوم الجمركية والودائع البنكية. كل هذه الاحتمالات تضع الاقتصاد التركي بكامله في مهب الريح، وتهدد بحالة من الفوضى قد تبدأ من المودعين أصحاب المدخرات بالليرة والعملات الأجنبية، ولا تنتهي عند المستثمرين المفلسين أو العاجزين عن سداد ديونهم.
 
مسؤولو الرئاسة التركية نفوا مساء الأحد أن يكون أردوغان أصدر أي توجيه بشأن فرض قيود على ودائع البنوك أو وضع اليد عليها. هذا الخيار يظل أمرا بالغ الصعوبة وغير قابل للتحقق، لكن ضغوط الأزمة المرشحة للتصاعد قد تدفع النظام في اتجاه اتخاذ إجراءات تزيد من فداحة الكارثة. المشكلة أن أردوغان لا يعترف بالأزمة ولا يقر بالفشل، وبهذه الرؤية فغالبا ما سيبحث عن كبش فداء ليدفع الفاتورة. وكما كانت مؤسسات وجمعيات حركة الخدمة ضحية في وقت سابق، فقد يلتفت الرئيس التركي لخصوم آخرين، ويوظف الأزمة الاقتصادية التي تسبب فيها كأداة للخلاص من مؤسسات أو أفراد يراهم عقبة في طريق مشروعه. رغم انفتاح مدى الاحتمالات التي تسمح لنظام العدالة والتنمية بالمناورة لفترة أخرى مقبلة، فالمؤكد أن مستقبل تركيا القريب لن يكون كحاضرها أو ماضيها، وأن أردوغان قد يكون الخاسر الأكبر في هذه الأزمة، حتى لو بدا منتصرا حتى الآن.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق