الحرب التجارية تدخل جولة جديدة على التراب الإيراني.. هل تنجو طهران بمعاونة الصين؟

الأربعاء، 08 أغسطس 2018 09:00 م
الحرب التجارية تدخل جولة جديدة على التراب الإيراني.. هل تنجو طهران بمعاونة الصين؟
الرئيسان الإيراني حسن روحاني والأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

تتمدد إيران في المنطقة العربية كأخطبوط بأذرع عملاقة. على الجانب المقابل تقف الولايات المتحدة كمحارب قابض على سيف من النار، لا يتراجع الأخطبوط، ولا يبدو أن المحارب سيغامر بغمس سيفه في حقل النفط.

الحضور الإيراني في المشهد السوري بات أمرا مزعجا لإسرائيل، وبالضرورة للولايات المتحدة. الأمر نفسه في العراق الذي تمثّل الميليشيات المدعومة من طهران أمرا ضاغطا على نظامها وحكومتها المركزية، والصورة نفسها في اليمن التي يواصل الحوثيون وضعها على صفيح ساخن، ويطوّرون خطرهم بتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وبالتأكيد حينما انسحب ترامب من الاتفاق النووي في مايو الماضي ولوّح بسيف العقوبات، وردّت طهران بالتهديد بتصعيد الصراع وتهديد تدفقات النفط في الخليج العربي وباب المندب (حوالي 30% من تدفقات النفط العالمية) بجانب شكاوى تل أبيب من مخاطر الوجود الإيراني على حدودها، وتنامي قوة حزب الله وسيطرة على حصّة من خريطة الصراع في سوريا، بدأ البيت الأبيض يعيد النظر في المشهد الإيراني بكاملها، وفي سيناريوهات التعامل معه.

ترى واشنطن أن إيران باتت تشكل خطرا إقليميا وعالميا، ويُعزّز هذه الرؤية نجاحها في إنجاز اتفاق مع كوريا الشمالية حول السلاح النووي والصاروخ الباليستي، ما يُغذّي تطلعاتها لكسر إيران بالطريقة نفسها، ويسحب قدرا من الغطاء الذي احتمت به الدولة الشيعية طويلا. ربما شكّلت هذه الأمور قوة دافعة للإدارة الأمريكية لتغيير نهجها في التعامل مع طهران، لكنها في الوقت الذي أعادت فيه صياغة استراتيجية التعامل بعد سنوات من الهدوء النسبي منذ توقيع باراك أوباما الاتفاق النووي، تجاهلت التوازنات الدولية التي تخلقها صراعاتها الأخرى في شرقي آسيا وشرق أوروبا وعلى مقربة من الخليج العربي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


عداوات واشنطن تُعزّز موقف طهران

رغم حروب التصريحات التي بدت متأججة في الأسابيع الماضية بين الولايات المتحدة وإيران، وتحذيرات الرئيس الإيراني حسن روحاني من "اللعب في ذيل الأسد" بحسب تعبيره، وحديث قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، عن جاهزيته للتصدي لأي هجوم أمريكي، وتهديد مسؤولين بارزين في طهران بإغلاق مضيق هرمز وحصار التدفقات النفطية من الخليج العربي وعبر مضيق باب المندب، ظلّت الصورة في إطار الحرب الدعائية، مع يقين كامل من المراقبين والحلفاء، وربما من طهران نفسها، بأن موقف الدولة الشيعية مهتزّ بقوة في مواجهة إدارة ترامب.

استندت واشنطن إلى حضورها الإقليمي في المجال الحيوي لإيران، وإلى تحالفاتها الاستراتيجية التي تُؤمّن لها السيطرة على الخليج العربي ومضيق هرمز والمنفذ على المحيط الهندي. لكنها على ما يبدو تجاهلت تطورات الصراعات المحتدمة مع عدد من الدول والقوى التي يُمكن أن تكون منفذا بديلا لطهران، وبالفعل تشير التطورات الأخيرة إلى أن النظام الإيراني لجأ لهذه الدول لتعزيز موقفه.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

في الفترة الأخيرة تراجعت طهران عن لهجة التهديد الساخنة، التي كانت تشير إلى أزمة عميقة وضغط نفسي أكثر من إشارتها إلى امتلاك القوة وضمان منافذ بديلة للإفلات من الحصار. التراجع الكبير وتحول اللهجة باتجاه الهدوء يشيران إلى تأمين مسار آخر لا يتقاطع مع طريق واشنطن وحلفائها، ربما لهذا توارى روحاني وسليماني وفريق الصقور، وظهرت الدبلوماسية في الواجهة.

"الولايات المتحدة لن تتمكن من منع إيران من تصدير النفط".. بهذه العبارة الهادئة والمقتضبة تحدث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف اليوم، لافتا إلى أن "الأمريكيين إذا أرادوا الاحتفاظ بهذه الفكرة الساذجة والمستحيلة، فعليهم أيضًا إدراك عواقبها، إذ لا يمكنهم التفكير في أن إيران لن تُصدّر النفط وأن آخرين سيُصدّرون".. رغم بقاء قدر من السخونة السابقة والتلميح لتهديدات أطلقها الرئيس وبعض العسكريين الإيرانيين، فإن حديث ظريف يحمل إشارة إلى قدر من الاطمئنان، ربما تُغذّيه مواقف بعض الدول التي تستقبل نسبة كبيرة من تدفقات النفط الإيراني، خاصة بعد إعلان روسيا والصين وتركيا عدم التزامها بالعقوبات الأمريكية.

 

الصين تناطح أمريكا بإيران
 
العقوبات الأمريكية التي دخلت حيّز التطبيق في اليومين الماضيين، بجانب حزمة جديدة مرتقبة خلال الفترة المقبلة من المقرر أن تصل إلى حظر صادرات النفط في نوفمبر المقبل، قد تُمثّل في ظاهرها عقابا مباشرا يستهدف طهران وحدها، لكن الجانب الخفي من المشهد يشير إلى اتّساع رقعة النزاع بما يتجاوز الجغرافيا الإيرانية والتوترات بين واشنطن ونظام الملالي.
 
في وقت سابق أعلنت تركيا وروسيا والصين أنها لن تلتزم بحزمة العقوبات الأمريكية المقررة على إيران، ما يُعني فرصة واسعة لاستمرار تدفقات النفط الإيراني وثغرة لنفاذ المنظومة البنكية من الحصار. واستكملت الصين الأمر بإعلانها اليوم معارضة العقوبات التي وصفتها بأنها "أحادية الجانب"، مشددة على أن التعاون التجاري مع طهران من الحقوق المشروعة للصين ولا يمثّل أي انتهاك للقواعد الدولية وقرارات مجلس الأمن، بحسب ما نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين بالخارجية الصينية.
 
الرئيس الصيني شي جين بينج
في الغالب تندفع الصين إلى هذا المسار تحت ضغط التوترات المتصاعدة مع واشنطن، وليس محبة في إيران. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أجواء الحرب التجارية مع استمرار تبادل الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين، وحالة الشحّ النسبية التي تشهدها سوق النفط الدولية، لا يمكن أن تسمح بكين بتوقف إمدادات النفط الإيرانية. هذا الأمر يُهدد القطاع الصناعي الصيني بشكل لا يُحتمل، خاصة أن فاتورة الحرب التجارية لا تبدو واضحة حتى الآن، ومن المؤكد أن بكين ستضطر قريبا لتوفير حوافز للمستثمرين والصُنّاع بشكل يضمن استمرار عملهم وتدفق بضائعهم بالميزات التنافسية القائمة، سواء داخل السوق الأمريكية أو خارجها.
 
يمكن النظر للأمر في الوقت نفسه باعتباره توظيفا من الصين لكل أدوات الصراع المتاحة، خاصة أن قدرات الولايات المتحدة في معركة الرسوم الحمائية تبدو أكبر من قدرات نظيرتها، إذ تمتلك سوقا داخلية قوية ومستقرة وقادرة على امتصاص القدر الأكبر من مُخرجات النشاط الصناعي والاستثماري، بجانب عُملة قوية ومعيارية تتقاسم معدلات النمو مع كل اقتصادات العالم، حتى الدول التي تخوض صراعا مع واشنطن. بينما على الجانب المقابل تظل الصين رهنًا لتحولات التجارة العالمية في ظل فوائض صناعية ضخمة للغاية، لا تستطيع السوق الداخلية استيعابها، وحال تعطل مساراتها إلى الأسواق العالمية فإن الأمر يُهدد بتوقف مسيرة النموّ المتصاعد، والدخول في موجة حادة من الثبات أو الانكماش.
 

العقوبات تهز القطاع المصرفي خارج إيران
 
حينما طالبت عدة دول أوروبية، في مقدمتها فرنسا وألمانيا، الولايات المتحدة باستثناء شركاتها وبنوكها من العقوبات المقررة على طهران، ربط البعض الأمر بالأنشطة الاستثمارية المباشرة داخل إيران، وقدرة البنوك الإيرانية والأوروبية على إجراء التعاملات المالية المرتبطة بها. لكن في الحقيقة كان الأمر يتجاوز هذا البُعد.
 
المؤشرات التي بدأت تتضح فيما يخص الأسواق المصرفية تشير إلى أن التأثير المحتمل سيطال كثيرا من البنوك على امتداد العالم، سواء المملوكة لإيران أو المتعاملة معها والمرتبطة بها. هذا الأمر أكدته تصريحات أخيرة للعضو المنتدب لبنك "مصر إيران" الذي قال إن حزمة العقوبات الأمريكية من المرجح أن تؤثر على أنشطة البنك وتعاملاته بشكل سلبي.
 
 
الميليشيات الحوثية في اليمن
 
بحسب ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط عن عمرو طنطاوي، فإن الآثار المحتملة على البنك ترتبط بحصة الشريك الإيراني البالغة 40%، ما يُعني وقوع البنك في دائرة العقوبات، لكنه في الوقت نفسه نفى أن يكون هناك أي تواصل مع الجانب الإيراني للتخارج من حصته. هذا الخطّ يمكن مدّه على استقامته في كل البنوك التي يساهم فيها إيرانيون أو ترتبط بتعاملات مالية واستثمارية مع شركاء إيرانيين، كما أن البنوك المتأثرة بشكل مباشر ستمثّل ضغطا على البنوك الأخرى الشريكة في تحالفات أو برامج مالية وتمويلية مشتركة، وعلى قطاع البنوك بشكل عام. باختصار يمكن القول إن الأمر أقرب لعاصفة واسعة المدى، ستصيب بنوكًا بشكل مباشر، ولكن بنوكًا أخرى كثيرة ستتأثر بالأمر أيضا.
 

تركيا وروسيا تدخلان على الخط

إذا كان الموقف الصيني من العقوبات الأمريكية على إيران لا يبتعد عن الحرب التجارية وأجواء الصراع بين بكين وواشنطن، فإن الأمر نفسه ينسحب على أطراف أخرى، في مقدمتها تركيا وروسيا.

في موسكو لا تبدو النظرة للإدارة الأمريكية إيجابية في المجمل. رغم محاولات الكرملين للتقارب مع البيت الأبيض، فإن قدرا من الارتياب والشكوك يسيطر على النظرة الروسية للتحقيقات الأمريكية التي يجريها المدّعي روبرت مولر حول مزاعم التدخل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في نوفمبر 2016، بجانب ضغوط الإدارة الأمريكية على الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلنطي "ناتو" لزيادة المخصصات الدفاعية بدعوى مواجهة التهديدات الروسية، وأيضا ضغوط ترامب على ألمانيا لتقليص تعاونها مع موسكو والتخلي عن خط "نورستورم" للغاز. هذه التوترات السياسية، بجانب سباق التسلح بين البلدين، ربما يدفع الإدارة في موسكو لتوظيف ملف إيران في مناورة واشنطن والضغط عليها. وفي أجواء الصراع المتبادل ستكون طهران الفائز في هذه المعادلة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

الأمر في تركيا لا يختلف كثيرا. أردوغان يواجه مشكلات إقليمية ضاغطة ترتبط في جانب منها بالولايات المتحدة، أبرزها الحصار الذي يحاول الجيش التركي فرضه على وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية (المدعومة من واشنطن) على مقربة من الحدود التركية السورية، والتوغل والضربات الجوية في العمق العراقي والمناطق الكردية، وهي تحركات لا ترضى عنها الولايات المتحدة أيضا، وتطور الأمر مؤخرا باعتقال قس أمريكي في أنقرة وفرض عقوبات أمريكية مباشرة على وزراء ومسؤولين أتراك. في كل الملفات تبدو واشنطن أكثر سيطرة وقدرة على تسيير الأمور، وتبحث أنقرة عن أوراق للمناورة، ولعلّها رأت صلاحية إيران لأن تكون واحدة من هذه الأوراق، يُضاف لهذا العوائد الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها تركيا من العقوبات.

في أوقات سابقة تحايلت إيران على العقوبات الأمريكية والدولية بتأمين مسارات غير شرعية لتدفقاتها النفطية، كان أبرز هذه المسارات اللجوء للأراضي التركية والخروج من الموانئ المُعدّة لتصدير النفط والغاز، في مقدمتها ميناء جيهان، مقابل عمولات مالية وحصص من الصادرات. في الفترة الأخيرة اكتشفت الولايات المتحدة الأمر وفرضت عقوبات على بنوك ورجال أعمال أتراك، وأخضعت تاجر الذهب التركي الشهير رضا ضراب لتحقيقات رسمية في ضوء تورطه بجانب "خلق بنك" في تسهيل اختراق العقوبات، ونقلت وسائل إعلام أمريكية قبل شهور اعترافات منسوبة لـ"ضراب" بتورط النظام التركي في الأمر. هذه التركيبة ترجح أن تسارع أنقرة لاستغلال ملف العقوبات الأمريكية، وأن تُبدي علنًا اعتراضا واضحا على العقوبات، كمظّلة لتأمين وارداتها النفطية من البلد المجاور، والهروب من أي تبعات مستقبلية للتورط في اختراق العقوبات.

 

التسخين إلى درجة التجمد

في الأسابيع الأخيرة استنفدت الولايات المتحدة كل الخيارات المتاحة لها في تصعيد الموقف مع إيران، وأعلنت خريطة العقوبات المقررة طوال شهور. طهران هي الأخرى استنفدت كل الأوراق، اتهمت ولوّحت وحذرت وهدّدت بالتصعيد واستهداف تدفقات النفط في العالم، ولا يبدو أن المشهد الراهن يمكن أن يتحرك بعيدا عن درجة السخونة التي وصلها.

التسخين المتواصل على مدى أسابيع أوصل الأمور إلى حافة ساخنة للغاية، لكنها متجمّدة في الوقت ذاته، فتعقد الخيوط وتشابكها لا يشي بأن الولايات المتحدة قد تُطوّر موقفها إلى تحرك عسكري أو ضربة مركّزة لأهداف إيرانية، وعلى الجانب المقابل لا يمكن أن تتحرك طهران باتجاه تنفيذ تهديداتها السابقة بحق الدول المنتجة للنفط في المنطقة أو المسارات الدولية لتدفقات الصادرات النفطية، حتى لو واصلت واشنطن مسارها باتجاه فرض العقوبات والمراقبة الصارمة لتطبيقها.

جرائم الجيش التركي في عفرين

هذا التصور لا يُعني انتفاء كل المخاطر التي تكتنف المشهد الراهن. تظل كل الاحتمالات قائمة وأبواب التوقعات الدرامية السوداء مفتوحة، حال حدوث أي توترات مفاجئة حتى لو في جبهات أخرى (سوريا والعراق واليمن والجنوب اللبناني) لكن من غير المُرجح أن تخرج الأمور عن السيطرة أو يُفلت الصراع ويسير باتجاه حرب مفتوحة أو تهديدات حقيقية. الولايات المتحدة تعرف فداحة الكُلفة الاقتصادية، وإيران توقن أن الأمر سيكون بمثابة الانتحار العمدي المباشر.

هكذا يُمكن توقع أن يظل الأمر على تجمّده. ستمضي واشنطن في عقوباتها لتؤكد موقعها كقوة كبرى قادرة على إنفاذ رؤاها وقراراتها، وسترفض الصين وروسيا وتركيا العقوبات في إطار تصفية الحسابات المرتبطة بملفات وجبهات صراع أخرى، وستضمن إيران منافذ بديلة لصادراتها النفطية بما يضمن استدامة عوائدها من النقد الأجنبي، مع التركيز في التوترات الداخلية ومحاولة السيطرة على نزيف الخسائر الاقتصادية.. باختصار ربما تكون الحرب التجارية التي تكبّد الصين والولايات المتحدة خسائر ضخمة، وتهدد دولا وأسواقا واسعة، طوق النجاة الذي سيحمل إيران وسط الأمواج المتلاطمة إلى أقرب شاطئ آمن، بأقل قدر من الخسائر والجروح. 

قوات حزب الله في سوريا
 
وحدات حماية الشعب السورية

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق