بكين في حفرة مشتعلة.. الدولار يدفع برمجيات الصين للتراجع ويهدد التنين الآسيوي

الإثنين، 30 يوليه 2018 06:00 م
بكين في حفرة مشتعلة.. الدولار يدفع برمجيات الصين للتراجع ويهدد التنين الآسيوي
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وخريطة الصين
حازم حسين - وكالات

لا يمكن التنبؤ بمستقبل الاقتصاد الصيني في المدى القريب. المؤشرات المعلنة من الحكومة الصينية تشير لتحقيق نمو في الربع الثاني من العام بنسبة 6.7%، لكن الوضع الراهن يشير إلى مخاطر محتملة.

لا يرتبط الأمر بالحرب الاقتصادية المتصاعدة بين التنين الآسيوي والولايات المتحدة، وإصرار الأخيرة الذي يبدو قويًّا وجذريًّا على الحصول على تنازلات من بكين، سواء في صورة رسوم حمائية تفرضها واشنطن على سلّة كبيرة من الواردات، أو تراجع الصين عن مواقفها الحمائية المُعزّزة لصادراتها، عبر الإبقاء على سعر عملتها منخفضا في مواجهة الدولار.

 

انتعاش اقتصادي أم تراجع

في الأسابيع الأخيرة أعلنت الصين مؤشرات أدائها الاقتصادي، مشيرة إلى أنها حققت نموًّا في الربع الثاني بنسبة 6.7%، وهي النسبة التي تبدو إيجابية للغاية حال النظر لها بمفردها، لكن النظر لها في سياق الأداء الاقتصادي الصيني وتطورات الأوضاع قد تدفع باحتمالات أخرى في قراءة المشهد الصيني وتوقع ما قد تؤول إليه الأحوال.

الأرقام الصينية الرسمية تشير إلى تحقيق معدل نمو في الربع الأول من العام بنسبة 6.8%، ما يُعني أن الأداء الاقتصادي في الشهور الثلاثة الأخيرة شهد تراجعا، رغم أنه طفيف لكن يظل ملحوظا. بالتأكيد لا يمكن القول إن التراجع يرتبط بآثار الحرب الاقتصادية والرسوم الجمركية الأمريكية، إذ لم يبدأ سريانها إلا خلال الشهر الماضي، لكنها في الوقت نفسه ليست بعيدة عن الأمر، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوّح بهذه الرسوم وبدأ تطبيقها على واردات الصلب والألومنيوم في الشهر الثاني من الربع الماضي.

التطورات المتلاحقة للحرب الاقتصادية، ومؤشرات الأداء الاقتصادي الإيجابية في الولايات المتحدة (اقتراب النمو من 4% والتضخم من 2% مع نموّ في الوظائف غير الزراعية ومعدلات الأجور) دفعت الدولار خطوة للأمام، وبطبيعة الحال تقهقر اليوان الصيني خطوة مكافئة للخلف، ما رآه البعض فرصة إيجابية للصين تضمن لها نفاذ صادراتها للسوق الأمريكية بكُلفة أقل، ما يُعني أثرا أقل للرسوم الأمريكية، لكن الآثار العميقة لهذا الأمر تظل أكبر من هذه الرؤية التبسيطية.

 

الدولار سلاح واشنطن الأقوى

كل تقدّم يُحققه الدولار على حساب اليوان يبدو فرصة إيجابية لنفاذ الصادرات الصينية للسوق الأمريكية، والإبقاء على مزاياها التنافسية التي تضمن لها تفضيل المستهلك الأمريكي، لكن في خلفية هذه المزية يُشكّل الأمر ضغطا اقتصاديا على التنين الآسيوي، إذ يُعني أن الصين ستتحمل كُلفة أكبر لتدبير الطاقة والمواد الخام الأولية (تستورد النسبة الأكبر منها) إضافة إلى تكلفة النقل والتصدير، وحتى لا يُمثّل الأمر ضغطا على الصُنّاع والمستثمرين ستضطر الدولة لتحمل الفارق دعما للصناعة المحلية.

التكلفة التي تستطيع الصين تحمّلها سيُقابلها انخفاضا في الفوائض المالية الأولية، ومزيدا من الأعباء على الموازنة العامة وموارد الدولة، ما يُعني تراجعا في الاستثمارات المباشرة ومخصصات الخدمات وبرامج الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية. هذه الدائرة الواسعة من الضغوط والآثار تُهدّد باستدامة قدرات الدولة الصينية على تحمّل أعبائها دون آثار تضخمية أو مخاطر الوقوع في دائرة الركود التضخمي، خاصة أن السوق الصينية ليست قوية بما يكفي لاستيعاب القيمة المضافة لقطاع الصناعة والاستثمار في البلاد، وحال تهديد المنافذ الخارجية التي تبتلع الحصة الأكبر من هذا الإنتاج، فإن مصانع الصين قد تُصبح عاجزة عن الدوران بمعدلاتها الحالية، أو عن استيعاب مزيد من الوافدين على سوق العمل.

وفق هذا المنطق يُمكن القول إن الدولار سلاح الولايات المتحدة الأقوى في الحرب التجارية مع الصين، خاصة مع حقيقة أن الأخيرة تُمثّل الحامل الأكبر للسندات وأذون الخزانة الأمريكية، بما يتجاوز 1.2 تريليون دولار (حوالي 40% من إجمالي الاحتياطي الصيني الذي يتجاوز 3 تريليونات دولار) ما يُعني أن بكين لن تُغامر باتخاذ مواقف عنترية أو تحركات مجنونة لتقويض انتعاشة الدولار، عبر تسييل نسبة من محفظة سنداتها، في ضوء الانعكاسات السلبية المُتوَقّع أن يتركها هذا الأمر على اقتصادها وثروتها وفوائضها المالية.


أمريكا تقصف والصين تتفادى

وفق مناخ الصراع القائم، لا يبدو أن موازين القوى متكافئة بين الولايات المتحدة والصين، رغم أن الميزان التجاري يميل لصالح الأخيرة بفارق كبير (375 مليار دولار تقريبا) وهو الأمر الذي يبدو ظاهريا في صالح بكين، لكنه في الحقيقة يدعم موقف واشنطن بشكل أكبر، إذ يُعني أنها تستطيع تحصيل رسوم جمركية على بضائع الصين أكثر مما تستطيع الصين تحصيله على بضائعها، بينما تستطيع السوق الأمريكية استيعاب منتجات البلاد، لكن لا تستطيع السوق الصينية فعل الأمر نفسه.. هكذا تبدو بكين مضطرة للإبقاء على الحرب في مستوى محكوم ووفق إيقاع قابل للضبط.

الموقف القوي الذي تتمتع به الولايات المتحدة يسمح للإدارة الأمريكية بالمناورة والضغط والتهديد والتحرك عمليا بفرض رسوم واتخاذ إجراءات حمائية، بينما لا تتوفر القدرة نفسها لدى الصين، لهذا تنحصر تحرّكاتها في تفادي الآثار الضاغطة للمواقف والقرارات الأمريكية، وإظهار عدم التأثر لأطول فترة ممكنة، عبر أرقام إحصائية ومؤشرات اقتصادية، والهروب إلى الأمام بمدّ جسور التواصل والاتفاقات الاقتصادية مع عدد من الدول والأسواق.

ربما لا تكون تحركات الصين فعالة في ظل عجز الأرقام عن منع الآثار المستقبلية للحصار الاقتصادي، أو قدرة الأسواق البديلة والدول التي تضعها بكين في دائرة اهتمامها وتحالفاتها على استيعاب حجم الصادرات الصينية للولايات المتحدة.. لكن رغم هاتين النقطتين فإن المناورة الصينية يُمكنها أن تضمن خوض الصراع لأطول فترة ممكنة، بأقل قدر من الخسائر والضغوط، وغالبا ستضطر في النهاية للتراجع خطوة إلى الخلف.

 

نقطة سوداء في قائمة بيضاء

رغم المخاطر المتصاعدة، تُحرص الصين على تقديم إشارات إيجابية طوال الوقت، وبشكل تقريبي لا يخلو يوم من أخبار أو معلومات مهمة ذات طابع اقتصادي، سواء على صعيد تعميق التواصل والتنسيق مع الدول الأفريقية أو العربية، أو توقيع اتفاقات شراكة وبروتوكولات تعاون مع دول مهمة في أنحاء العالم.

أحدث المؤشرات الإيجابية الصادرة عن بكين، ما أعلنته وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية قبل ساعات، من أن قطاع البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات الصيني سجّل معدل نموّ أسرع بشكل ملحوظ خلال النصف الأول من العام الجاري، عبر تحقيق إيرادات إجمالية بقيمة 2.9 تريليون يوان (430 مليار دولار أمريكي تقريبا) محققا زيادة سنوية نسبتها 14.4% قياسا على الفترة المناظرة من العام الماضي.

في البيان المنشور اليوم، قالت الوزارة بحسب ما نقل "سكاي نيوز" إن قطاع البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات ما زال يُحافظ على معدلات تنمية متصاعدة، ومن إجمالي الإيرادات المذكورة حقق القطاع أرباحا مُجمّعة بقيمة 358 مليار يوان (54.3 مليار دولار تقريبا) خلال الفترة المذكورة، بنسبة زيادة 10.5% عن الفترة المناظرة من 2017.

على الجانب المقابل لهذه المؤشرات الإيجابية، فإن حجم أعمال قطاع البرمجيات وتكنولوجيا المعلومات المتصاعد يحمل مؤشرات مزعجة نوعا ما، فبحسب بيانات وزارة الصناعة الصينية سجلت صادرات القطاع 25.3 مليار دولار في أول ستة شهور من 2018، بنسبة 2.6% من حجم الأعمال، لكن هذا المُعدل يشهد تباطؤا بنسبة %4.2 عن المستويات السابقة.

 

متى تنتصر واشنطن على بكين؟

تحديد أمد الحرب الجارية بين الولايات المتحدة والصين يبدو أمرا صعبا، خاصة مع عدم وضوح المشهد الراهن واستراتيجيات الطرفين وأهدافهم من الصراع المتصاعد، وهل يتوقف الأمر على ضمان منظومة تجارية عادلة وفق تصورات واشنطن، أم أن لدى الأخيرة طموحا أكبر لدفع الاقتصاد الصيني خطوات عديدة إلى الوراء؟ِ!

ترى واشنطن أن الصين لا تخوض منافسة تجارية عادلة، سواء على صعيد دعم أسواقها المحلية بالإبقاء على سعر العملة المُدارة بشكل كُلّي في مستويات منخفضة، أو استمرار القرصنة وعدم احترام حقوق الملكية الفكرية، ووفق هذا التصور قد يكون هدفها من الصراع الجاري أن تحصل على تنازلات صينية تضمن لها مستوى من العدالة وتكافؤ الفرص في العلاقات التجارية المشتركة.

قد تكون الرؤية السابقة صحيحة، لكن في الوقت نفسه يمكن النظر للأمور من زاوية السباق المشتعل بشكل عام بين الولايات المتحدة والصين، في ضوء أن الأخيرة قفزت في السنوات الأخيرة (من 1991 حتى 2018) من المركز السادس إلى الثاني ضمن أقوى الاقتصاديات في العالم، ومن المُتوقع حال استمرارها بمعدلات النمو الحالية أن تقترب للغاية من الولايات المتحدة أو تتفوق عليها بحلول 2035 أو 2040 على الأكثر، والمؤكد أن الولايات المتحدة لن تكون مبتهجة بالتراجع للمركز الثاني اقتصاديا، وستسعى بكل السُّبل لأن تظل في صدارة القائمة.

إذا تعاملنا مع النقطة السابقة بقدر من الجدية، فإن الحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين حاليا تتجاوز صورتها الظاهرية كصراع على تجارة بينية تتراوح بين 600 و700 مليار دولار سنويا. ربما تستهدف الإدارة الأمريكية من الرسوم الحالية الحدّ من التغوّل الصيني وتجاوزه لضوابط التجارة الحرة حسبما ترى واشنطن، لكنها قد تستهدف على المدى البعيد تشديد الحصار على الاقتصاد الصيني، وكبح جماح النمو الصاروخي المتواصل، بالصورة التي تُبقي عليها في المركز الثاني لأطول مدى ممكن، مع تعظيم القدرات والإمكانات الاقتصادية الأمريكية قدر الإمكان.

هكذا يُمكن القول إن الصين قد تظل في الحُفرة المشتعلة لفترة طويلة، حتى لو توصلت إلى تفاهمات مع الولايات المتحدة، بينما قد تواصل الأخيرة الضغوط والحصار لتقويض قدرات التنين الصيني وتقليم أظافره، والمؤكد أن الدولار سيكون السلاح الأقوى في هذه المواجهة، ومع كل فائض صيني أو زيادة في الاحتياطي، سيزداد مركز واشنطن وعملتها تعزيزا في مواجهة الغريم حامل أكبر مخزون من الدولار.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق