ألعاب نارية في حقل نفط.. أمريكا وإيران والصين تضع اقتصاد العالم على أرجوحة مهتزة

الخميس، 26 يوليه 2018 09:00 م
ألعاب نارية في حقل نفط.. أمريكا وإيران والصين تضع اقتصاد العالم على أرجوحة مهتزة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

أكثر من ثلاثة أسابيع مرّت على سريان قرار منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" بالتراجع الجزئي عن تقليص الإنتاج، وحتى الآن تبدو الصورة ضبابية بدرجة كبيرة، وأثر القرار غير واضح تماما.

كانت أوبك تعلم منذ اتخاذ قرار تقليص إنتاجها اليومي بواقع 1.8 مليون برميل مطلع العام الماضي، أنها تضغط على توازن العرض والطلب بشكل سيدفع مستويات الأسعار في اتجاه الصعود، لكنها لم تُحدّد المدى المطلوب لهذا الصعود على ما يبدو، أو المستوى الذي يمكن القول عنده إن السوق أصبحت مهدّدة بشكل حقيقي، وإن استدامة موارد الأعضاء والحلفاء قد باتت على المحكّ.

خلال أسابيع قليلة من إقرار تقليص الإنتاج، قفزت الأسعار من مستوى 50 دولارا للبرميل، إلى أكثر من 70 دولارا للبرميل، وفي بعض الفترات لامست مستوى 80 دولارا لخام القياس العالمي "مزيج برنت". هذه القفزات عزّزت حالة الارتباك في سوق الطاقة، وغذّت مخاوف كبار المستهلكين، والأهم أنها دفعت الولايات المتحدة لاختراق صفوف المنظمة وتوظيف موقعها المعنوي وتحالفاتها الاستراتيجية لإنهاء حالة التجفيف المتعمدة للأسواق.

 

قرار جاد أم ترضية عابرة؟

حتى نهاية أبريل الماضي لم يكن مطروحا ضمن الاحتمالات أن تتراجع "أوبك" عن قرارها السابق بخفض الإنتاج. في مايو أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وبدأت التخطيط لحزمة عقوبات ضدها (جرى إعلانها لاحقا) كانت أبرز بنودها منع تدفقات النفط للأسواق العالمية، وفي ضوء هذه الخطط سعت مبكرا لتلافي الآثار الضاغطة لهذا القرار.

شهور الشحّ وارتفاع الأسعار عوّضتها واشنطن بالسحب من مخزونها الاستراتيجي، الذي يدور الآن حول مستوى 600 مليون برميل بتراجع يقترب من 100 مليون برميل عن أعلى مستوياته، ما يُعني أنها لن تستطيع مواصلة الطريق بهذا الإيقاع إذا واجهت السوق أزمة حادة، أو شهدت انعطافات تؤثر على حجم الإنتاج والتدفقات اليومية، وتؤثر بالضرورة على الأسعار.

وفق هذا التصوّر مارست الولايات المتحدة ضغوطا على عدد من كبار المنتجين، ومع تصاعد الأجواء الضبابية وارتفاع احتمالات الخطر فيما يخص الضغوط الحادة على الأسواق، وترافق الأمر مع ارتفاع سعر الدولار، بشكل قد يُهدد باتجاه سوق النفط للانكماش بما يؤثر على معدلات النمو واستدامة الموارد، حصلت واشنطن على موافقة من المملكة العربية السعودية وروسيا بزيادة الإنتاج، واضطرت "أوبك" لاحقا للاستجابة لإرادة أكبر أعضائها/ السعودية، وأكبر حلفائها من الخارج/ روسيا.

أقرت أوبك قرار التراجع عن تقليص الإنتاج، وزيادة الضخ بمعدل مليون برميل يوميا، في اجتماعها الذي استضافته العاصمة النمساوية فيينا مطلع يونيو الماضي، على أن يبدأ سريانه من أول يوليو. والآن بعد 26 يوما على بدء سريان القرار، ما زالت الأمور غير واضحة، ولم تُوزّع أوبك قيمة الزيادة على الأعضاء بحسب حصصهم الإنتاجية، ويبدو أنها تنتظر موقفا واضحا من إيران، أو قدمت ترضية عابرة لواشنطن دون اهتمام بقابليتها للتحقق، وربما لا تتوفر رغبة جدية لديها في ضبط أوضاع السوق ودفع الأسعار خطوة إلى الخلف.


إيران تهدد سوق النفط

المشهد على الجبهة الإيرانية يسير بخطوات متسارعة باتجاه الاشتعال. بدأ الأمر بإعلان الولايات المتحدة عن حزمة عقوبات تشمل صادرات النفط الإيرانية، لترد الأخيرة بتهديد مُركّب يشمل عدّة محاور بالغة الخطورة، أولها الانسحاب من "أوبك" حال تقدم أي من أعضاء المنظمة لتعويض إنتاج طهران عقب إقرار العقوبات، وثانيها تهديد تجارة النفط في الخليج العربي بالحصار، مشيرة إلى أنها سترد على توقيف صادراتها بحصار كل برميل نفط تنتجه المنطقة، وهو ما يُعني تهديد حصة كبيرة من إنتاج العراق والكويت والإمارات والبحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، وكان التهديد الثالث أنها ستُصعّد الخلاف مع واشنطن، وستعتبر الأمر بمثابة حرب و"لعب في ذيل الأسد".

بجانب اللهجة الحادة، حصلت إيران على تطمينات إيجابية من شركائها البارزين، في مقدمتهم تركيا والصين وروسيا والهند، التي أكدت أنها لن تتوقف عن استيراد النفط والغاز الإيرانيين. في وقت طالبت فيه فرنسا وبريطانيا وألمانيا باستثناء شركاتها المتعاملة مع طهران من العقوبات الأمريكية، لكن الولايات المتحدة رفضت الأمر، وواصلت ضغوطها على الجميع للالتزام بالعقوبات.

المشكلة الكبرى في الأزمة الإيرانية لا تنحصر في تهديدات طهران للخليج العربي وواشنطن، ومدى قدرتها على تحقيقها، وإنما في احتمال انحسابها من أوبك، وما يتبعه من خروج على ضوابط التنسيق مع المنظمة، وإذا ترافقت الضغوط على الأسواق واختلال العرض والطلب، مع نجاح إيران في الإبقاء على خطوط تصدير إنتاجها للصين وتركيا وغيرهما من الشركاء، فإن العقوبات الأمريكية قد تنتج أثرا عكسيا بالغ الخطورة، أولا برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، والأخطر تعظيم عوائد إيران المالية، بشكل يُحوّل العقوبات إلى مزايا.. ويمكن القول إن هذا التحوّل كفيل بقيادة السوق لانعطافات حادة وتوترات جنونية، إما بضغط مباشر من أوبك على السوق، أو بضغوط غير مباشرة من واشنطن على الجميع، سعيا لحصار إيران بشكل أكثر فاعلية، بينما سيدفع الجميع، خصوصا المشترين والدول النامية، فاتورة هذا الصرع المحتدم.

 

النمو يحترق في برميل نفط

في تحليله للمشهد الراهن في سوق النفط، رأى معهد التمويل الدولي أن قرار "أوبك" بزيادة الإنتاج لا يبدو واضحا أو مؤثرا، في ضوء أن المنظمة "لم توضح كيفية توزيع الزيادات بين الدول"، ومن ثمّ فإن التحرك باتجاه زيادة الإمدادات استجابة لضغوط الدول الكبرى وكبار المشترين سعيا لتلافي آثار المعروض مقابل تضخم الطلب، لم يُؤت الأثر المطلوب، ولم يُوقف اندفاع الأسعار المهدد لنموّ الاقتصاد العالمي.

بحسب تقرير المعهد، فإن قرار تقليص الإنتاج الساري منذ مطلع 2017 دعم الأسعار بنسبة 50% من مستوياتها السابقة، وزاد من حدّة الأمر ما شهدته كثير من الدول ومنصات الإنتاج والمصافي من تعطلات مفاجئة وغير محسوبة، بشكل وصل بخفض الإنتاج من جانب دول أوبك إلى 160% من الحدّ المُقرَّر من المنظمة، بينما لم يتجاوز التزام الحلفاء من غير الأعضاء 60%، في ضوء تجاوز كازاخستان لسقف الإنتاج المقرر لها.

ويقترب المعهد في تقريره من المخاوف المحيطة بإنتاج إيران وفنزويلا، اللتين تخوضان صراعا مع الولايات المتحدّة، رغم اختلاف منطلقاته وأسبابه ومداه في الحالتين، إلا أنه يُهدّد التدفقات الضخمة التي تستقبلها الأسواق العالمية من البلدين. حتى الآن ما زال إنتاج فنزويلا وصادراتها في مستويات متراجعة كثيرا عن طاقتها المعتادة، ولا تبدو الأمور مبشّرة بتحسّن وشيك، وفي حالة إيران فليس واضحا حتى الآن مدى التزام الشركاء التجاريين باستيراد النفط والغاز من طهران، وحجم ما تخبئه الولايات المتحدة من أوراق مناورة لفرض عقوباتها أو إحكام الخناق على التدفقات الإيرانية.

وسط هذا المناخ لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور في المديين القريب والمتوسط، لكن الأرجح أن الأسعار لن تتراجع كثيرا عن مستوياتها الحالية، وربما تحصل على دفعة نسبية للأمام لتُلامس الأسعار مستوى 80 دولارا للبرميل في مستهل تطبيق العقوبات الأمريكية على إيران، وهذا يُعني مزيدا من الضغط على الأسواق النهائية، قد يفرض على المشترين قدر من التحفّظ، أو تقليص حجم الطلب الإجمالي، وهو الأمر الذي سينعكس بالضرورة على مستويات النمو.

 

السوق في قبضة واشنطن

لا يُعرف على وجه الدقة حتى الآن قدر التأثير الذي سيُخلّفه حصار تدفقات النفط الإيرانية. في السابق نجحت طهران في اختراق العقوبات بنسبة كبيرة وتصدير النفط والغاز من خلال تركيا، لكن معهد التمويل الدولي توقع في تقريره المشار إليه تراجع الصادرات الإيرانية بمتوسط 300 ألف برميل يوميا في الشهور الأولى لإقرار العقوبات، على أن يصل التراجع إلى 600 ألف برميل يوميا في 2019.

في الوقت نفسه يشهد الإنتاج الأمريكي والكندي طفرة جيدة، لكن الارتفاع المتوالي في إنتاج البلدين لن يكون مؤثرا، هكذا يرى المعهد في تقريره مؤكدا أن هذه القفزات لن تكون كافية في المدى القريب لتعويض النقص الحاد الذي ستشهده الأسواق مع اهتزاز صادرات إيران وفنزويلا، بجانب الزيادة الدورية في الطلب العالمي، والمُقدّر أن تسجل 1.4 مليون برميل في الفترة المقبلة.

رغم تهوين معهد التمويل الدولي من أثر الإنتاج الأمريكي المُثبّط لقفزات السوق المستقبلية، فإنه يرى أن هذا الإنتاج حافظ على الاستقرار في المدى الحالي، وأنه لولا زيادة إنتاج الخام الصخري كان من المتوقع أن تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل، لكن من غير المتوقع أن يشهد الإنتاج الأمريكي قفزات قريبة كالتي سجلها بين 2008 و2018، وهي الفترة التي تضاعف فيها الإنتاج تقريبا بفضل تطور تقنيات استخلاص البترول من طبقات الصخور، المعروفة بالتكسير الهيدروليكي technology fracking.

الأثر الإيجابي المرحلي للخام الأمريكي، والأثر المستقبلي المتوقع للقرارات الأمريكية وضغوطها على الحلفاء، يُعني أن السوق بصورة كبيرة ستكون في قبضة واشنطن، ومن خلال كبار منتجي أوبك وحلفائها، وكثيرين من المشترين والتجار، يمكنها أن تدفع السوق في اتجاه الصعود أو الهبوط، بحسب الآثار المباشرة التي تستهدف تحقيقها، ومداها الضاغط على الخصوم أو المنافسين.

 

النفط تحت قصف الحرب التجارية

من النقطة السابقة يمكن توقع أن يتحول النفط إلى أداة في الحرب التجارية الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، فالأخيرة في نظر واشنطن هي الخصم اللدود، على أرضية صراع مكتوم على صدارة المشهد الاقتصادي العالمي، يُعزز موقف الصين فيه قدرتها على تأمين معدل نمو مرتفع ومستدام، بينما تملك واشنطن قدرات معنوية للمناورة والخصم من الفوائض الصينية الضخمة.

بدأت الحرب التجارية برسوم جمركية حمائية على قائمة طويلة من السلع، بدأت الولايات المتحدة الأمر وردّت الصين، ومن المتوقع أن تتطور الحرب لتوظيف كل الأدوات المتاحة. هذا التوظيف قد يشمل سوق النفط، خاصة أن التنين الآسيوي يستند في نموّه المرتفع وانتشاره الاقتصادي إلى سوق داخلية مهتزّة، لا توفر المواد الأولية ولا تستوعب كامل الإنتاج، لهذا لا مفر من الاحتكام للعالم الخارجي، وهذا الاحتكام يُعني ارتباطا مباشرا بالاقتصاد الأمريكي، حتى لو لم تُرد بكين هذا، إذ يظل الدولار حاكما معياريا للتبادلات التجارية الدولية.

في الفترة الأخيرة سجل الدولار الأمريكي ارتفاعات متوالية، مدعوما بالبيان الإيجابي للوظائف غير الزراعية، والوصول بمعدل التضخم إلى نقطة قريبة من المستوى المستهدف عند 2%، ورفع سعر الفائدة مرتين خلال الشهور الماضية، وتأكيد رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول استعداد مؤسسته لرفع الفائدة مرتين أخريين في العام الجاري وثلاث مرت في 2019. هذا الارتفاع يُعني مزيدا من العوائد غير المباشرة للولايات المتحدة، بازدهار السندات وأذون الخزانة، وتغطية عجز الموازنة، ويعني في الوقت نفسه ضغوطا أكبر على الاقتصادات الأخرى، خاصة التي لا تتوفر لديها سوق داخلية حاملة لها على مستوى الإنتاج والاستهلاك.

من غير المُستبعد تماما أن تلجأ الولايات المتحدة لتوظيف الدولار كسلاح مباشر في الحرب، ومع ارتفاع سعر الدولار مقابل اليوان وباقي العملات العالمية، فإن الصين ستتكبد فاتورة ضخمة لتوفير احتياجاتها من الطاقة والمواد الأولية الصناعية، وستتكبد فاتورة ضخمة لنقل وارداتها وبضائعها، بينما ستتكبد الدول المستقبلة للمنتجات الصينية فاتورة مُرهقة لتوفير هذه السلع، وهذه الضغوط قد تجبر الصين على التضحية بنسبة من وارداتها لصالح دعم القطاع الصناعي والتصديري، وربما تُجبر كبار المستوردين على تقليص وارداتهم، ما يُعني خسارة التنين الآسيوي لنسبة من نموّه أيضًا.

 

فجوة العرض والطلب

لن تتجه السوق إلى مسار تصحيحي في المدى القريب، الفجوة القائمة بين العرض والطلب مرشّحة للتصاعد حتى بعد قرار أوبك، ويمكن استجلاء هذا بالنظر إلى الأرقام في مشهد واحد مُجمّع. المنظمة قلّصت إنتاجها في 2017 بواقع 1.8 مليون برميل، الطلب العالمي قفز 1.4 مليون برميل، المنظمة تراجعت عن خفض الإنتاج وضخت مليون برميل زيادة، الطلب العالمي قفز 1.4 مليون برميل، أي أن الإنتاج يظل أقل بـ800 ألف برميل عن مستوياته قبل خفض الإنتاج، بينما زاد الطلب 2.8 مليون برميل.

بالنظر لتوترات المشهد في إيران وفنزويلا، وعدم انتظام الإنتاج والصادرات الليبية حتى الآن، فليس من المنطقي توقع أن تعوّض السوق هذه الفجوة القائمة في ميزان العرض والطلب، والأرجح أن تزداد حدّة هذه الفجوة، بينما لا يبدو أن لدى أي من دول أوبك وحلفائها قدرة على التصدي لهذا الشرخ الضخم، في ضوء صعوبة أن تضحّي أي منها باحتياطيّها الإنتاجي الذي يضمن لها استدامة التدفقات حال تعطّل الإنتاج أو مواجهة أي مشكلات طارئة.

بين أعضاء أوبك وحلفائها البالغ عددهم 24 دولة، لا تتوفر طاقة إنتاجية احتياطية كافية لسدّ الفجوة الضخمة، بل إن قليلا من هذه الدول لديه طاقة إنتاجية احتياطية يُمكن أن تشكل أثرا ملموسا من الأساس، وباستثناء السعودية وروسيا والإمارات والعراق والكويت وكازاخستان يمكن القول إن باقي الدول لا يمكنها الإسهام في معادلة التدفقات بمستويات أكبر مما تسهم به حاليا، بينما تحتاج السوق مليون برميل يوميا على الأقل لتعويض الآثار الضاغطة حاليا، ومليونا أخرى في الشهور المقبلة، حال استمرار النزيف الفنزويلي، ونجاح الولايات المتحدة في إقرار حزمة عقوبات جادة وشاملة على إيران.

 

برميل على أرجوحة الأسعار

في النظرة الأولى تبدو كل الاحتمالات مقبولة، لا يسهل الجزم بصحة اتجاه السوق لمزيد من معاناة الشُحّ واختلال ميزان العرض والطلب، ولا يمكن نفي احتمالات أن تشهد الأوضاع انفراجة وتتلوّن الأسعار بالأحمر مسجّلة هبوطا ملحوظا. يبدو الأمر أقرب لوضع برميل نفط على أرجوحة مهتزة بين الصعود والهبوط. يرتبط مستقبل المشهد بطبيعة ما ستتفق عليه أطرافه، والطرف الأكثر قدرة على فرض املاءاته عليه.

يمكن ترجيح احتمال الصعود بالحديث عن التوترات السياسية والمخاوف المحيطة بنطقة الخليج العربي، وتهديدات إيران بإشعال الأجواء المحيطة بعدد من كبار المنتجين والمُصدّرين في المنطقة، بجانب اللهجة العدائية متزايدة الحدّة بين فنزويلا والولايات المتحدة، وتنامي الطلب العالمي في مقابل ثبات المعروض أو احتمالات تراجعه، والأهم الضغوط الناتجة عن مخاوف المشترين من التطورات السلبية المفاجئة، بشكل قد يُعزّز النهم الاستهلاكي أو الطلب غير الحقيقي أو المضاربة.

على الجانب المقابل يبدو احتمال تراجع الأسعار وجيها، لا سيّما وأن هذا الأمر يبدو في صالح كبار المنتجين، على غير المعتاد، فالولايات المتحدة والسعودية سيكون من صالحهما انخفاض الأسعار بشكل يزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران ويقلل العوائد النفطية التي تشكل النسبة الأكبر من إيراداتها، واشنطن سترى أيضا أن الأمر يزيد الضغط على الصين. وروسيا قد ترى أن تهاوي الأسعار ربما يخصم من الحصة الأمريكية في الأسواق مع ارتفاع إنتاج الخام الصخري، خاصة أنه لن يضر عوائدها المباشرة بفضل تطوير شركة "روس نفت" لبنيتها التحتية وقدراتها الإنتاجية.

بين تعدد الاحتمالات وتساوي فرصها، ستحدد تفاعلات السوق وصراعاتها السياسية ما ستؤول إليه الأمور. معهد التمويل الدولي يرى أن الولايات المتحدة طرف حاكم في المشهد، من زاوية أن التنامي المستمر في إنتاج النفط الصخري سيكون عاملا حاسما في تحديد المسار المستقبلي للأسعار، لكن تظل المشكلة أن الطلب على هذا النوع من الخام أقل، وأن الجانب الأكبر منه يُستهلك محليًّا، بينما الأرجح أن يظل اختلال ميزان السوق مائلا لصالح الطلب، وربما لهذا توقع المعهد أن ترتفع الأسعار بنسبة طفيفة في الشهور الباقية من العام، وفي أوائل 2019، خاصة أن هذه الفترة ستترافق مع ذروة الآثار المتوقعة للعقوبات الأمريكية على إيران.

رغم هذا فإن نجاح إيران في التحايل على العقوبات الأمريكية، وتمرير صادراتها عبر منافذ أخرى أو وسطاء، وبقاء الطلب الحالي من الشركاء الأساسيين عند مستوياته، قد يقود إلى تراجع الأسعار مع تقدم "أوبك" وحلفائها لتعويض الإمدادات الإيرانية، في وقت يتدفق فيه نفط طهران للأسواق بالفعل، ما يُعني زيادة غير مرئية في المعروض قد تهدئ من حدّة الاشتعال المُتَوَقع.

حتى تتضح الصورة ويُحسم أمر المستقبل القريب لسوق النفط، ستُعاني كثير من الدول والشركات بسبب هذه الاهتزازات المدفوعة بتوترات سياسية. الصين ستكون من الخاسرين، لكن الدول النامية والاقتصاديات الناشئة ستكون أكثر خسارة، وحتى إذا استقرت أرجوحة النفط فإن أثر اهتزازها قد يتأرجح بدول وشركات وأسواق مال عدّة في الشرق والغرب، لتظل عُرضة طوال الوقت للشرر المتطاير من الألعاب النارية المشتعلة في ساحات السياسة، وفي حقول النفط.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق