نظام متغطرس وعُملة هشّة.. الليرة تعرّي الصلابة المزعومة وتخلخل أركان النظام التركي

الأحد، 12 أغسطس 2018 03:05 م
نظام متغطرس وعُملة هشّة.. الليرة تعرّي الصلابة المزعومة وتخلخل أركان النظام التركي
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

أكثر من ثلثي قيمة الليرة أمام الدولار تبخرت خلال الشهور السبع الماضية. بالتحديد فقدت العملة التركية 70% من قيمتها أمام العملة الأمريكية منذ مطلع العام الجاري، وما زال التهاوي مستمرا في ظل حالة ذعر يعيشها نظام أردوغان.

منذ فوزه بولاية ثانية في انتخابات رئاسية برلمانية مبكرة في يونيو الماضي، قالت المعارضة إنها شهدت تجاوزات وحصارا من النظام للمرشحين الآخرين، والاقتصاد التركي في مسار هابط، خاصة بعدما عيّن أردوغان زوج ابنته الكبرى برات ألبيراق وزيرا للمالية، دون أي خبرة مصرفية عملية أو قدرة على قيادة السياسة المالية للبلد الذي يواجه معدلات تضخم مرتفعة وصعودا حادا في الدين الخارجي. الصورة العامة باتت مثيرة للقلق، ومُرشّحة لمزيد من التطور، بينما لا يبدو أن لدى النظام خططا وحلولا لتجاوز الأزمة، سوى بالشعارات السياسية والتعبئة الشعبوية.

أردوغان

تصعيد أمريكي واهتزاز تركي

ما شهدته الليرة قبل يومين دفع كثيرين لاعتبار يوم الجمعة الماضي "جمعة سوداء" على العملة التركية، مع تسيّد اللون الأحمر واستمرار توهجه بالتراجع الحاد أمام الدولار، وانزلاق مؤشرات "الشارت" لسعر العملة التركية أمام نظيرتها الأمريكية بشكل حاد، لكن هذا التهاوي في ذاته، رغم حدّته الشديدة، لا يكشف حقيقة المشهد بشكل كامل.

في تعاملات الجمعة الماضية فقدت الليرة 19% من قيمتها أمام الدولار، حسبما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية. جاء هذا التراجع كنتيجة مباشرة لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إقرار حزمة رسوم مضاعفة على ورادات الولايات المتحدة من الألومنيوم والصلب التركيين، وما تلاه من تصريحات كاشفة لحالة الاهتزاز والهلع التي تسيطر على الرئيس التركي، في وقت حاول فيه إظهار العكس، ما تسبب في تغذية مشاعر الفزع في نفوس الأتراك.

سعر الليرة التركية مقابل الدولار في آخر 7 أيام

سعر الليرة التركية مقابل الدولار في آخر 7 أيام

موقف الولايات المتحدة التصعيدي يأتي على خلفية قضية القس الأمريكي أندرو برونسون، الذي تعتقله تركيا بتهمة التورط في محاولة الانقلاب التي جرت صيف العام قبل الماضي، وفرض واشنطن عقوبات اقتصادية على وزيرين تركيين، وما تبع ذلك من تصعيد لهجة النظام التركي ضد الإدارة الأمريكية بشكل دفع ترامب للقول في تغريدة عبر صفحته بتويتر "علاقاتنا بتركيا ليست جيدة في الوقت الحالي".

الرئيس الامريكي دونالد ترامب

تتبع رحلة المؤشر البياني لسعر الليرة أمام الدولار الأمريكي يكشف حجم الأزمة التي يعاني منها نظام أنقرة. مع صعود أردوغان لمنصب الرئيس مختتما عشر سنوات تقريبا من الوجود في موقع رئيس الوزراء، كان سعر الدولار الأمريكي 1.92 ليرة. كان ذلك في العام 2013، وفي 2014 قفز الدولار مسجلا 2.11 ليرة، وفي 2015 وصل إلى 2.76 ليرة، وفي العام التالي 2.95 ليرة، وفي 2017 سجل 3.54 ليرة، وفي فبراير الماضي 3.81 ليرة، واليوم 6.43 ليرة.

تحليل الأرقام السابقة يُعني أن الليرة فقدت 400% من قيمتها أمام الدولار في آخر 5 سنوات، منها حوالي 100% تقريبا في آخر ستة شهور، واستمرار الحالة الاقتصادية والسياسية التي تسببت في هذا النزيف المتنامي بين 2013 و2018 يُعني أن الأمر مُرشّح لمزيد من التطور. ربما تخسر الليرة مزيدا من قيمتها في الشهور المقبلة، مع تصاعد الموقف الأمريكي تجاه أنقرة، وتوسع العقوبات المفروضة على إيران وصادراتها النفطية بشكل قد يُؤثر على تركيا التي ترتبط بهذا الملف ارتباطا وثيقا، وكانت في فترات سابقة منفذا تحايليا على العقوبات ومسارا بديلا لتدفقات النفط والدولار بين إيران والعالم الخارجي. التقديرات في هذا الشأن ترجح أن يسجل الدولار 10 ليرات قبل نهاية العام الجاري، ما لم يتخذ النظام التركي إجراءات مالية جادة لضبط سعر الصرف، لكن المشكلة أن هذه الإجراءات الضابطة ستُحدث اختلالا اقتصاديا في نواحٍ أخرى.

رسم بياني لشارت الدولار والليرة
رسم بياني لشارت الدولار والليرة

هل تغرق أوروبا أم تضحي بتركيا؟

الأثر الفادح للسياسات المالية التركية والرسوم العقابية الأمريكية بحق بعض صادرات أنقرة لم يتوقف على الليرة. اليورو يشهد موجة تراجع حادة بسبب الروابط العميقة بين العملتين، على خلفية توسع كثير من البنوك الأوروبية في التعامل مع السوق التركية، وانكشافها على الأزمة الراهنة بشكل يُهدد استقرارها واستدامتها المالية.

الإزاحة التي أحدثها تراجع الليرة في السوق الأوروبية تسببت في هبوط اليورو أمام الدولار إلى أدنى مستوياته في أكثر من عام كامل، وقالت "فايننشال تايمز" إن البنك المركزي الأوروبي لديه مخاوف عميقة بشأن بنوك إسبانية وإيطالية وفرنسية، ومدى انكشافها على الأزمة الضاغطة في تركيا، ما كان سببا في تسجيل اليورو 1.1393 دولار، في جلسة الجمعة، بنسب تراجع قدرها 1.5% في جلسة واحدة، وهذا أدنى مستويات صرف اليورو منذ يوليو قبل الماضي. كما تراجع أمام الين الياباني 1.56% مسجلا 126.03 ين في أدنى مستوياته منذ شهرين.

وزير الماليه التركي برات البيراق

الموقف الراهن حال تصاعده فمن المرجح أن يزيد الضغوط على اليورو. المشكلة أن العملة الأوروبية الموحدة تواجه ضغطا شرسا من جانب آخر، مع اقتراب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس المقبل، وما يمثله هذا من ضغط على الاقتصاد والعملة في القارة العجوز، حتى لو كانت بريطانيا تحتفظ بعملتها "الجنيه الاسترليني" طوال سنوات وجودها في الاتحاد. يُمكن أن تواصل أوروبا تحركها المشوب بالحذر بشكل لا يقطع روابطها من تركيا ولا يحرم الأخيرة من نافذة تقلل آثار الحصار الضاغط. لكن يظل هذا الاحتمال ضعيفا، والمُرجح ألا تحتمل أوروبا الرهان على الأثر غير المباشر والإزاحة التي قد ينقلها تراجع الاقتصاد التركي لها، ما يُعني أنها قد تتشدد في إجراءاتها المالية والمصرفية، سعيا إلى لَجم مصارفها وكبح جماح التعاملات المتنامية لها مع بنوك أنقرة، هذا الخيار يُعني تضحية أوروبا بتركيا، وبالضرورة يُعني مزيدا من الانهيار الذي لن يكون بمقدور النظام التركي إيقافه أو تقليل حدّته بسهولة.

 

زعيم مُشوّش ورؤية اقتصادية مضطربة

أخطر ما يُمكن أن تواجهه تركيا الآن هو زيادة السيولة المُتداولة في الأسواق. فمع الضغط المتواصل على العملة المحلية ستتجه هذه السيولة لتغذية الطلب على الدولار أو الذهب، سعيا للهروب من الخسائر المحتملة وتآكل المدخرات والقيمة المالية للعملة، هذا الأمر يُعني مزيدًا من الهبوط غير المُحتمل لليرة، وقد لا يكون أمام النظام أي مسلك للهروب من هذا المصير إلا بالعمل على امتصاص هذه السيولة.

على الجانب المقابل لهذا المشهد، يضغط أردوغان على البنك المركزي التركي لإجباره على عدم اتخاذ قرار برفع سعر الفائدة. يبدو الرجل مُشوّشًا ولا يتوفر على تقييم حقيقي لحجم الأزمة. يتخيل الرئيس التركي أن الفائدة المنخفضة تُعني مزيدا من النمو الاقتصادي والسيطرة على التضخم. في الشق الأول يبدو الأمر منطقيا، لكن النظريات الاقتصادية المُعتبرة تشير إلى مخاطر تضخمية حقيقية للنزول بسعر الفائدة، بينما الكارثة الآخذة في التصاعد تفترض تحرّكًا جادا لكبح قدرة المستهلكين على الوصول إلى مزيد من السيولة باشتراطات سهلة، لأن هذا الأمر يُعني مزيدا من الخلل بين العرض والطلب في السوق الاستهلاكية مع ارتفاع كُلفة توفير السلع والخدمات في ظل الصعود القياسي للدولار، ما يُعني موجة أكثر حدّة من التضخم.

يرى أروغان أن الإبقاء على الفائدة عند معدلاتها المنخفضة أمر كافٍ لطمأنة المستثمرين وتشجيعهم على تنمية أعمالهم. هذه النظرة تصلح في الأوقات الطبيعية وخارج سياق الأزمات، إذ في ظل سوق صرف غير مستقرة وانهيار متتابع في سعر العملة مع ارتفاع في معدلات التضخم، فإن المستثمرين أمام كُلفة أعلى لتدبير الموارد والاحتياجات الأولية من الخارج، وعوائد أقل لتصدير سلعهم ومنتجاتهم للأسواق الأخرى. يمكن القول إن كل قيمة إنتاجية مُضافة تُعادل "ليرة تركية واحدة" أصبحت أقل من "نصف ليرة" في آخر ستة شهور، وبينما كان بإمكان المستثمر الحصول على دولار مقابل سلعته في فبراير الماضي، فإنه بالكاد سيتحصّل على نصف دولار الآن مقابل السلعة نفسها.

يمكن القول إن الرؤية الاقتصادية التي يعتمدها النظام التركي تبدو سائلة إلى الدرجة التي لا يُمكن القبض عليها ولا توقع مستقبلها القريب. ربما يعود الأمر لتمادي أردوغان في إقرار رؤاه وفرضها على أجهزة السياسة المالية، أو وجود صهره عديم الخبرة "برات ألبيراق" في وزارة المالية.. بعيدا عن السبب المباشر فإن تركيا تبدو الآن مُوزّعة بين تشوّش يسيطر على النظام، ورؤية اقتصادية مُضطربة، والأخطر تصاعد الهلع بين المستثمرين والمواطنين العاديين.

 

تراجع في الصناعة والتجارة والبنوك
 
في التصور النظري يُفترض أن يُمثل تراجع الليرة دعما مباشرا للقطاعين الصناعي والسياحي. عمليا لا يبدو هذا الأمر متحققا في السياق التركي، خاصة أن كثيرا من الشركات تُدبر احتياجاتها من الخارج، ما يُعني أن أي اختلال للتوازن بين الليرة والدولار يُعني مزيدا من الكُلفة في شراء المواد الأولية ومزيدا من التقلص في عوائد بيع المنتج النهائي. في السياحة تبدو الأمور غير مُطمئنة للسائحين مع تشوّش الرؤية وضبابيتها، واحتمال اتخاذ إجراءات مصرفية قاسية فيما يخص حرية تداول الدولار، ولأن أغلب السائحين لا يتحركون بعُملات نقدية ويعتمدون على بطاقات الائتمان، فإن الاهتزاز الذي تشهده تركيا حاليا قد يكون عاملا رادعا لملايين السائحين عن اتخاذ قرار السفر لتركيا حاليا.
 
المؤشرات العملية تؤكد الرؤية السابقة، فبحسب تصريحات لرئيس الغرفة الصناعية في أنقرة، نور الدين أوزدبير في جلسة "دردشات أنقرة" حول مشكلات القطاع التجاري في البلاد، فإن أغلب الشركات العاملة في البلاد أفلست وفق ضوابط ومعايير القانون التجاري التركي، والآن فإن كثيرا من هذه الشركات في حاجة ماسّة للتمويل من أجل العودة للعمل.
 
في التصريحات التي نقلتها وكالات أنباء عالمية، يقول "أوزدبير" إن "معدلات الائتمان والودائع بلغت مستويات خطيرة. لم يعد هناك مصدر للبنوك يمنحها قروضًا في ظل الظروف الراهنة". في سياق مقارب أعلن مجلس الذهب الدولي تسجيل الاحتياطي التركي 238.3 طن. هذا الرقم يصطدم مع ما أعلنته تركيا من وصوله إلى 602.3 طن، وعن هذا قال المجلس: "القيم الموضحة لدى البنك المركزي التركي لا تتوافق مع القيم المعلنة في حسابات البنوك التركية. الفارق 364 طنا من الذهب. كما كانت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني قد خفّضت تصنيف 24 بنكا عاملا في تركيا مؤكدة أن النمو الاقتصادي المتباطئ وتراجع الليرة يُشكّلان تهديدا فعليا لاستقرار البنوك وسلامة أدائها المالي وتمويلها وتدفقاتها النقدية.
 
لجوء البنك المركزي التركي إلى إعلان أرقام مُبالغ فيها عن الاحتياطي المتوفر لديه من الذهب، يكشف عن أزمة حقيقية في القطاع المصرفي. التصور المنطقي أن حجم السيولة المتداولة يوازيه غطاء قدره 602.3 طن ذهب (المعلن)، بينم الغطاء الحقيقي الذي أعلنه مجلس الذهب الدولي (238.3 طن) يُعني أن البنك المركزي التركي لا يملك ملاءة ذهبية حقيقية لتأمين ودائع البنوك وتغطية السيولة النقدية المُتداولة، فلجأ إلى إصدار بيانات مغلوطة بهذا الشأن. هذا التصور يُعني أن فقاعة مالية ومصرفية ضخمة تُحلق في سماء تركيا، وقد تتفجر في وجه المنظومة المالية والاقتصادية في أية لحظة، خاصة مع تصاعد حالة الهلع وزيادة طلب المواطنين على الدولار والذهب، وتحويل ودائعهم لملاذات آمنة غير الليرة، أو سحبها من البنوك.

 

كاريزما مفقوده وسحر يفقد طاقته

طوال سنوات مضت كان بإمكان أردوغان التأثير في قطاعات واسعة من مؤيديه وداعمي حزب العدالة والتنمية، وتوجيههم وحشدهم باتجاه أفكار ومواقف محددة. يبدو أن الرجل يتخيل أن لديه نفس الكاريزما القائدة حتى الآن، بينما تؤكد الوقائع المتتابعة أنه فقد أي تأثير أو سحر كان يمارسه على الأتراك فيما مضى.

أقسى الضربات التي تلقتها الليرة التركية مؤخرا جاءت في أعقاب تصريحات للرئيس رجب طيب أردوغان. فبعدما وقف الرجل في حشد من مواطني ولاية بايبورت شمال شرقي تركيا، الجمعة الماضية، متحدثا عن "حرب اقتصادية وعدو مجهول" وداعيا الأتراك لشراء الليرة والتخلي عن الدولار، شهدت الليرة تراجعا قياسيا بالغ الحدة، ليسجل الدولار 6 ليرات للمرة الأولى منذ إنجاز إجراءات الإصلاح وإنهاء حقبة التضخم بحذف 6 أصفار من العملة قبل سنوات من الآن.

رغم المفارقة الفادحة لم يلحظ أردوغان الأثر السلبي الذي يُمثّله ظهوره على سعر العملة، وتغذيته لمشاعر القلق لدى الأتراك والمتعاملين في سوق الصرف. للمرة الثانية عاد الرجل لتكرار الأمر والاستنجاد بالأتراك ظهر السبت، وللمرة الثاني يأتي الأسر عكسيا وتواصل الليرة الهبوط. بالتأكيد بدت تصريحات أردوغان شعبوية ساذجة، خاصة وهو يقول: "إن كانوا يملكون دولارات فلدينا شعبنا، لدينا الحق ولدينا الله"، لكن بعيدا عن الابتزاز العاطفي فإن مواقف الأتراك المعاكسة لرسائل أردوغان تبدو تعبيرا مباشرا عن تسيّد روح الشك في الاقتصاد والإدارة السياسية والمالية، وتهاوي الثقة التي كان يتمتع بها النظام لدى قطاعات من الأتراك. 

 

الأتراك يفقدون نصف قيمة ودائعهم

بحسب ما نقلته "سكاي نيوز" نقلا عن مصادر تركية، فإن البنوك التركية تُموّل عملات إلكترونية لبنوك دولية، ثم تدفع عمولات لنقل النقود إلى تركيا. وقد اضطرت بعض البنوك لطلب أموال من الخارج لتلبية طلبات العملاء الذين يحتفظون بنسب كبيرة من مدخراتهم بعملات أجنبية، كمسلك احترازي لمواجهة تراجع العملة أو موجات التضخم المتنامية.

النقطة الأخيرة تقول عنها وكالة "بلومبيرج" إن ما يقرب من 50% من ودائع البنوك التركية بالدولار واليورو. هذا المؤشر يُعني أن المودعين الأتراك خسروا أكثر من نصف القيمة الفعلية لمدخراتهم في الشهور الستّ الأخيرة، هذا النزيف الحاد الذي يرافقه ترقب حذر من الإجراءات التي قد يقرها البنك المركزي التركي، أو السياسة المالية التي قد يفرضها أردوغان وصهره "ألبيراق" يُغذّي حالة الطلب على الدولار، مع تنامي الخوف من فرض قيود على تدفقات العملات الأجنبية أو وضع حدّ لسحب الودائع الدولارية.

رغم أن الحكومة التركية حاولت طمأنة المواطنين في هذه النقطة، بإعلان أنها لن تفرض أية ضوابط مقيدة لرأس المال وتدفقاته، فإن حالة الهلع ظلت في منحنى تصاعدي، إذ نقلت وكالة "بلومبيرج" عن متعاملين مع البنوك التركية أن الطلب على العملات الأجنبية يشهد صعودا متواصلا. الأمر أكده مصرفيون وأرجعوه إلى خوف الأتراك من اتخاذ النظام إجراءات إجبارية فيما يخص الإبقاء على السيولة الدولارية داخل المصارف وفي شرايين المنظومة الرسمية، بعدما فشلت كل نداءات أردوغان وتوسلاته في دفع المواطنين لتحويل مدخراتهم من العملات الأجنبية إلى الليرة دعما للعملة الوطنية.

 

الديون تهدد قطار تركيا بالاحتراق

أزمة الليرة لا يُمكن الوقوف على أبعادها الكاملة بعيدًا عن خريطة الديون التركية. في نهاية 2017 ارتفع صافي الدين الخارجي 15% على أساس سنوي، و4% على أساس ربع سنوي في نهاية مارس 2018، وبشكل عام يقترب إجمالي الدين الخارجي التركي من 500 مليار دولار بنسبة 53% من الناتج المحلي الإجمالي، حصة كبيرة منها للشركات التركية والباقي ديون مباشرة على مؤسسات الدولة. وهذه النسبة "تضع شركات البلاد في موضع ضيق" حسبما قالت وكالة بلومبيرج في تقرير لها أواخر مارس الماضي.

بحسب تقارير اقتصادية فإن حصة القطاع الخاص من الديون الخارجية 325 مليار دولار في نهاية مارس الماضي، بنسبة 70% من إجمالي الدين، مقابل 30% ديونا حكومية بما يتجاوز 100 مليار دولار. في النهاية لا تشكّل هذه القسمة فارقا كبيرا، فحتى لو استطاعت الحكومة الوفاء بالتزاماتها مع تراجع سعر العملة وتقلّص مستويات النمو، فإن الشركات لن يكون بمقدورها البقاء ومواصلة العمل بالوتيرة نفسها. هذا الأمر سيقود إلى التراجع والانكماش، وفي أقل التقديرات سيتسبب في تراجع عوائد الدولة من الرسوم الضريبية، وزيادة معدلات البطالة. هذه المؤشرات تصب بشكل مباشر في تعميق الاختلالات الهيكلية في بنية الاقتصاد، وتعزيز مستويات عجز الموازنة.

يُمكن القول إن الازدهار الاقتصادي الذي شهدته تركيا في السنوات الأخيرة لم يكن ازدهارا حقيقيا ناتجا عن اقتصاد قوي يملك روافع نموّه الذاتية، وإنما كان فقاعة تنموية تغذيها الديون الخارجية. هذا الأمر يُعني مزيدا من الآثار الاقتصادية القاسية في ظل العجز الدائم في ميزان المدفوعات، وتصاعد نسب عجز الموازنة. لن يكون بمقدور المنظومة المالية التركية في ظل أوضاعها الحالية - المرشحة لمزيد من التراجع - الوفاء بالالتزامات المالية لخدمة هذه الديون. الأمر قد يتسبب في مزيد من الاستدانة لسداد الالتزامات، أو التضحية بالإنفاق التنموي المباشر لصالح الوفاء بخدمة الدين. هذا الأمر قد يُوقف عجلة النمو أو يدفعها خطوات للخلف، وربما يتطور إلى تضخم مُحاط بحالة من الانكماش "ركود تضخمي" لتتآكل فوائض تركيا وما حققته في السنوات الماضية.

 

تطورات الديون الخارجية التركية

تطورات الديون الخارجية التركية

 

الليرة تُعرّي نظام أردوغان

محاولات أردوغان لإشاعة تصور غير دقيق عن استقرار الأوضاع وصلابة الاقتصاد التركي لن تُثمر شيئا في مواجهة الأزمة. سيجد نفسه مضطرا خلال وقت وجيز للتراجع عن هذا الموقف، واتخاذ إجراءات أكثر جدية وصرامة فيما يخص أسعار الفائدة ومُعدلات الاستدانة من الخارج، حتى وهو يعلم أن هذه الإجراءات ستكشف ظهره وتحرمه من مفاتيحه الدعائية التي طالما وظفها لإيهام الأتراك والداعمين في الخارج بأنه يصنع نهضة اقتصادية ويؤسس لبلد قوي ومستقل.

تركيا في ظل نظام أردوغان مُندمجة في الاقتصاد العالمي بقوة. ربما بصورة أكبر مما كانت عليه في فترات سابقة منذ تأسيس النظام العلماني على يد مصطفى كمال أتاتورك في عشرينيات القرن الماضي. هذه الأزمة ستكشف أن فكرة الاستقلال التي طالما استند إليها أردوغان في ترويج خطابه السياسي ليست حقيقية. الأتراك سيُعاينون الأمر بأنفسهم وهم يدفعون فاتورته، ووقتها لن تُفلح مساندة التيارات والجماعات الدينية للرئيس التركي في الخروج من الأزمة أو تغيير تعاطي الناس معها.

مواصلة استجداء الأتراك لتغذية الطلب على العملة المحلية، وتحويل مدخراتهم من الدولار والذهب إلى الليرة، وتهديد واشنطن بالتعامل مع روسيا والصين وإيران بالعملات الوطنية، لا تشير كلها لقوة حقيقية أو موقف مستقر، قدر ما تشير إلى أزمة فادحة ربما بدأ النظام التركي يستشعر مداها، حتى لو ظل على مكابرته. يمكن القول إن الليرة التركية سددت الطعنة الأخطر لصدر النظام التركي، ونجحت فيما فشلت فيه المعارضة والاحتجاجات الشعبية والخطابات السياسية المناوئة للنظام. الآن يعلم الأتراك أنهم لا يملكون نظاما صُلبًا كما يدّعي رئيسهم ويسوّق بشكل دائم، وحتى لو انحنوا مع العاصفة فإن هذا لا يُعني أنهم سيرفعون أيديهم عقب الانحناء لستر عورة النظام. يُمكن تخيّل أن كل تركي لديه ليرة تواصل النزيف لن يمدّ يده بها ليستر عورة أردوغان. العملة باتت أرخص سعرًا في نظر الأتراك، والنظام أيضا.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق