مهازل في مهرجان المسرح التجريبي

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018 01:35 م
مهازل في مهرجان المسرح التجريبي
حازم حسين يكتب:

المقدمات تُوحي بالنتائج و"الجواب بيبان من عنوانه".. طبيعة الأحداث الكبرى أنها تبدأ كبيرة وتلفت الأنظار منذ لحظتها الأولى، وبطبيعة الحال لا يمكن التفاؤل بحدث يقول منظّموه عنه إنه كبير، بينما يبدون هم أنفسهم صغارًا، وصغارًا جدًا، وهم يقفون على ناصية إطلاقه مُحَمّلين بكل النواقص والخطايا التي تكفي لنقض الهرم الأكبر وبعثرة أحجاره، وليس فقط لإفساد حدث كان كبيرًا، وتضاءل وأصبح قزمًا حينما تولّى أمره حفنة من غير الكبار.

في الوقت الذي كان الطبيعي أن نجلس الآن إلى مكاتبنا لنكتب احتفالاً وترحيبًا وامتداحًا للدورة الخامسة والعشرين (اليوبيل الفضي) لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، لم تترك لنا إدارة المهرجان ومنظّموه أي فرصة هادئة وعاقلة للترحيب والامتداح، ولم ينجحوا - ولو على سبيل الخطأ غير المقصود - في تسريب ثغرة واحدة جيدة في جدار ترتيباتهم العشوائية والفوضوية؛ لنستند إليها مُدّعين الموضوعية، كي نحتفي بمهرجان يُفترض أنه الأهم في مصر والمنطقة العربية والشرق الأوسط. الحقيقة أن الموضوعية تُجبرنا الآن على مسار آخر، حتى لو كانت محبّتنا للمسرح وللمهرجان وتاريخه تُلوّح لنا من بعيد بشيء آخر. أحيانًا يُفترض أن نكون قاسين بما يكفي كي يستقيم الضلع الأعوج، أو ينكسر تمامًا فنبحث عن آخر مستقيم.

بالتأكيد لم يكن مخطّطو الدورة الأولى لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي يعرفون - وهم يطلقون دورتهم في العام 1988 - أن المهرجان سيشيخ سريعًا، وفي أقل من 25 دورة سيصل إلى محطة الموت الإكلينيكي، ويصبح مهزلة مُكتملة الأركان، ومساحة مفتوحة على العشوائية والتحزُّب والشللية والسطحية وكل أمراض الوسطين الثقافي والفني.

سار المهرجان في دوراته الأولى بشكل هادئ ومستقر، وفق الانحيازات وأطر التأسيس التي اختارها فاروق حسني ومعاونوه، مراهنًا على نمط واحد من المسرح (مسرح الجسد وتقنيات البايو ميكانيك).. وقتها رأى المؤسِّسون هذا التصوّر تجريبًا وحداثة، وأخلصوا له، ومرّت السنوات إلى أن توقّف المهرجان عقب ثورة يناير، ومع عودته قبل سنتين رأى الورثة الجدد للمهرجان، وأغلبهم من أبناء المسرح التجاري والثقافة الجماهيرية، أن التجريب ليس كافيًا لانطلاق مهرجان، أو لم يفهموا فكرة التجريب أصلاً، فاختاروا أن يحوّلوه إلى مهرجان للمسرح المعاصر، وأن يُلصقوا هذا التوصيف الساذج باسمه.

لا يُمكن النظر للاسم الجديد للمهرجان (المسرح المعاصر والتجريبي) إلا باعتباره سطحية وسذاجة ممن اختاروه، وإشارة عميقة على قصور الوعي والعجز عن التأسيس العلمي والمفاهيمي، فالمعاصرة كصفة تتصل بحال العرض وترتبط بكل أداء (هنا/ الآن)، أي أنه بصعود خشبة المسرح أو دخول مساحة الأداء في زمان ومكان مُعاصرين، تُصبح كل العروض مُعاصرة، حتى لو كانت نصوص أرسطوفانيس وأسخيلوس بتصوّراتها القديمة. وإذا افترضنا جدلاً أنهم يقصدون المعاصرة الفنية فإن حالة الالتباس والخلل ستظل على حالها، وربما تتّسع، إذ إن كل تقنية فنية وجمالية يقبلها السياق الراهن وتتجانس معه هي تقنية مُعاصرة، تتساوى المونودراما - التي كانت الجذر الأول لفنون الأداء قبل أن تكتسب حضورًا مُستقلاًّ ومُمتدًّا، مع العروض الضخمة والبولوفونية وفنون الأداء الحداثية والمزاوجة بين التقنيات البصرية والأدائية المختلفة في وسائط جديدة يتداخل فيها التشكيلي مع الفيديو والموسيقى الإلكترونية والرقص التعبيري وغيرها من المفاتيح والتيمات الأدائية والجمالية.. باختصار يبدو الإطلاق الثاني والاسم الجديد للمهرجان ساذجًا وسطيحًا، ويُعبّر عن وعي هاوٍ وتلفيق منهجي واصطلاحي، ورغبة في تنظيم "مولد" وليس مهرجانًا مسرحيًّا ذا تأسيس مُتماسك وانحيازات واعية.

أعلنت إدارة المهرجان في مطبوعاتها ودعواتها وبياناتها الصحفية أن الافتتاح في الثامنة مساء الاثنين. اكتمل الحضور من الفنانين والإعلاميين المصريين والعرب والأجانب في المسرح منذ السابعة، وصلت وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم في الثامنة والثُلث، وبدأ الافتتاح في الثامنة والنصف.

بدا منذ اللحظة الأولى أن أجواء الافتتاح مُرتبكة وعشوائية، وأنه مُعدّ بمنتهى الضحالة والخفة والاستخفاف. أسوأ ما في الليلة العرض الافتتاحي الذي أنجزه المخرج المسرحي خالد جلال مُستعينًا بدارسي التمثيل في مركز الإبداع الفني. أكثر من نصف الساعة من الملل والخواء والفقر البصري والجمالي. وللمرة الألف يُثبت خالد جلال أنه محدود الخيال والقدرات، وأن الاحتفاء المبالغ فيه باسمه وأعماله عطيّة من لا يملك لمن لا يستحق.

استعان "جلال" بأكثر من خمسين شابًا وفتاة، وضعهم جلوسًا على كراسٍ بلاستيكية في صفوف وطوابير منتظمة، ووزّع عليهم مونولوجات من نصوص مسرحية عربية وأجنبية، ومقاطع غنائية بعدة لغات. كانت الصورة "ستاتيكية" حدّ الملل، الأداء رتيبًا وباهتًا، صوتيات المؤدّين للغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وحتى العربية مُترعة بالأخطاء والهِنَات، والأهم أنه لا رابط بين الاختيارات ولا منطق لهذه الصيغة إلا فكرة الكرنفالية والهروب المُتذاكي من إنجاز عمل حقيقي إلى سرقة الحضور بـ"الشو"، تمامًا كما اعتاد خالد جلال في كل أعماله. لا يؤكد الافتتاح شيئًا إلا أن خالد جلال مُغرم بالمجاميع والكُتل البشرية، وعاجز تمامًا عن توظيفهم، ويرى دائمًا في زحام الأجساد والنصوص والمؤثرات والإضاءة والاسكتشات المُفكّكة ثراءً لا يراه غيره، وهروبًا من جريمة لا يجهلها أحد سواه، في الوقت الذي تكون رائحتها على مسيرة شهر. ومحصّلتها "صفر كبير" منذ ضربة البداية في حدث كان يُفترض أن يكون كبيرًا فعلا، لو تولّاه الكبار.

رئيس المهرجان الدكتور سامح مهران كرّر كلمة متحفية لا تختلف كثيرًا عن كلمته في الدورة الماضية، وبها قدر من التقعّر والتوسّل بالتنظير والخطابات الكبرى، بصورة مُبتسرة لا تنقل فكرًا ولا تنظيرًا، وتُحمّل المهرجان وأجواءه أكثر ممّا يحتملان. أما الوزيرة فلم تُلقِ كلمة عن المهرجان أو للترحيب بالضيوف العرب والأجانب، خاصة أنها أول دورة تُعقد في ولايتها، قالت فقط "بسم الله نفتتح المهرجان". وجاءت فقرة المُكرميّن التي شهدت غياب عدد منهم، وتقديم أسماء غير موجودة في قاعة العرض، وتقديم سفير السنغال الذي كان غائبًا، ولا نعرف هل وُجّهت له الدعوة أصلاً أم لا؟ وكيف يكتشف المُنظّمون فجأة أن سفيرًا لدولة مهمة غير حاضر بالقاعة؟ هل استقبله أحدهم لدى وصوله وملّ الرجل من التأخير فرحل؟ أم لم يصل أصلاً وتعامل المُنظّمون مع اسمه بنفس الطريقة العشوائية والمهينة التي يتعاملون بها مع الصحفيين والمسرحيين والضيوف المصريين؟!

بحسب برنامج الافتتاح كان من فقرات الحفل تقديم عرض مسرحي سويسري، وعلى غير عادة هذه الأجواء أعلنت مقدمة الحفل عن استراحة 45 دقيقة لتجهيز المسرح، امتدت فعليًّا إلى 80 دقيقة تقريبًا. والمُفترَض في حفلات الافتتاح أن تكون الفواصل الزمنية مضغوطة لأقصى قدر ممكن، وفي ضوء هذه الأولوية يختار المُنظّمون العروض والفقرات التي تسمح بتحقيق انتقالات سهلة وسريعة، وتحتاج أقل وقت ممكن لتجهيز مساحة العرض. فهل اختارت إدارة المهرجان العرض السويسري للافتتاح دون معرفة أيّة معلومة عنه وعن احتياجاته الفنية واللوجستية؟ أم كانت تعرف وقرَّرت تفتيت جسد الحفل بفاصل بدأ بـ45 دقيقة وامتدّ إلى 80 دقيقة؟ ولماذا لم تعتذر للحضور عن هذا التأخير الطويل وغير المبرر؟!

على مستوى تجهيزات القاعة كان الصوت سيّئًا للغاية، توزيع الميكروفونات على خشبة المسرح، والهندسة الصوتية، وتوزيع السمّاعات ومستوى الصوت الخارج من أرجاء المسرح كلها كانت في غاية السوء. الإضاءة لم تكن جيّدة أيضًا، وبدا المسرح فقيرًا ومُشوّهًا ومُحاطًا بالضوضاء الصوتية والبصرية، حتى في التشكيلات البصرية التي حاول مُصمِّم ديكور الافتتاح أن يُقدِّم من خلالها صورة فخمة، جاءت فقيرة وعارية من الجمال تقريبًا.

بجانب هذه الارتباكات كان التعامل مع الصحفيين والإعلاميين في غاية السوء. منعت إدارة المهرجان كثيرين من الدخول بدعوى عدم حملهم دعوات أو حصولهم على تصاريح. وأهان بعضهم الصحفيين داخل قاعة العرض في أكثر من واقعة، إحدى مسؤولات التنظيم تشاجرت مع المصور عادل صبري (مصور النشرة الرسمية للمهرجان) واستدعت له الأمن وتطاولت عليه باللفظ خلال العرض السويسري. وتشاجر منسّق عام المهرجان المخرج عصام السيد مع فريق قناة النيل الثقافية التي كانت تنقل الافتتاح على الهواء بموجب دعوة رسمية وبوتوكول تعاون مع وزارة الثقافة، وحكى لي الشاعر والإعلامي سامح محجوب، رئيس التحرير بالقناة، أن عصام السيد أهانهم وتطاول عليهم و"تعامل بسوقية" بحسب لفظ محجوب، وخرج صوته على الهواء بعدما اعترض فريق العمل ووقف أمام الكاميرا. هناك وقائع أخرى خلاف الواقعتين المذكورتين، ولم تعتذر إدارة المهرجان أو تُوضّح الصورة أو تهتم بمظهر المهرجان ورؤية الضيوف لكل هذا الكم من التخبُّط والعشوائية.

مع كل التحلّي بالدبلوماسية والهدوء والانحياز للفن والمسرح والجمال، وبكل حدث فني جديد في مصر التي يليق بها كل جميل، لا يُمكن القول إن مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي حظى بافتتاح جيّد، أو إنه يحظي بإدارة جيدة. الأخطاء نفسها التي حدثت في العام الماضي تتكرَّر هذا العام، والإدارة واحدة. يبدو أن الأمر يحتاج تدخُّلاً من الوزيرة إيناس عبد الدايم، ليس فقط إنقاذًا للمهرجان وفن المسرح من قبضة هذه الشلّة المُخلصة للعشوائية والارتجال وتبديد الطاقة وإراقة كل جميل، ولكن إنقاذًا لسُمعة مصر وأحد أهم فعالياتها الثقافية، أو هكذا يُفترض أن تكون.. أتصوّر أنّ على إدارة المهرجان الاعتذار عن سوءات الافتتاح، وعن إهانة كثيرين من الضيوف، وعن التأخير وإضاعة الوقت، وعن سوء التجهيزات الفنية، وعن عرض خالد جلال، والأهم أن تعتذر عن البقاء في موقعها. فالرحيل قد يكون خيرًا لهم ولنا وللمهرجان والمسرح بشكل عام.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق