مارك يقتل نصف سكان فيس بوك.. هل يستعد العالم لجيل جديد من تقنيات الاتصال؟

الخميس، 13 سبتمبر 2018 08:00 م
مارك يقتل نصف سكان فيس بوك.. هل يستعد العالم لجيل جديد من تقنيات الاتصال؟
مواقع التواصل الاجتماعي بين الاختراق والممارسات غير القانونية
حازم حسين

هل تكفي خمس عشرة سنة للوصول إلى الشيخوخة الكاملة؟ بعيدا عن طبيعة الحياة وقوانين البيولوجيا التي تقطع بأن هذه الفترة لا تكفي للنضج، يبدو أن قوانين التكنولوجيا والواقع ذي الإيقاع المتسارع لها رأي آخر.
 
قبل أربع عشرة سنة وعدّة شهور وضع مارك زوكربيرج وعدد من أصدقائه اللَبِنَة الأولى في بناء كان مُقدّرًا له أن يعلو ويتطاول في السنوات التالية، ليصبح جدارا ضخما يزحم السياق الاجتماعي على امتداد العالم. بدأ "فيس بوك" كمنصّة للتواصل بين الأفراد في حيز ضيق خلال فبراير 2004، وتوسّع سريعا خارج نطاق الولايات المتحدة، ليكتسب حضورا وتأثيرا كبيرين، كانت أبرز مظاهرهما الدور الذي لعبه الموقع في ثورات الربيع العربي التي شهدتها عدّة دول عربية بين أواخر 2010 وأوائل 2011.
 
Instagram
إنستجرام
 
الموجة التي أطلقها مارك زوكربيرج ومنصّته أصبحت لاحقا "تسونامي" جارف المدّ، بانطلاق عشرات من المواقع والشبكات والتطبيقات التي نوّعت في آليات التواصل والتشبيك بين الأفراد والمؤسسات، وركّز بعضها اهتمامه على نوعيات محددة من المحتوى أو الرسائل. لكن كانت المُحصّلة أن السنوات الأربع عشرة التالية لتأسيس "فيس بوك" أصبحت سنوات الإعلام الاجتماعي بامتياز. قبل أن تظهر علامات الشيخوخة المبكرة.
 

جثث تصعد فوق جثث
 
يبدو تاريخ الإنترنت طويلا نسبيا، بالنظر إلى انطلاقها بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي كشبكة داخلية في وزارة الدفاع الأمريكية. وقتها افترضت البنتاجون اندلاع حرب نووية ضخمة، ورأت أن الخسائر المحتملة لهذه الحرب سيرتبط حجمها وتأثيرها بمدى تأثر شبكة الاتصالات العسكرية وقدرة أجنحة المؤسسة على التواصل. وفي ضوء هذه الرؤية بدأ العمل الجاد لإيجاد آلية اتصال دائمة وواسعة النطاق، فكانت الإنترنت، التي أخذت في التطور والتمدّد إلى أن خرجت للعلن.
 
رغم هذا التاريخ الذي يبدو بعيدا، إذ يُغطي أكثر من جيلين كاملين، فإن الطفرة التي شهدتها الإنترنت لم تتحقق إلا مطلع التسعينيات. كانت فترة الثمانينيات قد شهدت تضخم شبكات الاتصال الداخلية والبينية بين المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية، لكن في العام 1991 بدأ ظهور اصطلاح world wide web الذي عُرف اختصارا بـ(WWW) التي تشير إلى الشبكة العنكبوتية على امتداد العالم. في فترة تالية بدأ ظهور خدمات البريد الإلكتروني كآلية حديثة ومتطورة للتواصل، واستمرّ نمو تقنيات الاتصال وتعزيز كفاءتها بغرض تشبيك الأفراد وخلق مجموعات اجتماعية متداخلة، حسب الاهتمامات أو الدوائر المتقاطعة، بدءا من المجموعات البريدية، ثم المنتديات، فالمدونات والمواقع الشخصية، وصولا إلى مواقع التواصل المفتوحة.
 
twitter-600x250
موقع بلوجر للمدونات
 
في كل مرحلة من مراحل التطوّر كانت تصعد تقنية جديدة على جُثة تقنية قديمة، ونتيجة طبيعة فضاء الإنترنت وما توفره من إمكانات اتصال وتشبيك واسعة المدى، كان من السهل رؤية الموت المستقبلي في عُمق التقنية الوليدة، وكأن الحلقات المتتابعة أشبه بجثة تصعد فوق جثة. وطوال الوقت ظلّت تطلعات المستخدمين ونهمهم المتنامي لمزيد من الاتصال الواسع والكفء والسريع، الوقود الذي يُحرق التقنيات ويُولّد الطاقة اللازمة لإيجاد تقنيات جديدة. سقطت مركزية المجموعات البريدية المُحددة بإدارة مركزية واتصال مُقنّن نوعا ما، تحت حذاء المنتديات التي وفّرت مساحة اجتماعية تفاعلية أكثر انفتاحا، وسقطت المنتديات أمام الزحف الواسع للمدونات بما سمحت به من آليات تدشين منصّات إعلامية خاصة تتشابك وترتبط مع غيرها عبر شبكات عنقودية تتوفّر فيها فلسفة المنتديات وتستفيد من تقنية المجموعات البريدية، وسقط كل هذا تحت سنابك وحوافر وعجلات مواقع التواصل الاجتماعي، التي نقلت الواقع بكل تفاصيله وتعقيداته وخطوط اتصاله إلى الفضاء الافتراضي، موفّرة حيّزًا غير مسبوق للاتصال الدائم والتواصل مُتعدّد الأقطاب.. لكن قانون الجثة فوق الجثة يظل تهديدًا قائما طوال الوقت لأحدث آليات التواصل، ويصبح التهديد حقيقيًّا ومُرعبًا مع قصور أنظمة هذه الآليات عن استيعاب تطوّرات الواقع الحقيقي وثغراته. هكذا تُطلّ الشيخوخة برأسها، ويتّسع البرواز لاستقبال جثة جديدة.
 

فيس بوك والعودة للمربع صفر
 
لم تكن الأمور مثالية منذ انطلاق فيس بوك قبل أربع عشرة سنة وعدّة شهور، لكن حداثة التجربة وقلّة عدد المستخدمين في السنوات الأولى، سمحتا للشركة الناشئة بقدر من السيطرة على الفضاء التواصلي للمنصّة المفتوحة، وكبح جماح نوعيات من المستخدمين والمحتوى لا تبدو مثالية أو ملتزمة بالمعايير الإنسانية والقانونية. يمكن القول أيضا إن نمو النشاط غير القانوني عبر الإنترنت كان محدودا نوعا ما، ولم تظهر المشكلة إلا مع دخول عشرات الملايين من المستخدمين للشبكة، وتغطية كل المجتمعات بتعدّد مستوياتها الاقتصادية والثقافية، وتعدد تجاوزاتها ومشكلاتها القانونية أيضا.
 
منذ العام 2010 بدا واضحا أن "فيس بوك" آخذ في النمو بصورة متسارعة، وبدرجة ستقود بالضرورة إلى أن يُصبح المنصّة الأكثر انتشارا وتأثيرا. تطور الأمر وأصبح "فيس بوك" مهيمنا وحيدا على فضاء الاتصال الاجتماعي متعدد الأقطاب، وظلت مشكلاته قائمة وآخذة في النمو أيضا، لكنها لم تخرج للعلن، أو بالأحرى لم تواجه موقفا قانونيا ضاغطا إلا بتورط الموقع في أمور تخص سلامة البيئة الأمنية والسياسية في الداخل الأمريكي/ بلد المنشأ. وقتها وجد "فيس بوك" نفسه في مواجهة المأزق المؤجل منذ سنوات.
 
 
url
فيس بوك
 
في خريف العام 2016 كانت الولايات المتحدة تستعد للانتخابات الرئاسية. كانت النُخب الأمريكية ومنصات الإعلام التقليدي تحشد في اتجاه تعزيز موقف الديمقراطية هيلاري كلينتون في مواجهة الجمهوري دونالد ترامب، بينما استند الأخير إلى حساب في "تويتر" وعدّة تغريدات يومية. حدثت المفاجأة وفاز ترامب في الانتخابات، وكان هذا الفوز بداية الأزمة الحقيقية. وقتها تفجرت فضيحة ضخمة حول تلاعب جهات خارجية في الانتخابات، ومع توالي الضغوط وتعقد الموقف اعترفت إدارة "فيس بوك" بأن رسائل إعلانية ممولة بشأن الانتخابات وصلت إلى ملايين الأمريكيين من خلال صفحات وحسابات عبر الموقع، وبدأت رحلة تحقيق طويلة.
 
twasul
الكونجرس الأمريكي
 
التحقيقات التي خضعت لها إدارة "فيس بوك" شملت اتهامات عدّة، بين خرق قوانين النشر والتغاضي عن تأمين المستخدمين. في جلسة استماع أمام الكونجرس الأمريكي قال مؤسس الموقع ومديره التنفيذي مارك زوكربيرج إن "فيس بوك" منصّة نشر أقرب إلى المنصات الصحفية، ومن ثمّ فإنها مسؤولة عن المحتوى وغير مسؤولة عن الثغرات الأمنية أو المخاطر التي يواجهها المستخدمون. على العكس من هذا الموقف قال محامون تابعون للمؤسسة أمام إحدى المحاكم الأمريكية إن "فيس بوك" شبكة تقنية وليست منصة نشر، ومن ثمّ فإنها مسؤولة عن خدمات الاتصال وتأمين المستخدمين وليست مسؤولة عن المحتوى. وبين الموقفين المتضاربين يبدو أن الشبكة العالمية تواجه مأزقا حقيقيا.
 
المرأة-في-انتخابات-الرئاسة-الأمريكية
الانتخابات الرئاسية الأمريكية
 
غسيل الأيدي بدماء المستخدمين
 
مشكلات المحتوى المشبوه أو المخترق للقانون، والحسابات المزيفة وغير محدّدة الهوية، تسببت في ضغوط حادة على المنصات الكبرى، اضطرتها إلى التخلي طواعية عن ملايين المستخدمين، وبعيدا عن إيجابية الخطوة كمحاولة جادة لفرز شبكات المستخدمين وتدفقات المحتوى، فإنها تُمثّل اعترافا مباشرا بقصور آليات المراقبة والتتبع، وتوفّر ثغرات سهلة تسمح للقراصنة ومُروّجي المحتوى المشبوه بالوجود والعمل.
 
سعيا للتخلص من هذه التهمة وغسيل الأيدي ولو بدماء المستخدمين، بدأ موقع التغريدات القصيرة "تويتر" تنقية لائحة مستخدميه في الفترة الماضية، وعلى مدى شهور حذف الموقع قرابة 70 مليون حساب بنسبة 20% من إجمالي مستخدميه البالغ عددهم 350 مليونا في أبريل الماضي. وعلى الطريق نفسها سارت إدارة "فيس بوك" التي أعلنت مؤخرا حذف مليار و270 مليون حساب بنسبة 57.7% من إجمالي مستخدميه البالغ عددهم 2.2 مليار في أبريل الماضي. الرقمان يؤكدان وجود مشكلة حقيقية وكبيرة، لكن النظر في نسبة الحسابات المزيفة لدى "فيس بوك" من إجمالي عدد المستخدمين، تقطع بأن آلية بناء الموقع وتقنياته الأمنية ربما لا تكون آمنة بالشكل الكافي، وبالتأكيد فإن الاختراقات وازدياد الحسابات المزيفة وهيمنة المحتوى المشبوه كلها أمور مُرشّحة للتكرار، في ضوء الخلل الهيكلي في المنظومة الفنية والتقنية للشبكة.
 
1020421229
 
موقع techviral التقني الأمريكي نقل عن شيريل ساندبرج، المدير بشركة "فيس بوك"، قولها في جلسة استماع أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، إن حذف الحسابات المزيفة التي يبلغ عددها 1.27 مليار حساب جرى عبر مراجعة يدوية مباشرة، بجانب الاستناد إلى حزمة آليات تقنية مُعزّزة بالذكاء الاصطناعي وخوارزميات الموقع. مشيرة إلى أن 20 ألف موظف راجعوا تقارير بأكثر من 50 لغة، وعبر هذه التقارير توصلوا لملايين الحسابات الوهمية التي استغل مُطلقوها النظام الأساسي للموقع في ترويج محتوى مزيف وأخبار مغلوطة ومعلومات مشوّهة. وتضمن الحديث أيضا الإشارة إلى إزالة 836 مليون رسالة بريد عشوائي في الشهور الثلاثة الأولى من 2018، إضافة إلى تتبع عشرات الجهات السيئة أو مزيفة الهوية التي تنشط في ترويج المحتوى المغلوط أو مهاجمة الأفراد والشبكات.
 
بجانب هذه الحقائق الصادمة حول المستخدمين ونوعيات المحتوى في فيس بوك، أظهرت الإحصاءات الحديثة أن مُعدّل بقاء الأفراد في "فيس بوك" انخفض بنسبة 7% قياسا على 2017، وقال موقع "بيزنس إنسايدر" البريطاني في تقرير له، إن "حصة فيس بوك من الاستهلاك الرقمي بلغت 15.2% مقابل 16.9% في الفترة نفسها من العام الماضي". وذكر موقع Axios نقلا عن دراسة حديثة، أن 15% فقط من المراهقين بين 13 و17 سنة قالوا إنهم يفضلون "فيس بوك"، انخفاضا من 68% من الفئة نفسها قبل 6 سنوات، ما يؤكد ابتعاد فئات عديدة من المستخدمين عن "فيس بوك" لصالح المنافسين الآخرين. لكن المفارقة أنه رغم هذه الأرقام غير الإيجابية، أشار التقرير نفسه إلى أن الشبكة ستقتنص 23% من حصيلة الإعلانات الرقمية الأمريكية في 2018، وهو ما يفوق حصتها في وقت المستخدمين ونشاطهم عبر الإنترنت بنسبة كبيرة.
 

الحصار يبدأ من أوروبا
 
المشكلات التي تواجهها شركات التقنية ومنصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة تبدو ضاغطة للغاية، خاصة مع وصولها للكونجرس والمحاكم الأمريكية، لكنها لم تؤثر حتى الآن في عمليات هذه المنصات واقتصادياتها. ربما يتطور الأمر في الشهور المقبلة باتجاه اختناق حقيقي وخسائر فادحة، لكن حتى الآن يأتي التهديد الأكبر من أوروبا.
 
في الشهور الماضية اتخذت مؤسسات أوروبية عديدة قرارات حاسمة باتجاه منصات اتصال وشركات تقنية كبرى، طال الأمر جوجل وأبل وفيس بوك وغيرها، وفي السياق ذاته هدد الاتحاد الأوروبي مؤخرا باتخاذ إجراءات قاسية تجاه مواقع التواصل التي لا تزيل المحتوى المتطرف والداعي للكراهية خلال ساعة. وبحسب جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، فإن مؤسسات الوحدة قد تتجه لفرض غرامات مالية ضخمة على جوجل وفيس بوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من شركات التقنية، بنسب تصل إلى 4% من مبيعاتها السنوية، حال فشلها في الالتزام بهذه القواعد أو استمرارها في مخالفتها.
 
5b6f434bd43750db088b45b9
الاتحاد الأوروبي
 
الرسالة الجديدة ليست الأولى من الاتحاد الأوروبي لشركات التكنولوجيا المُشغّلة للمنصات الكبرى، ففي خطابه السنوي أمام البرلمان الأوروبي قال يونكر إن "المفوضية سبق أن حذرت هذه الشركات في مارس". وحال موافقة البرلمان ودول الاتحاد الأوروبي على الاقتراح الجديد فإن منصات التواصل الاجتماعي ستكون مُلزمة بحذف المحتوى المتطرف والذي يحض على الكراهية أو يُبلغ عنه المستخدمون خلال ساعة واحدة، بجانب تشديد الرقابة البشرية المباشرة، وحال عدم الالتزام فإنها قد تواجه عقوبات مالية مُشدّدة. هذه الخطوة سبقها إقرار ألمانيا لقانون يقضي بتغريم منصات التواصل قرابة 58 مليون دولار حال عدم إزالة المحتوى المروج للكراهية خلال 24 ساعة، أو أسبوع على الأكثر في الحالات المعقدة. ما يُعني أن القانون الأوروبي المرتقب سيكون أكثر تشدّدًا تجاه مواقع التواصل، وبالضرورة ستكون كل الخطوات التالية مستقبلا بمثابة تصعيد في الحدّة.
 
تفاصيل القواعد الجديدة لحقوق النشر التي أقرها مجلس الاتحاد الأوروبي مؤخرا، وتنتظر موافقة البرلمان الأوروبي، تُجبر الشركات المُشغّلة لمنصات التواصل على مراقبة المحتوى المنشور من خلالها، والتحقق من انتهاك الملكية الفكرية وحقوق النشر، حسبما استعرض موقع "إندبندنت" البريطاني عن المادتين 11 و13 من القواعد الجديدة. وقال الموقع إن هذه القواعد حال إقرارها قد تؤكدي إلى حظر "الميمز" - عبارة عن تصميمات ساخرة على صور شهيرة أو مشاهد من أعمال فنية - إضافة إلى إجبار المنصات الإخبارية على استخدام عناوينها الأصلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
 
بجانب هذا الحصار تواجه جوجل تحقيقا موسّعا في ولاية أريزونا الأمريكية، حسبما نشرت صحيفة "واشنطن بوست"، وذلك بشأن انتقادات موجهة لسياسة الشركة المُشغّلة لأكبر محرك بحث عبر الإنترنت إضافة إلى نظام "أندرويد" للهواتف الذكية، الأوسع انتشارا في العالم، فيما يخص تتبع المستخدمين ومواقعهم الجغرافية. وكالة أسوشيتدبرس قالت في تحقيق أجرته خلال أغسطس، إن جوجل تتبع مستخدمي أندرويد من خلال هواتفهم، وتجمع بيانات عن مواقعهم الجغرافية وتحتفظ بها حتى حال إيقاف المستخدمين لخدمة تحديد الموقع، وأشارت الوكالة إلى أن "جوجل" تستخدم هذه المعلومات في الوصول إلى العملاء المستهدفين بإعلانات الشركات عبر منصاتها المختلفة، سواء في محرك البحث أو يوتيوب وغيرهما من الخدمات.
 
1016213940
جوجل
 
في الوقت نفسه تواجه جوجل مشكلة أخرى لا تقل حدّة في أوروبا، تدور حول قانون خصوصية الاتحاد الأوروبي. هذا القانون يسمح للمواطنين بمطالبة محرك البحث الشهير بإزالة النتائج التي تشير لمعلومات ضارة أو مُحرجة من صفحاته. وبحسب موقع "ديلي ميل" البريطاني فإن هذا الأمر يشمل الإدانة الجنائية وقضايا الإفلاس والحوادث الخطيرة والماسّة بالسُمعة. في الوقت الحالي يدور صراع في فرنسا بسبب مطالبة الأخيرة للشركة بتمديد هذا الأمر الذي يُعرف في القانون بـ"حق النسيان" ليشمل كل دول العالم. من جانبها ترفض إدارة جوجل الأمر مُدّعية أن "الأمر سيشجع دولا أخرى أقل ديمقراطية على فرض قيمها على الناس في بقية العالم" بحسب تعبير كينت ووكر، مستشار جوجل العام، بينما من المقرر أن يشهد الأمر جولة قانونية قريبة أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي فى لوكسمبرج.
 
 
توظيف الأمان في انتهاك الأمن
 
تطبيق واتساب المملوك لشركة "فيس بوك" يواجه مشكلات من نوع آخر. ففي الوقت الذي ينجو فيه التطبيق من الملاحظات المسجلة على مواقع التواصل الاجتماعي وما تتضمنه من خطابات عدائية أو خارجة على القانون، بتركيزه على المراسلة الفورية بين الأفراد أو المجموعات محدودة العدد، تبرز ثغرات وضغوط مختلفة عمّا تواجهه منصات السوشيال ميديا، لكنها لا تقل عنها في الأثر والتهديد.
 
1027353455
تطبيق واتساب للمراسلة 
 
الرهان الذي تعتمده تطبيقات التراسل والتشبيك الاجتماعي بين الأفراد والمجموعات، يتأسس على توفير حيّز كفء ولحظي للاتصال، وتأمين هذا الحيّز من التتبع والمراقبة والاختراق. وفق هذا المنطق أطلق واتساب آلية التشفير من طرف لطرف قبل شهور، بما يضمن عدم اختراق أي محادثة بين فردين أو مجموعة من الأفراد، لكن هذا الأمر لم يُعجب الأجهزة الأمنية في عدد من الدول، خاصة الولايات المتحدة، في ضوء استخدام كثير من المجموعات الإرهابية والخارجين على القانون للتطبيق في التواصل وتأمين المعلومات وخطوط الاتصال وترتيبات التحركات والعمليات، والأمر نفسه يحدث عبر تطبيق تليجرام وعدد آخر من التطبيقات، ما يضع الشركات المُشغّلة لهذه التطبيقات في مأزق كبير، وصراع بين اكتساب ثقة العملاء وتوفير بيئة اتصال آمنة، وفي الوقت نفسه حقيقة أن هذه البيئة الآمنة يجري توظيفها من عناصر خطرة لتهديد أمن العالم بكامله.
 
شركة أبل المُصنّعة لهواتف آيفون الشهيرة واجهت مشكلات شبيهة من قبل، في ضوء ما توفره لعملائها من خدمات اتصال مُؤمَّنة، سواء عبر خوادمها الخاصة التي لا يسهل الوصول إليها، أو عبر بعض التطبيقات المُشفّرة مثل "فيس تايم" للمحادثات الصوتية، وهو ما دفع الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وعدد من الأجهزة الأمنية الأمريكية للضغط على الشركة لتوفير بعض المعلومات عن العملاء والمستخدمين الخطيرين أو الموضوعين على لوائح المطلوبين. من جانبها ماطلت الشركة ورفضت الاستجابة، لكن هذا الرفض لم يُغلق الملف، ولم يُنه قائمة المخاطر الطويلة التي تتسبب فيها تقنيات الاتصال وخدمات المنصات والشركات الكبرى.
 
ربما في ضوء هذه الملاحظات والضغوط، أعلن تطبيق واتساب الشهير عن اعتزامه إطلاق تحديث جديد لخدمته. وقال موقع "ميرور" البريطاني في تقرير عن الأمر إن التحديث المرتقب سيُجبر المستخدمين على وضع نسخة احتياطية من محتوى حساباتهم على "جوجل درايف" لتخزين المعلومات، والبديل عن هذا الإجراء حذف المحتوى كاملا بصورة نهائية، يُضاف لهذا أن تجاهل المحتوى المُخزّن وعدم تصفحه لمدة سنة كاملة سيكون بمثابة موافقة من المستخدم على حذفه نهائيا. ورغم أن نسخة "جوجل درايف" احتياطية وعبر تطبيق آخر، فإنه عند حذف تطبيق واتساب قد يفقد المستخدم نسبة كبيرة من محتواه، خاصة الصور ومقاطع الفيديو.
 
بحسب المتوفر عن التحديث المُقرر إطلاقه في نوفمبر المقبل، فإن النسخة الاحتياطية التي سيكون المستخدم مجبرًا على الاحتفاظ بها عبر (Google Drive) لن يتوفر لها تأمين النسخة الأساسية عبر التطبيق وفق تقنية من طرف لطرف (End to end). هذا الأمر يُعني أنه بإمكان جوجل الوصول إلى بيانات مستخدمي واتساب البالغ عددهم 1.5 مليار يتبادلون قرابة 365 مليار رسالة مكتوبة وصوتية وصورة ومقطع فيديو يوميا. وفي ضوء الملاحظات حول أداء جوجل وغيرها من محركات البحث، فيما يخص جمع بيانات المستخدمين وتوظيفها في توجيه المحتوى الإعلاني أو تعزيز قدرات الشركات الكبرى على الوصول لعملائها المستهدفين، لا يبدو الأمر آمنا. وربما لا تتوقف المخاطر عند قدرة الشركات الكبرى على النفاذ لهذه الكميات الضخمة من المعلومات، فقابلية الوصول في حدّ ذاتها تُعني أن هذه البيانات قد تُصبح بسهولة في حوزة أطراف أخرى، أمنية أو خارجة على القانون، وأن الأمر يحتمل القلق الجاد من جانب المستخدمين، وربما من جانب الدول ومسؤوليها أيضا، الذين ستكون محادثاتهم ورسائلهم اليومية عُرضة للاختراق أيضا.
 
 
مهلة جديدة.. أم تقنيات جديدة؟
 
لن تتوقف الملاحظات المُسجّلة على مواقع التواصل وشركات التقنية الكبرى. التوسع المتنامي في خدمات الاتصال واقتصادياتها، ودخول ملايين المستخدمين على الخط بشكل يومي، مع تعزيز حالة التشبيك بين الأفراد والجماعات، وتعقد هذه الشبكات وتداخلها، تدفع كلها في اتجاه الإزاحة المستمرة بالصورة التي تنقل تجاوزات الواقع الطبيعي وأمراضه لفضاء الواقع الاجتماعي. هذا الأمر يُعني أن موجة الانفلات قد تتجه للتوسّع لا الانحسار، بينما لا يبدو أن الأطر القانونية المتاحة، وحدود التنسيق بين الدول والمؤسسات العالمية وجهات تفعيل القانون في الواقع كافية للسيطرة على هذا الانفلات. ربما يتمثّل الحل السريع والمرحلي في كبح جماح النمو المتسارع للشبكات القائمة، وإلزامها بضوابط تحدّ من الحضور المشبوه عبر منصّاتها، وتحاصر المحتوى المُحمّل بمخاطر ثقافية وأمنية، والمخترق لمُحددات القانون الدولي والتشريعات المحلية في كثير من الدول. هذا الأمر يُعني تقلّصًا محتملا في نمو الشبكات القائمة، وقد يتطور الأمر باتجاه الانكماش، ما يُوفّر فرصًا إيجابية لبزوغ منصات جديدة.
 
net-design-2
المنتديات الإلكترونية
 
الهامش الحرّ الذي قد توفّره حالة الاهتزاز في المنصات والشركات القائمة، لن يُفضي إلى إطلاق شبكات جديدة فقط، فمن غير المتوقع أن يدخل لاعبون جدد لسوق الاتصال الاجتماعي بالآليات نفسها. يرجع هذا إلى أسباب عدّة، أبرزها أن اقتصاديات السوق في حالتها الراهنة لا تسمح بمنافسة ناشئين جدد للشبكات الراسخة تقنيًّا وماليًّا، كما أن اتجاهات المُستخدمين لن تتغير لمجرد توفر بيئة جديدة تبدو خالية من عيوب وثغرات البيئات القائمة، ما لم يُوفّر الوافدون الجدد مزايا وإمكانات تقنية واتصالية أكثر تطوّرًا وتعزيزًا لتجربة الاتصال الاجتماعي مُتعدّد الأقطاب، ومُتعدّد الدوائر والقنوات، بالشكل الذي يمتلك قدرات تنافسية فيما يخص تجربة الاتصال واستغلال الوقت والحصول على حزمة خدمات شاملة ومترابطة عبر قناة واحدة.
 
التصور السابق قد يقود في الفترة المقبلة إلى بزوغ منصّات تقنية مُدمجة، يتعانق فيها المعرفي والإخباري مع التواصلي والتجاري والترفيهي. لن يكون الأمر شبيها بمنصّة أمازون للتجارة الإلكترونية، ولا "فيس بوك" للتواصل الاجتماعي التفاعلي، ولا "تويتر" لإبداء الرأي وتبادل المواقف والمعلومات في حيّز مضغوط، ولا "يوتيوب" في عرض المحتوى البصري في تجارب تليفزيونية حرّة، ولا مواقع الصحف والمجلات وقنوات التليفزيون والتطبيقات الإخبارية، ولا حتى تطبيقات مشاركة الصور والتراسل الفوري والمحادثات الشخصية والاتصال الصوتي والمرئي. ربما تتعانق كل هذه الأمور في منصّة واحدة/ منصات متنافسة، بالصورة التي تُعزّز فكرة الإقامة المستقرة أو طويلة المدى للمستخدم، بعيدا عن التنقلات السريعة والعشوائية. الأمر سينعكس على بيئة الإنترنت بشكل كامل وعلى اقتصاديات صناعة المحتوى وترويجه، وقد يؤدي إلى اندثار ملايين المواقع، وتحلّل مؤسسات وشركات ومنصّات إعلامية وترفيهية كثيرة، لكنه في الوقت نفسه لن يتأسّس وفق علاقات الملكية القائمة حاليا. قد يكون الأمر أقرب إلى الشركات متعددة الشركاء والمساهمين، تتدفق فيها العوائد في مسارات عديدة متوازية ومتداخلة، بدلا من آلية التكتلات الكبرى التي تتوجه عوائدها في اتجاه واحد.
 
ما زال الباب مفتوحا لضبط الأوضاع في المنصات القائمة، وبالتأكيد ستعمل فيس بوك وتويتر وجوجل وأبل وغيرها على سدّ الثغرات، وتوفيق أوضاعها وفق المنظومات القانونية الدولية والمحلية في أنحاء العالم. هذا الاحتمال يمنح الشركات المسيطرة على فضاء التواصل مهلة زمنية للوجود والتوسع وتطوير خدماتها، لكنها ستظل محتفظة بثغراتها الهيكلية التي تسمح بتمدّد المحتوى والمستخدمين غير المرحّب بهم، ما سيضطرها لعملية هيكلة أخرى قريبة، وستتكرر الخروقات وتتكرر الهيكلة. ومع تعدد هذه العملية قد تنتهي المهلة، في ظل حاجة المستخدمين الباحثة عن الإشباع لتقنيات أكثر أمانا ونضجا، وحتى حاجة الخارجين على القانون لفضاءات أخرى أكثر احتمالا لتطوّر آليات اختراق البناء الأمني الآخذ في النمو. وهذه الحالة من الشدّ والجذب والتقدم والتراجع قد توفر البيئة المناسبة لانطلاق جيل جديد من الشركات والمواقع وتقنيات الاتصال والتشبيك الاجتماعي.
 
في كل الأحوال لن تكون السنوات الأربع عشرة المقبلة كسابقتها. الأمور في المدى المنظور ستتغير تماما عمّا سارت عليه قاطرة التكنولوجيا بين إطلاق فيس بوك في 2004، ومأزق الشبكة الأشهر والأوسع انتشارا الآن، المأزق الذي ينتقل للشركاء والمحيطين في بيئة العمل والمنافسة التي تسير وفق الآليات نفسها.. هذا الأمر يُرجّح أننا قد نكون بصدد جيل جديد من "السوشيال ميديا"، وربما علينا البحث منذ الآن عن الجثة الجديدة التي ستصعد على رفات هذا التطور المُنتَظَر.
اعترفت شبكة التواصل الاجتماعى "فيس بوك" بأنها اضطرت لحذف ما يصل إلى 1.27 مليار حساب وهمى خلال 6 أشهر فى الفترة من أكتوبر 2017 إلى مارس 2018، وفقا لما قالته شيريل ساندبرج المدير الحالى لفيس بوك فى جلسة الاستماع أمام لجنة الاستخبارات فى مجلس الشيوخ الأمريكى.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق