«الميثاق الملي».. مؤامرة تركيا لاحتلال العراق وسوريا واليونان

الثلاثاء، 22 يناير 2019 09:00 ص
«الميثاق الملي».. مؤامرة تركيا لاحتلال العراق وسوريا واليونان
رجب طيب أردوغان- الرئيس التركي
أمل غريب

 

يظل حلم الأتراك بعودة الخلافة العثمانية، هو المسيطر على عقل رجب طيب أردوغان، الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة لتحقيق حلم أجداده في قصور السلطنة العثمانية قبل سقوطهم المروع منذ 100 عام، مستخدما شتى الوسائل القذرة لتحقيق حلمه الزائف على حساب أمن وأمان ومستقبل جيرانه في البلدان العربية التي لم يشبع اجداده من نهبها وسلبها قديما، ويسيل لعابه لاستنزافها واحتلالها مجددا، متعللً بشتى الذرائع، حتى ولو كانت ورقة اجداد البالية المعروفة باسم «الميثاق الملي».

تشكلت حملة عسكرية مشتركة لتحرير الموصل من أيدي تنظيم داعش الإرهابي في أكتوبر 2016، ضمت قوات من الجيشين العراقي والأميركي، علاوة على ميليشيات مسلحة من الحشد الشعبي وعناصر البشمرجة الكردية، واستبعدت بغداد أي محاولات لضم تركيا في هذا التحالف، التي كانت تصر في ذلك الوقت على المشاركة بشكل مريب، مما جعل رئيس الحكومة العراقية السابق حيدر العبادي، لتلك المشاركة، وأعلن وقتها الأسباب الحقيقية وراء الإصرار التركي على المشاركة في تحرير الموصل، معلنا على الملأ سعي انقرة لاحتلال شمال العراق، وأن وجودها العسكري يهدد بإشعال حرب إقليمية، كما طالب حلف الناتو بإجبار تركيا على سحب قواتها من العراق، وتقدم بطلب لمجلس الأمن لعقد جلسة عاجلة لمناقشة التدخل التركي في الشأن العراقي الداخلي، مؤكدا تصدي حكومة بلاده  بغداد للأطماع التركية بكل حزم.

يسعى الرئيس التركي رجب أردوغان لتأكيد مزاعم بلاده بحقها التاريخي في شمال العراق، بكذبة جديدة بناء على فرية «ملي ميثاق» أو كما هي معروفة عربيا بـ «الميثاق الملي»، الذي كان محور حديثه خلال مؤتمر القانون الدولي الذي عقد في إسطنبول، وزعم استحالة بقاء تركيا خارج مسألة الموصل، وقال: «أنقرة ستشارك في تحرير الموصل، وأي محادثات مستقبلية بشأن المدينة ستكون بمشاركة تركية، ففي الموصل التاريخ يكذب علينا وإذا رغب السادة الأفاضل -الحكومة العراقية- في التحقق من ذلك، فعليهم قراءة الميثاق الملي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا» .

لم تجد تصريحات أردوغان، أي صدى لدى قوات تحالف تحرير الموصل، وصرح قائد العمليات الأميركية المشاركة الجنرال ستيفن تاونسيند، بأن تشكيل الحملة العسكرية بالكامل، تم بقوة عراقية فقط دون وجود تركي، الأمر الذي استمر حتى تحرير المدينة في العام التالي، في حين ظل اسم «الميثاق الملي» هو مفتاح اللغز الذي حل تحركات تركيا العدوانية المتزايدة في العراق وسوريا، وبكل إصرار ووحشية، لكن لماذا؟

 

تبخرت الأحلام والنتيجة صفر

مُنيت الدولة العثمانية بهزيمة قاسية في الحرب العالمية الأولى، مما أجبرها على توقيع هدنة «مودروس» مع الحلفاء في 1918، كما أن غزو اليونان لمدينة إزمير التركية في 16 مايو 1919، أصدر قائد الجيش مصطفي كمال أتاتورك خطاب من مدينة أماسيا التركية في 22 يونيو من نفس العام، لتوضيح وضع تركيا واعترف أن وحدتها على المحك وأن الحكومة العثمانية في إسطنبول أصبحت ضعيفة وعاجزة.

بعد مرور عام، وتحديدا في 23 يوليو 1919، ترأس مصطفى أتاتورك المؤتمر الوطني الذي عقد بمدينة أرضروم، وقرر تشكيل حكومة جديدة بدلا من حكومة إسطنبول العثمانية، ثم عقد بسيواس مؤتمرا في 4 سبتمبر من نفس العام، لإعلان تشكيل «جمعية الدفاع عن الأناضول والروم إيلي (تراقيا)»، أعقبها إعلانه اتخاذ أنقرة عاصمة للجمهورية التركية الجديدة.

انعقد البرلمان العثماني في 12 يناير 1920، وناقش خلال عدة جلسات، مستقبل الأتراك، ثم أعلن في 28 يناير، اتفاق «الميثاق الملي» الذي اتفقت مبادئه الـ 6 مع مؤتمرات أرضروم وسيواس، وهم:

تحديد ستقبل المناطق المحتلة ذات الأغلبية العربية في زمن توقيع اتفاقية مودروس، عن طريق استفتاء، واعتبار المناطق التي لم تتعرض للاحتلال وقت توقيع الهدنة وتسكنها غالبية تركي وضعية قارص وأردا خان وباطوم تحدد من خلال استفتاء. تحديد وضعية تراقيا الغربية من خلال تصويت سكانها. ضمان أمن إسطنبول وبحر مرمرة، وإشراف تركيا والبلدان الفاعلة، على التجارة الحرة والانتقالات في المضايق.ضمان حقوق الأقليات، حال ضمان حقوق الأقليات المسلمة في البلدان المجاورة. ضمان استقلال وحرية الدولة وإلغاء كل الالتزامات السياسية والقضائية والمالية على البلاد المسلمة، وطنا للأمة التركية، لضمان تطور تركيا في كل المجالات.

اعتبر أتاتورك ورفاقه من القوميين، أن بنود «الميثاق الملي» وضمان تنفيذ بنوده الـ 6، هو الأساس الذي يجب أن تبنى عليه تركيا الحديثة، وبناء على ذلك قرر رسم الخريطة الجديدة لبلاده، مما جعل الاتراك يعترفون بخسارة الولايات العربية المحتلة مع استثناء «إقليم كردستان، ومدن حلب، والموصل، وأجزاء من البلقان، والقوقاز» واعتبروهم جزءا من الدولة الوليدة.

أغضب إعلان الميثاق الملي، غضب الحلفاء، وهاجمت القوات اليونانية الخط الغربي من الأناضول في 3 مارس 1920، بينما احتل الحلفاء إسطنبول بعد أسبوعين فقط في 19 مارس، مما أجبر الحكومة العثمانية في إسطنبول، على التوقيع على معاهدة «سيفر» مع الحلفاء في 10 أغسطس 1920، تضمنت حدودا جديدة تخالف تلك التي أقرها الميثاق الملي، لا تتجاوز «منطقة الأناضول، وتراقيا الشرقية دون الغربية»، مع تقسيم الأقاليم العربية في سوريا والعراق بما فيها مدن حلب والموصل وكردستان العراقية والسورية بين إنجلترا وفرنسا.

قابل اتاتورك معاهدة سيفر بالرفض، وأعلن من «الجمعية الوطنية التركية» التي كان ألفها منذ أبريل 1920، عدم اعترافه بالحكومة العثمانية في إسطنبول، واتهمها بخيانة الميثاق الملي، وأصدر قرارا بتشكيل حكومة جديدة في أنقرة، وأعقب ذلك اندلاع حرب الاستقلال التركية اليونانية، بقيادة اتاتورك، انتهت باتصار تركيا في 11 أكتوبر 1922، مما جعله بطلا قوميا، ونالت حكومته في أنقرة اعترافا دوليا من خلال دعوة حكومتي أنقرة وإسطنبول إلى مفاوضات السلام الجديدة في مدينة لوزان جنوب سويسر.، فأعلن في نوفمبر 1922 إلغاء السلطنة العثمانية وحل حكومة إسطنبول، وأكد أن وفد أنقرة برئاسة عصمت إينونو، هو الممثل الوحيد للأتراك في لوزان.

ربط عصمت إينونو، في الجولة الأولى من المفاوضات من 21 نوفمبر 1922 إلى 4 فبراير 1923، توقيعه على المعاهدة بالموافقة على بنود الميثاق الملي، إلا أن الحلفاء رفضوا الأمر تماما في 31 يناير عام 1923، حينها أيقن أتاتورك أن التصلب حول شروط الميثاق الملي والخريطة الجديدة، سوف يشعل حرب لا طاقة للأتراك بها،ففضل التمسك بما حققه من مكاسب في حرب الاستقلال، وأمر إينونو بالتوقيع على المعاهدة بأي ثمن

 

في 23 أبريل 1923 بدأت الجولة الثانية من مفاوضات لوزان، انتهت بتوقيع الاتفاقية في 24 يوليو، ولم يقبل من الميثاق الملي سوى منح تركيا حكم مدينتي «قارص، وأردا خان»، وخرجت «باطوم» من السيادة التركية، التي أصبحت الأن عاصمة جمهورية ذاتية الحكم تدعى «أرجا» الواقعة جنوب جورجيا، فيما جرى رفض البندان الأول والثالث، حيث اعتبر الحلفاء، الأول بمثابة إصرار من جانمب تركيا على إنكار هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وخسارة كامل وجودها بالعالم العربي، وبالتالي أصبحت مسألة الاستفتاء خاوية من المعنى، أما الشق الثاني من نفس البند، الذي حاول الأتراك من خلاله الاستيلاء على الشمالي العراق وسوريا، بحجة خلوهما من أغلبية عربية، فإن المجتمعين في لوزان كانوا على دراية كاملة بسياسات «التتريك» الممنهجة التي اتبعتها العثمانيين تجاه تلك المناطق، منذ مطلع القرن العشرين، وتحديدا في «الموصل» التي حاول الأتراك الاستيلاء على ثروتها النفطية من خلال التأكيد على حق إثني تركماني فيها، فلاقى البند الثالث نفس مصير الرفض الذي لاقاه البند الأول، حيث جرت عملية تعداد للسكان في تراقيا الغربية، أثبتت أن العرق اليوناني يمثل الأغلبية في الإقليم بنسبة 63% مقابل 30% فقط للأتراك، مما دحض بيانات أنقرة الملفقة، الأمر الذي لم يتحول معه الميثاق الملي إلى واقع، وأعيدت بناء عليه الخريطة التركية إلى تلك التي رسمت في سيفر باستثناءات محدودة للغاية.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مخطط إردوغان لفرض هيمنة جديدة في المنطقة

يتعمد إردوغان، استدعاء جزء من التاريخ لتبرير واقع حالي، بالحديث عن الميثاق الملي، منذ استيلائه على السلطة في تركيا العام 2002، حيث يظهر قوميا أكثر من القوميين أنفسهم، وكلما وجد الفرصة مواتية أمامه، يعود إلى النقاط التي فقدها الأتراك في خريطة 1920، وما ترتب عليها من جعل تركيا دولة محددة الحجم والإمكانيات وفقا لمعاهدة لوزان.

لعب الحظ لعبته الكبرى مع إردوغان، ومنحت الفوضى الخلاقة التي زرعت في الشرق الأوسط عام 2011، وتبنيه جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية والفصائل المسلحة، الفرصة الكبرى في تحقيق حلم أجداده العثمانيين، علاوة على الأزمات المالية الخانقة التي شهدتها اليونان والوجود التركي في شمال قبرص، مما اعطاه فرصة أكبر لاستخدام وثيقة تاريخية ساقطة في أساسها، لإطلاق التهديدات ضد جيرانه والتواجد العسكري المكثف في أراضي البعض منها، تخطيطا لأن تكون السنوات المقبلة حتى 2023 الذي سيتزامن من حلول الذكرى المئوية لتوقيع معاهدة لوزان، شبيهة بتلك التي تلت انتهاء الحرب العالمية الأولى، ولكن بصورة معكوسة، بشكل تصبح فيه تركيا الطرف الأقوى الذي يفرض الشروط، وفي سبيل مخططه الإحتلالي هذا، ينشئ القواعد العسكرية في شمال العراق للانقضاض على الموصل وكركوك، ويعقد المحادثات السرية والعلانية مع روسيا والولايات المتحدة وإيران، وهم القوى الفاعلة في الأزمة السورية، من أجل إيجاد وجود تركي في حلب وشمال سوريا عند إعادة رسم حدود البلاد، كما يرفض تهدئة الأوضاع بين الشمال والجنوب في قبرص ويصر على نهجه العدائي، ويوجه التهديدات المستمرة تجاه اليونان حول ملكية الجزر في بحر إيجة.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق