بين العولمة والعالمية.. سؤال الهوية المصرية

الثلاثاء، 04 ديسمبر 2018 03:28 م
بين العولمة والعالمية.. سؤال الهوية المصرية
ممدوح طه يكتب:

سؤال قد يبدو مثيرًا للدهشة، هو (من نحن؟!).. وبالتحديد، ما هي مكونات الهوية الوطنية المصرية؟! فهل يمكن لنا بعد كل هذه القرون التاريخية، وهذه التجارب الحضارية، والوحدة الجغرافية التي جمعت أبناء الوطن المصري معًا، وجمعتنا بأشقائنا في الوطن العربي الكبير، وفي الأمة الإسلامية الكبرى، من الخليج إلى المحيط عربيًّا، أو من المحيط إلى المحيط إسلاميًّا، أن نتساءل اليوم: من نحن؟!
 
ربما تبدو علامة الاستفهام وعلامة التعجب مُبرّرتين.. لكن ما يُبرِّر التساؤل أكثر أن الثوابت "وطنية أو قومية أو دينية" تتعرَّض لحملة خارجية بأدوات داخلية مُكرَّرة من بعض الأدعياء بلا علم، أو المتثاقفين بلا ثقافة، أو المتفيهقين بلا فقه؛ للعبث والتشكيك والسجال والجدال، رغم وضوحها في الدستور المصري، ولهذا نتساءل في مواجهة "المُتغيِّرات والمشاريع" العالمية الوافدة لمحاولة تذويب الهوية المصرية، بما يتطلّب إعادة اكتشاف الذات من جديد؛ لتثبيت ما هو ثابت وتأكيد ما هو مؤكَّد.
 
ونحن اليوم في عصر جديد، تتغيَّر فيه القيم وتنقلب المبادئ، وتتقدَّم التكتّلات الكبرى على الكيانات الصغرى، وتتحكََّم القوى المُتقدِّمة في القوى المُتخلِّفة، وتتسلَّط القوى العسكرية الكبرى على الدول الضعيفة، وتزداد فيه الدول الغنيّة غنى، والفقيرة فقرًا، أطلقوا عليه "عصر العولمة"!
 
عصر ساعدت فيه ثورة التكنولوجيا ووسائل الاتصال وتدفق المعلومات العابرة للقارات والحدود، على اختراق الموانع والخصوصيات الجغرافية والثقافية العالمية؛ ليُروِّج بمعطياته الجديدة وتأثيراته المُتعولمة، مصطلحات غريبة وشعارات مُضلِّلة، لمحاولة تذويب الهوية الثقافية للشعوب، بهدف فرض ثقافة غربية واحدة عابرة للسيادة الوطنية، تتماهى مع القيم الأمريكية وتحاول فرض النموذج العلماني الرأسمالي الأمريكي، وإزاحة دور الأديان والقوميات والأيديولوجيات!
 
رياح العولمة أيقظت التناقضات الثقافية، بما أنتجته من مظالم اقتصادية بتأثيراتها الاجتماعية، نتيجة محاولات الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية بالتكامل مع نظرية (صدام الحضارات)، واستهداف ما يُسمَّى (الخطر الأخضر) بعد زوال الأحمر وتصدِّي الأصفر، وزادت الهوّة بين مناطق التقدُّم والتخلُّف، وبين أحزمة الغنى والفقر، والقوّة والضعف، ما زوّد الثوابت التقليدية للهوية التاريخية للشعوب بزاد جديد من القوة والاستنفار؛ للتحصُّن بهويَّتها العقائدية والقومية وثقافتها الوطنية ضد مخاطر العولمة.
 
ونشهد اليوم على امتداد العالم صحوة للثقافات الوطنية والدينية والقومية، في مواجهة محاولات فرض النمط العولمي الواحد؛ ليبدو واضحًا أن تحدّيات العولمة تقود العالم على المدى البعيد إلى "عالمية جديدة"، لا متعولمة ولا متأمركة، إلى تجمُّعات دولية وإقليمية لا تلغي السيادة الوطنية، ولا تتناقض مع الهوية الثقافية في نوع من التعدُّدية القطبية.
 
الدليل على ذلك، تلك المظاهرات الشعبية الصاخبة والغاضبة المُضادة للعولمة التي تشهدها الدول المُضيفة لمؤتمرات "السبع الكبار"، أو" قمة العشرين"، سواء في "سياتل" الأمريكية أو في "لندن" البريطانية أو في "بيونس آيرس" الأرجنتينية!
 
وما موجة التطرُّف التي تشهدها بعض الأديان والأعراق والثقافات إلا رد فعل لمحاولات التذويب.. مثلما نشهد بعض أصوات شاذة كتطرُّف مُضاد من غُلاة العلمانيين والليبراليين واللا دينيين، وأدعياء التنوير، والمؤرِّخين والفقهاء الجُدد التابعين للمحافظين الجدد الأمريكان، بشعارات العولمة المثقوبة التي لا تستر أحدًا، في محاولة للعبث بالهوية الوطنية ونزع القداسة عن الرسالات السماوية؛ لإحلال تشريعات وضعية محلّ الشرائع الدينية لتحقيق القابلية للذوبان في العولمة الأمريكية!
 
ويبدو هؤلاء المستغربرون المنتسبون للمصريين والعرب والمسلمين، كأدوات للغزو الفكري، درَّبتهم وموّلتهم قوى العولمة الغربية، وزرعتهم في منابر إعلامية وصحفية وتعليمية وثقافية وسياسية، بل ودينية أيضًا؛ لتباشر مهمَّتها التشكيكية الهدّامة في الثوابت والرموز، والترويج للا وطني واللا قومي واللاديني، بهدف نشر الفوضى الفكرية في الوطن المصري والعربي والعالم الإسلامي بأصوات مبحوحة ووجوه صفراء وكتابات حاقدة سوداء!
 
ومن الطبيعي في ظل "عصر جديد" يتشكّل ويتمرّد على "النظام العالمي الجديد" الهادف لهيمنة قوة واحدة، ويتّجه اتّساقًا مع حركة التاريخ إلى عالم مُتعدِّد القوى، مُتعدِّد الحضارات والثقافات والقوميات، إعادة سؤال الهوية المصرية من جديد.. فمن نحن؟!
 
وهنا أقول: نحن الشعب المصري صانع أعرق حضارة إنسانية، ومؤسِّس أول دولة في التاريخ البشري، نعيش كمواطنين لا رعايا، مُتساوين في الحقوق والواجبات في دولة وطنية تقوم على المواطنة، تحت مظلة الدستور وسيادة القانون، تستعيد ذاتها وتعيش عصرها، وتصنع قرارها بإرادة غالبية شعبها.
 
المصريون بتراثهم التاريخي، ومخزونهم الحضاري، شعب عرف الإيمان منذ فجر التاريخ، ولهذا قال هيرودوت: "الدين فوق كل شيء في الحياة المصرية". وهذا الشعب يؤمن منذ فجر الإسلام برسالات السماء الثلاث، لا يعرف التعصّب الديني، مُدركًا أن مصر عرفت المسيحية قبل الإسلامية، ولا يعرف التعصُّب المذهبي مُدركًا أن الأزهر كان فنارًا شيعيًّا للدولة الفاطمية، قبل أن يكون منارًا سُنّيًّا للدولة الأيوبية.
 
ونحن - كشعب مصري واحد، بمنابعه الإنسانية والحضارية المختلفة، وروافده التاريخية والقومية والدينية المُتعدّدة - يضمُّنا نسيج وطني واحد، وتلهمنا ثقافة عربية إسلامية واحدة، نعيد بناء وطننا وكتابة تاريخنا من جديد، تنبع هويّتنا من أربعة منابع جغرافية وتاريخية وثقافية وحضارية، وتتشكّل شخصيتها بأربعة ملامح، وطنية مصرية، وقومية عربية، وحضارية إسلامية، وقارية إفريقية.
 
هذا ما أكده الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة"، موجّهًا السياسة الخارجية المصرية أن تدور في دوائر الانتماء المصرية الثلاث: العربية والإسلامية والإفريقية، انطلاقًا إلى العالمية. بما يؤكد أن كل المُتغيَّرات والمشروعات والحملات اليائسة، والمحاولات البائسة المُتعولمة، في طريقها لتحقيق عكس أغراضها في الأمة عمومًا، وفي الوطن خصوصًا، عندما أعدنا اكتشاف الذات الوطنية؛ بما يفرض إعادة إنتاجها في مصر الجديدة بصياغة مختلفة تنبع من "الثوابت الأصيلة"، وتستوعب "المُتغيَّرات المعاصرة"، بخطاب وطني وديني وسياسي وثقافي وإعلامي جديد، تحت شمس عصر جديد.

 
تعليقات (1)
مقال رائع لقضية صعبة
بواسطة: مغازي البدراوي
بتاريخ: السبت، 08 ديسمبر 2018 09:25 م

يمتاز الكاتب الأستاذ ممدوح طه بقدرته على تناول أية قضية صعبة بأسلوب سهل وعلمية وموضوعية تجعل القارئ ، بكافة مستوياته، يستوعب القضية بشكل سلس وجيد .. وهذا المقال يوضح براعة الأستاذ ممدوح طه في تناول قضية تثير جدل كبير، وهي قضية الهوية، سواء للشعب المصري أو غيره، هه القضية التي تصاعدت وارتبطت بشكل كبير بالعولمة ومظاهرها وتداعياتها.. شكراً للأستاذ ممدوح وفي انتظار المزيد ..

اضف تعليق