تساؤلات عن الفساد والذين هاجموا «أبو الهول»!

الإثنين، 10 ديسمبر 2018 09:14 ص
تساؤلات عن الفساد والذين هاجموا «أبو الهول»!
أيمن عبد التواب يكتب:

(1)
تقول الأسطورة- التي لم تدونها كتب التاريخ- إن أبا الهول كان من لحم ودم؛ يتحرك؛ يرى؛ يسمع؛ ويتكلم.. كان يشعر بمن حوله.. لكن الحكومة الروتينية الفرعونية قررت ضمه إلى ممتلكاتها، ومعاملته معاملة الموظف الميري العتيق.. ومن هول ما لاقاه، ورأيته عيناه، أصيب بالخرس، وفي رواية أخرى، أصيب بمرض نادر أقعده عن الحركة، وأُجبر على السكوت، فصار تمثالًا لا حول له ولا قوة.. يرى القبح أمامه ولا يحرك ساكنًا.. يرى الفساد يحاوطه ولم يحرك حجرًا من أحجاره.. 
 
فهل العيب في أبي الهول، أم في القائمين على أمره؟ وهل من الممكن أن يعود أبو الهول- كما كان- حارسًا أمينًا على مصر وأبنائها، أم أننا ننشد المستحيل؟
 
(2)
الذين عابوا واستنكروا صمت أبي الهول إزاء ما يحدث من تجاوزات في منطقة الأهرامات، لم يضعوا أنفسهم مكانه.. فماذا يفعل تمثال مع لجان وتقارير حكومية لا مهمة لها إلا النفي والإنكار.. لجان وتقارير لا تعرف إلا شعارات مسمومة: «كله تمام يا فندم»، «كل شيء تحت السيطرة»؛ من أجل تجميل صورتهم على حساب بعض الحجارة.. لجان تكذب ما يراه أبو الهول بأم عينيه، ويسمعه بأذنيه، ويشهد عليه عمال بناء الأهرامات.. 
 
لكن منذ متى والحكومة الفرعونية تثق في شهادات عمال يفوح منهم عرق الشقاء؟ أتصدقهم وتكذب الكهنة، وخدام المعابد وبلاط الفرعون الأعظم؟
 
(3)
يتهمون أبا الهول بكل نقيصة فيهم، يصفونه بما يليق بأمثالهم.. قالوا عنه إنه «ديوث» يسمح بالفاحشة في أهله الفراعين.. أشاعوا أنه «قرني» أو «محجوب عبد الدايم»، يحصل على ترقية استثنائية، أو يحصل على بعض المال مقابل بيع جسد زوجته لمن أراد أن يتذوقها، أو يقطف عسلها.. 
 
إنهم أرادوا بهذا التشبيه أن ينفضوا الأوساخ العالقة في أنفسهم ويرمونها على قطعة حجارة لا حول لها ولا قوة.. يظنون أن الحجارة لن تفشي أسرارهم.. لن تفضحهم.. لكن هيهات هيهات.. فكل شيء انكشف وبان.. وظهر مَنْ هو الديوث و«القرني» الحقيقي!
 
(4)
البسطاء في بلادي يتساءلون: وأين كان الفراعين العظام؟ ولماذا لم ينبروا للدفاع عن سمعتهم؟ وأين أسطورة لعنة الفراعنة، وأن الموت سيضرب بجناحية السامين كل مَنْ يعكر صفو الملك؟ أليس ما حدث من شأنه أن يعكر صفو الملك، أم أن الملك كان «مبسوطًا» من المشاهد الإباحية التي تمارس في حضرته؟
 
لعنة الفراعنة كانت تصيب لصوص المعابد والمقابر.. كانت تجدي مع لصوص الذهب والأحجار الكريمة والمعادن النفيسة.. لكنها- للأسف- ممنوعة من  الصرف مع اللصوص الذين ينهبون أقوات الناس، ويسرقون مقدرات الشعوب، ويستولون على إعانات الغلابة، ويتاجرون بهم في كل محفل.. لعنة الفراعنة لا محل لها من الإعراب مع لصوص التاريخ، وحرامية الحضارة، ومعدومي الضمير والإنسانية!
 
(5)
الذين أغضبهم الفعل الفاضح فوق الهرم، أو تحت الهرم، أو جنب الهرم، أو في منطقة الهرم، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها على مواقع التواصل الاجتماعي، لم نر غضبهم هذا، وغيرتهم هذه عند سرقة أو (اختفاء) أكثر من (33 ألف قطعة أثرية) منذ شهور.. نعم الرقم الذي قرأته صحيحًا، أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف قطعة أثرية سُرقت أو اختفت.. فهل كان أبو الهول هو المسؤول عن سرقتها، أو اختفائها، أو تهريبها خارج البلاد؟ هل أبو الهول هو الذي سهَّل تهريبها من المطارات والموانئ؟ هل هو الذي منحها تأشيرة سفر الخروج مختومة بخاتم النسر الأعظم؟
 
هل أبو الهول هو المسؤول عن الفوضى التي تشهدها المناطق الأثرية؟ هل هو المسؤول عن مضايقة الباعة الجائلين للسائحين؟ هل هو المسؤول عن ابتزاز السائحن واستغلالهم منذ وصولهم إلى أرض الكنانة وحتى خروجهم منها؟ هل هو المسؤول عن القبح والقمامة ورائحة «الصنان» التي تنافس رائحة عبق حضارة سبعة آلاف سنة؟ هل هو المسؤول عن التحرش بالسائحات والنظر إليهن باعتبارهن ساقطات جئن إلى مصر لـ«يشقطن» الفرعون المصري الصغير، حفيد الفراعين العظام؟ هل أبو الهول هو المسؤول تأجير المعابد الفرعونية لمن يدفع أكثر؟ هل وهل وهل وهل؟
 
لا تلوموا أبا الهول، بل لوموا أنفسكم.. فالذين يصدقون أن أبا الهول «قرني» هم الذين يصدقون أن الاتصال بالخادم تعذر عليهم، وأنهم ممنوعون من رد النكز، وبحاجة للتعليق بملصقات كبيرة.. هم أنفسهم الذين يصدقون أن «مارك زوكربيرج» أرسل إليهم برسالة، وطلب منهم أن يرسلوها إلى 18 من أصدقائهم، فـ«قاموا بالواجب»!
 
(6)
هل إلى خلاص من سبيل؟
ممكن جدا.. الحل يكمن في  الإدارة المحترفة.. ولا أخفيكم سرًا أننا فاشلون في الإدارة، لا لشيء إلا لأن زامر الحي لا يطرب، وعقدة الخواجة مترسخة في دواخلنا.. نحترم الأجنبي، نسمع رأيه، ننصاع لأوامره، نقبل قراراته دون جدال، نمنحه الفرصة كاملة وإن فشل.. بينما نسن السكاكين، ونعلق المشانق لابن البلد، ولنا المثل في إدارة مترو الأنفاق، عندما كان يليق بمصر الحضارة، لا بمصر العشوائية!

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق