فرنسا المجروحة بنيران الإرهاب والمتظاهرين تعيد فتح سوق عيد الميلاد في «ستراسبورج»

السبت، 15 ديسمبر 2018 09:00 ص
فرنسا المجروحة بنيران الإرهاب والمتظاهرين تعيد فتح سوق عيد الميلاد في «ستراسبورج»
الشرطة الفرنسية

 
أعادت الداخلية الفرنسية افتتاح سوق عيد الميلاد في مدينة «ستراسبورج»، وذلك في أعقاب الهجوم الذي وقع به مؤخرا باستخدام مسدس وسكين وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة عدد آخر.
 
كانت الشرطة الفرنسية قد قتلت المشتبه به في هجوم مدينة «ستراسبورج» شريف شيكات البالغ من العمر 29 عاما في عملية أمنية بالمدينة. وقال وزير الداخلية الفرنسي، كريستوف كاستنير، في تصريحات للصحفيين يوم الجمعة، إنه فخور بقيام قوات الأمن الفرنسية بقتل المشتبه به الرئيسي في هجوم ستراسبورج عقب محاولتهم اعتقاله، مشيرا إلى أنه تم تعزيز الإجراءات الأمنية في سوق عيد الميلاد عقب إعادة فتحه.
 
وتشهد فرنسا، احتجاجات عنيفة منذ نحو أربعة أسابيع، ضد رفع ضريبة الوقود وتكاليف المعيشة، حيث خرج أكثر من 300 ألف متظاهر من أصحاب «السترات الصفراء» إلى الشوارع يوم السبت الماضي، على الرغم من اعتقال أكثر من 1200 شخص، ما لحق بضرر بالغ بالعاصمة باريس، أحُرقت سيارات، ونهبت متاجر، وغُلقت العديد من المواقع السياحية، ومن بينها برج أيفل ومتحف اللوفر، ووصف وزير المالية الفرنسي، برونو لومير، الاحتجاجات بأنها «كارثة» للاقتصاد الفرنسي، وأن الوضع السائد «أزمة» للمجتمع وللديمقراطية.
 
تمثل اضطرابات «السترات الصفراء» معضلة كبيرة أمام المستقبل السياسي للرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون، الذي تبنى برنامجه الانتخابي فكرة «الإصلاح الاقتصادي» ومواكبة العولمة في ظل تغير المناخ العالمي، على حساب تواصله مع الفرنسيين ومطالبهم.. فما هو المستقبل السياسي الذي ينتظره «ماكرون» في وقت يقاوم فيه تراجع شعبيته؟
 
من جانبه أكد الدكتور عبد العليم محمد مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، أن التراجع الحكومي عن قرار رفع الضرائب لم تطفئ غضب الفرنسيين الذين باتوا يشعرون بتخلي فرنسا تدريجيا عن الدور الاجتماعي للدولة لصالح الأبجديات الليبرالية المتوحشة التي أثقلت كاهل الطبقات الوسطى والفقيرة والمهمشة، بفرض المزيد من ضرائب عليها مقابل تخفيف العبء عن الأثرياء، بتخفيض الضريبة على الثروة، ومنحها إعفاءات ضريبية واسعة للشركات الكبرى.
 
وتابع: رغم أن السياسات المالية والضريبية التي ينفذها ماكرون وحكومته، طرحها على الفرنسيين أثناء حملته الانتخابية تحت مسمى الإصلاح الاقتصادي ومواكبة العولمة وتطوراتها وتعزيز قدرة الاقتصاد الفرنسي على المنافسة، إلا أن ترجمته لهذه السياسات إلى إجراءات وقرارات عملية أدت إلى انخفاض مستويات المعيشة لدى قطاع كبير من الفرنسيين، وهددت نظم التقاعد والحماية الاجتماعية والصحية.
 
وأشار الدكتور عبد العليم محمد، أن منطلقات حكومة ماكرون، في تخفيف ضريبة الثروة تحمل أبعادا اقتصادية، إذ تسعى باريس من خلالها إلى وقف مغادرة رجال الأعمال الفرنسيين للبلاد بسبب ارتفاع الضرائب المسلطة عليهم، إلا أن هذا يبدو غير مقنع لأغلبية فرنسية ترى أنها مستهدفة بدرجة أولى من وراء هذه القرارات، ما جعل شروع ماكرون في تنفيذ تلك السياسات يفوق قوة احتمال قطاع كبير من الطبقة المتوسطة والشعبية، وفي نفس الوقت لم تهتم الحكومة بآراء هذه الفئات وممثليها ولم تأخذ في الاعتبار حاجتهم المشروعة وحاجتها للتقدير والتفاعل مع مطالبها باعتبارهم يمثلون «فرنسا العميقة» في كل مناطق الريف الفرنسي والعديد من المدن والمناطق الحضرية.
 
وأوضح، أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الفرنسية لم تكن كافية، وغلب عليها الطابع الفني والتكنوقراطي والسياسي، ما عمق الغضب بين المحتجين ومنحتهم مشروعية أدت إلى تأييد نسبة كبيرة من الرأي العام الفرنسي لاحتجاجهم، بالرغم من غياب ممثلين مفوضين عنهم للحوار مع الحكومة وتحديد مطالبهم، على الرغم من أنها جنحت إلى العنف نتيجة تشدد الحكومة وإصرارها على عدم التراجع.
 
وأكد، أن الأحزاب السياسية من اليمين واليسار واليمين المتطرف، تتطلع إلى ركوب الموجة الاحتجاجية، الأمر الذي يسهم في تفاقم الأزمة، خصوصا بعد تجاهل الحكومة الفرنسية جميع الفاعلين المدنيين في المناطق والأقاليم كممثلي هذه المناطق المنتخبين والمحليين والمنظمات الأهلية، سواء في إقرار مثل هذه الضريبة أو غيرها من القرارات والسياسات المالية التي تؤثر في الأوضاع المعيشية لهذه الفئات الشعبية، والتي تلقى رفضا شعبيا واسعا منذ شروع الرئيس الفرنسي في تنفيذ سياساته الاقتصادية الجديدة للنهوض بالاقتصاد الفرنسي ورفع قدرته على المنافسة وسط تحديات تغير مناخ الاقتصاد العالمي.
 
وحذر الدكتور عبد العليم محمود، من أن أزمة احتجاجات أصحاب«السترات الصفراء» ما تزال قائمة ومفتوحة على احتمالات عديدة في الحياة السياسية الفرنسية، والتي يمكن أن يكون من بينها تماثل نتائجها مع مظاهرات مايو 1968 التي أدت إلى تقديم الرئيس الفرنسي شارل دي يجول، لاستقالته، رغم الفارق بين ماكرون وبينه، إلا أن تشابهت المظاهرات والعنف الذي رافقهما، يمكن اعتباره دلالة مركزية في الانتفاضة الفرنسية والأثر الذي ستتركه على مستقبل «ماكرون» في الانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي ستتوقف نتائجها على مخرجات سياسات الرئيس المالية، وعلى الرغم من تراجع الحكومة عن قراراتها فإن ضررا كبيرا لحق بصورة الرئيس الفرنسي وحكومته، مما ينذر باستحالة خوضه الانتخابات الرئاسية لفترة ولاية ثانية مع استبعاد فرضية تقديمه لاستقالته من منصبه مثلما فعلها من قبله شارل دي جول.
 
على صعيد آخر، أعلنت الخطوط الجوية الجزائرية الجمعة، اضطرابات في رحلاتها الجوية نحو باريس ومرسيليا إلى السبت المقبل؛ نظرا للإضراب الذي يقوم به المراقبون الجويون لمطارات باريس ومرسيليا بفرنسا من الخميس إلى السبت.
 
وطمأنت الخطوط الجزائرية- فى بيان- مسافريها أنها اتخذت كافة التدابير الضرورية من أجل التخفيف من حدة آثار الاضطراب في الرحلات، وكان إضراب المراقبون الجويون لمطارات باريس ومرسيليا قد بدأ الليلة الماضية ويستمر حتى مساء السبت.

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق