يهم كل موظف ومسئول.. ماذا قال القانون والشرع عن التعسف فى استعمال الحق؟

الأحد، 14 أكتوبر 2018 12:00 م
يهم كل موظف ومسئول.. ماذا قال القانون والشرع عن التعسف فى استعمال الحق؟
دار القضاء العالى
علاء رضوان

«المظالم الوظيفية».. مسمى يُطلق على كل عمل أو قرار يؤدى بدوره إلى ظلم الموظف تلك المظالم تتسبب أحياناَ فى منع الموظف من الترقية تارة أو تأجيلها تارة أخرى كما يصل الأمر فى كثير من الأحيان إلى أن يصل الظلم بالموظف بنقله نقلاَ تعسفياَ من خلال التلاعب بتقارير الترقية.

المسئولين يستخدمون فى بعض الأحيان السلطات المنوظة بهم، بحجة المصلحة العامة، بينما فى حقيقة الأمر ما هى إلا حالة من التشفى والإنتقام والكيد لتحقيق مصالح خاصة لصالح القيادات الادارية، وهو ما يعرف فى القانون بالمسئولية التعسفية فى استعمال الحق.  

فى التقرير التالى «صوت الأمة» يتناول نظرية التعسف فى استعمال الحق من حيث كون الحق منحة أو كونه مجرد وسيلة لتحقيق غاية، وهل هذا الحق مقيدا أم مطلقا، وآثار التعسف فى استعمال الحق. 

اقرأ أيضا: السر فى البصمة.. كيف تثبت المحاكم نسب الأطفال من الناحية الشرعية والقانونية؟

فى البداية، يقول الدكتور محمد الصادق، الخبير القانونى والمحامى، إن التعسف في باستعمال الحق، لا يخرج عن كونه من تطبيقات الخطأ أو التعدي، فالمتعسف في استعمال الحق هو من يعمل ما لا يفعله مثله من السويين المعتدلين، وجد في نفس الظروف التي وجد فيها، هذا ولما كانت الشريعة الإسلامية تقوم على العدل والإحسان، كان من البديهي أن تهدف إذن إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد -وفقا لـ«الصادق».

ويضيف «الصادق» فى تصريح لـ«صوت الأمة»، أنه إذا كان الحق شرع لتحقيق مصلحة قصدها الشارع فمن البديهي أن يكون قصد صاحب الحق موافقا لقصد الله في التشريع، وعلى هذا فإذا كان استعمال الحق جائز، فإن استعماله يقتضي أن لا يكون في غير ما شرع له، وإلا كان صاحب الحق متعسفا في استعمال حقه، وهذا بالطبع يناقض قصد الشارع على إن الفقهاء قد أيدوا وجهات نظر مختلفة حول الأسس التي تقوم عليها نظرية التعسف باستعمال الحق من خلال نظرتهم إلى الحق . 

download (1)

النظرة الأولى : «الحق منحة»

يرى البعض أن الحق منحة من الله تعالى، وبالتالي فهو حق مطلق غير مقيد لأن الشريعة هي التي أنشأت الحق ومنحته للفرد، وهي التي شرعت المصالح التي قررت هذه الحقوق لتحقيقها,ويترتب على ذلك إن الشريعة هي اساس الحق، وليس الحق هو أساس الشريعة.

النظرة الثانية : «الحق مجرد وسيلة لتحقيق غاية»

أصحاب هذه النظرة يرون الحق في الشريعة، أنه مجرد وسيلة إلى تحقيق غاية، وهي المصلحة التي من أجلها شرع الحق، فاستعمال الحق في غير ما شرع له يعتبر تعسف .

النظرة الثالثة :- «الحق مقيد لا مطلق»

أصحاب هذه النظرة يرون الأصل في الحق التقييد لطالما إن الشريعة هي أساس الحق، وهو بالتالي، مقيد ابتداء إذ الأصل فيه التقييد لا الإطلاق وإذا كان الأمر كذلك، فإن وسائل التقييد منصوص عنها في الشريعة، وهي قواعد عامة، تتفق مع مقاصد الشريعة، وعلى هذا فيمكن أن الفعل مشروع، إذا هو مستند على الحق، و يكون غير مشروع باستعماله في غير غايته التي وجد من أجلها، إذا كان مناقضا لروح للشريعة، وهذه في الحقيقة هي المحتوى لنظرية التعسف باستعمال الحق-الكلام لـ«الصادق» .

في هذه الصور و النظرات السابقة للحق الفردي تجعلنا نتلمس صفات الحق، وأهدافه، فالحق وإن كان هو منحة للفرد بيد أنه لا يتسم بالفردية المطلقة، لأنه إذ هو متعلق بذمة الإنسان، فهو بالتالي يهدف إلى غاية اجتماعية، بمعنى أن الحق يجمع بين الفردية والاجتماعية، وبما أن كل حق فردي مشوب بحق الله، وحق الله هذا هو المحافظ على حقوق عباده، فردا أم جماعة، وهذا لا يكون بالامتناع عن الاعتداء فحسب، بل وبالامتناع عن التعسف في استعمال الحق، فمراعاة حق الغير والحالة هذه منظور إليه دائما من خلال كل حق فردي، ومن خلال استعماله بحيث يمنع المساس به، وهذه النظرة تفضي على الحقوق عامة صفة اجتماعية، و إذا كان الأمر كذلك فالتشريع الإسلامي يحرم الإضرار بالغير دون وجه شرعي، وبأي وسيلة من الوسائل، وفي شتى الصور.

ولو اتخذت صورا مشروعة في ظاهرها، وبهذا نجد إن استعمال الحق يقتضي أن لا يضر بالغير، لأن روح الشريعة الإسلامية لا تقر استعمال الحق على وجه تعسفي، يضر بالغير أو الجماعة ذلك لأن من طبيعة الحق أنه يهدف إلى تحقيق التكافل الاجتماعي، وبالتالي فلا يجوز استعماله على وجه أو صورة يخل بهذا التكافل، هذا وإذا كانت الشريعة الإسلامية أقرت في الحق المصلحة الفردية، لكنها قيدته بما يمنع الإضرار بالغير و الجماعة . 

اقرأ أيضا: 9 شروط للالتحاق.. تعرف على قواعد قبول «دفعة حقوق» بكلية الشرطة

وهذا بلا شك وظيفة اجتماعية مقررة للحق، وبهذا يكون الحق ذا طبية مزدوجة، أي ليس فرديا مطلقا ولا وظيفة اجتماعية خالصة، بل إن الحق يهدف إلى تحقيق التوازن بين المصالح الفردية و المصالح الاجتماعية وبحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى ويكون التوسط والاعتدال سيمت هذا الأمر بحيث ينفي عن استعمال الحق صفة الغلو و التطرف أو الإهمال والتفريط .  

هذه الأسس التي ذكرناها-بحسب «الصادق»-هي الركائز التي تقوم عليها نظرية التعسف باستعمال الحق، و على هذا نستطيع القول إن استعمال الحق لمجرد قصد الإضرار دون أن يترتب مصلحة على صاحب الحق أو أن تكون المصلحة تافهة ولا تتناسب مع الأضرار بالغير فردا كان أو جماعة أو أن يتخذ صاحب الحق، حقه ذريعة لتحقيق مصالح غير مشروعة أو أن يتحايل المرء على قواعد الشريعة، كل هذا يعتبر تعسفا باستعمال الحق يناهض قصد الشارع من الحق واستعماله . 

download (2)

 ومما تقدم سالفا نستطيع أن نحدد تعريف التعسف وحقيقته فنقول إن «التعسف» هو استعمال الحق لغرض غير مشروع، وعلى وجه يخالف غاية المشرع من الحق، فالتعسف في ضوء هذا التعريف لا يتعلق بمضمون الحق، بل بالباعث على استعماله أو نتيجة هذا الاستعمال و فمن البديهي إذا كان الباعث غير مشروع كان استعمال الحق يناقض المقصود من غاية الحق، وبالتالي يكون الفعل تعسفا، وهذا التعسف يشترط فيه الضرر حتى تقوم المسؤولية التعسفية، وأن يكون الضرر بيناٌ أو فاحشاٌ أو عاماٌ، أي ينظر في تحقق التعسف من عدمه إلى هذه النتيجة من الضرر ولا يقاس التعسف بالخطاء، بل بمجرد التسبب في الضرر الفاحش فحيث يتحقق هذا الضرر بالباعث غير المشروع قامت المسؤولية التعسفية، وهي مسؤولية مطلقة غير مشروطة بالخطاء، هذا ولا يكون الضرر دائما علة في التعسف، بل قد يبطل التصرف الشرعي القولي من العقود.

ولا تترتب عليه آثاره بصرف النظر عن واقعة الضرر إطلاقاٌ أو احتمال وقوعه ذلك إن مجرد مخالفة صاحب الحق مشروعية الحق وحكمته الغائبة التي من أجلها شرع الحق، كان التصرف باطلاٌ لمخالفته للغرض الشرعي، كما في نكاح التحليل، فهو على رأي المحققين باطل لمخالفته الغرض الذي من شرع النكاح، هذا والتعسف ولو لم يلحق ضررا مباشرا، كما في تصرفات السفيه، إذ يحجر عليه لتعسفه في حق نفسه، وعلى هذا لا نرى للتعدي بطريق التسبب في الفقه أو الخطأ دورا و وبالتالي فالتعسف يبطل التصرف الشرعي القولي كالعقود ولا تترتب آثاره ولو لم يلحق أيضا ضرراٌ مباشراٌ كما ذكر في المثال السابق .

وعلى هذا فإن قواعد التعدي بالتسبب أو المسؤولية التقصيرية لا مجال لها في التعسف إذ إن نظرية التعسف تقوم على مبدأ سد الذرائع الذي يقوم بدوره على أصل النظر في مآل التصرف وقد توجهت آراء الفقهاء في المذاهب إلى اعتبار قائما بمجرد «مناقضة قصد الشارع في تصرف مأذون فيه شرعاٌ بحسب الأصول».

آثار التعسف باستعمال الحق

اختلفت اجتهادات الفقهاء لدى أئمة المذاهب حول استعمال الحق ولو تأذى الغير بهذا الاستعمال، إذ نظر البعض إلى إن الحق مطلق واستعماله مطلق أيضاٌ، ولو ألحق المستعمل لحقه الإضرار بالآخرين، وبالتالي فلا ضمان عندهم في هذه الحالة على مستعمل حقه، وأصحاب هذا الاجتهاد ينظرون إلى أن الحق يتسم بطابع فردي، وهم من أصحاب ظاهر الرواية عند الحنفية كما أنه مذهب الشافعية أيضاٌ.

واجتهادات أخرى ترى إن استعمال الحق مقيد بعدم نشوء الضرر للآخرين في معيار أن يكون الضرر فاحشاٌ فإذا كان كذلك فلا يسوغ استعمال الحق بما يضر الآخرين بالضرر الفاحش بصرف النظر عن تحقق النية بذلك سواء كان صاحب الحق قصد الإضرار أو لم يقصده، ومن أنصار هذا الاتجاه الإمام أبو يوسف وهو من أئمة المذهب الحنفي وقد أخذ بهذا الاتجاه جماعة من فقهاء المذاهب، وهؤلاء نظروا إلى الحق نظرة مادية بحتة، واتجاه آخر أخذه الفقهاء حيث اعتمدوا النية في استعمال الحق ومنعوا صاحب الحق من استعمال حقه إذ قصد به الإضرار بالآخرين، وهؤلاء من انصار النظرية الشخصية طالما اعتبروا النية هي الأساس ومن أنصار هذه النظرية بعض فقهاء المالكية.

وهناك نظرة أخرى للحق قال أصحابها بوجوب تقييد استعمال الحق على وجه تحقق العدالة، والهدف من التصرفات وبذلك راعوا آثار التصرف في المجتمع ويمكن تسميتهم بأصحاب النظرية الاجتماعية إذ هؤلاء يزنون تصرفات الأفراد بالمعايير الاجتماعية و الاقتصادية، وهم من أنصار المذاهب الاقتصادية في العصر الحديث. 

download (4)

قانونى أخر

فيما، قال ياسر سيد أحمد، الخبير القانونى والمحامى بالنقض، فى تصريح خاص أننا أمام أربع نظريات في استعمال الحق ومن هنا كان من الواجب شرح وتوضيح ابعاد كل نظرية وآثارها في استعمال الحق وهى كالتالى:

أولاٌ : نظرية الحق المطلق وأثرها في سوء استعمال الحق

أصحاب هذه النظرية نظروا إلى الحق نظرة مطلقة غير مقيدة وعللوا هذا الإطلاق بأنه مادام الجواز مقررا فالضمان منتف إذ القاعدة عندهم «الجواز الشرعي ينافي الضمان» و من أنصار هذه النظرية أبو حنيفة وأحمد و داوود الظاهري وقد تعرض هؤلاء لبحث هذه النظرية بمناسبة الملك و حق التصرف به وفي العلاقات الجوارية، وقد قال أبو حنيفة بهذا الخصوص «من تصرف في ملكه لا يمنع عنه وإن كان تضرر جاره به» ومن فروع هذه القاعدة إنه «لو اتخذ شخص بئرا في ملكه أو بالوعة فتضرر حائط جاره، وطلب تحويله، لم يجبر عليه ومفاده أن يؤمر بالرفق دفعاٌ للإيذاء، وإن سقط الحائط منه لم يضمن» وعلل أبن عابدين هذا الرأي بأنه «متسبب غير متعمد» و كذلك لو أتخذ أحدهم داره حظيرة للغنم فتأذي الجيران ليس لهم منعه وبه قال الشافعي وأحمد و به أخذ الحنفيون في ظاهر روايتهم وكذلك قال ابن حجر الهيثمي وهو من الشافعية فقال: «أن تصرف الإنسان في ملكه بما يضر جاره، يبيحه الشافعي أن أضر بالمالك و يمنعه إن اضر بالملك إذ الأول يحتمل عادة ويمكن الاحتراز عنه بجعل ساتر لعياله يمنع النظر إليه-بحسب «أحمد» .

ويمنعهما غيره أخذاٌ بعموم «لا ضرر ولا ضرار» ومن هذه الأمثلة نرى أصحاب هذه النظرية أخذوا بإطلاق حق الفرد بمعزل عن حقوق المجتمع، ولصاحبها أن يستعملها بحرية دون الالتفات إلى غاية الحق وأهدافه، ومع ذلك فإن نظرية الحق المطلق مقيدة بشرط أن يكون استعمال الحق في حدوده الشرعية أما إذا تعداها إلى حقوق الغير فعندئذ يجب الضمان على الفاعل المعتدي إذ في التعدي خروج عن استعمال الحق في حدوده المعينة المشروعة . 

اقرأ أيضا: اعرف حقك القانوني.. التهرب الضريبى من الحقوق المشروعة إلى التجريم والسجن

ثانياٌ : النظرية المادية وأثرها في سؤ استعمال الحق

ووفقا لـ«أحمد»-هذه النظرية تقوم على اساس وقوع الضرر جراء استعمال الحق بصرف النظر عن نية مستعمل الحق، فصاحب الحق إذا هو استعمل حقه وكان في ذلك إضراراٌ بالغير فيمنع، عملا بقاعدة «لا ضرر ولا ضرار» وقاعدة «درء المفاسد أولى من جلب المنافع»، وقاعدة «إذا تعارض المانع و المقتضي يقدم المانع»، وقاعدة «تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر الجار»، وقاعدة «الأفعال المباحة بشرط عدم إيذاء أحد».

كل هذه القواعد ترمي لتحقيق المقاصد وهي بوجه عام تهدف النفع للناس ودفع الضرر عنهم، فهي إذن مرتبطة بنظرة اجتماعية تعود للمصلحة العامة، لهذا فقد قيدت الحقوق بهذه الغاية فقاعدة «درء المفاسد أولى من جلب المنافع» ترمي إلى أنه إذا تعارضت المنفعة والمفسدة قدمت المنفعة إذا كانت المفسدة زائدة وعلى هذا فدفع الضرر إذا اولى من جلب المنفعة لصاحب الحق، ولكن هل إي ضرر موجب لمنع استعمال صاحب الحق لحقه ؟

الواقع إن النصوص الفقهية-الكلام لـ«أحمد»- تشترط أن يكون الضرر بيناٌ إي فاحشاٌ، وأول من قال بذلك الإمام مالك مراعياٌ في ذلك المصلحة، ثم أبو يوسف متأثراٌ بالاستحسان و الحياة الاجتماعية وما تقتضيه من مراعاة حاجات الناس، وعلى هذا ذهب إليه المتأخرون من الأحناف فقالوا: «إذا تصرف أحد في ملكه وتضرر جاره بذلك ضررا بيناٌ لا يمكن لجاره التحرز منه كان للجار أن يمنعه»، ومما سبق ذكره يتبين إن هذه النظرية تؤكد منع استعمال الحق الذي يسبب ضررا فاحشاٌ عند استعماله، ولكن ما هو مدلول الضرر الفاحش أو معياره ؟

ويمكن هنا تعريف الضرر الفاحش على أنه «هو كل ما يمنع الحوائج الأصلية» أي كالمنفعة الأصلية المقصودة من البناء كالسكن، أو يضر به كأن يجلب له وهناٌ ويكون سبب تهدمه، والضرر الفاحش قد يكون فيه تجاوز على حقوق الآخرين كالدخان المتواصل أو الضجة المتواصلة بما يمنع عن السكان الراحة، ونصت المالكية على أنه إذا فتح أبواباٌ وكوى في بنائه، يشرف منهما على دار الجار وعياله، فإنه يمنع من ذلك، ولعل فيصل التفرقة بين المنع وعدمه في الضرر هو اعتباره فاحشاٌ أو غير فاحش، فما لا يمس بالحوائج الأصلية فلا يمنع، إذ لا يعتبر ضرراٌ فاحشاٌ كسد الهواء و النظارة ومنع دخول الشمس ليس بضرر فاحش بمعنى إنها من الحوائج الزائدة. 

large_1238289910

ومما نستشفه مما سبق إلى أن «كل جواز شرعي ينافي الضمان» لكن هذا ليس على أطلاقه فإذا كان هذا الجواز الشرعي قد ألحق ضرراٌ فاحشاٌ فليس من العدالة أن لا يعوض على المضرور، لهذا نجد أن قاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان صحيحه إذا خلا الفعل من الضرر الفاحش، وبالتالي فالعبرة إلى النتيجة الحاصلة عن الاستعمال، فإذا كانت مضرة ضرراٌ فاحشاٌ، فالاستعمال ممنوع لأن فيه تعسف حتى ولو كانت نية المستعمل لحقه حسنة، أما إذا كان الضرر المتخلف عن استعمال الحق غير فاحش، فإنه يباح استعمال الحق حتى ولو كان حدوثه ناتجاٌ عن نية الضرر، ومن هذا المنطق كانت هذه النظرية المادية تعتمد الضرر بصرف النظر عن النية .

ثالثاٌ: النظرية المعنوية وقصد الإضرار في استعمال الحق

هذه النظرية تقوم على النية عند استعمال الحق فهي إذاٌ تنظر إلى رغبة المستعمل للحق و غايته فإذا كانت النظرية المادية في سوء استعمال الحق تقوم على الضرر المتحقق فإن النظرية المعنوية لا تنظر إلى النتيجة المادية المترتبة على استعمال الحق، بل إنها تتحرى عن نية مستعمل الحق، فإذا كانت نية المستعمل لحقه حسنة، فلا سبيل إلى منعه من استعمال حقه ولو أضرر بالغير ضرراٌ فاحشاٌ، أما إذا كانت نية المستعمل لحقه سيئة وهو لا يقصد باستعماله لحقه إلا الضرر بالغير فهذا بلا شك ممنوع ويعتبر الفاعل مسيئاٌ لاستعمال حقه، لهذا كان المعيار في هذه النظرية النية، ولكن النظرية أمر باطني لا يمكن الاطلاع عليه فكيف إذن نستطيع الحكم على فعل المستعمل لحقه، وما إذا كان بنية حسنة أو نية سيئة ؟؟؟

ومن هنا يجب علينا أن نوضح بالرغم من النية وأن كانت أمراٌ باطنياٌ، ولكن يستدل عليها من الأعمال الخارجية التي ترافق الفعل، أو النتيجة التي حصل عليها الفاعل، بمعنى إن الدلائل الخارجية و القرائن هي المؤشرة على سوء النية أو حسنها، ولاشك إن هذه النظرة تتفق مع منطق العدالة في ممارسة الحقوق بين ما فيه مصلحة للنفس أو مضرة للآخرين، كما أنها تتفق مع روح التشريع الإسلامي الذي يجعل النية أساساٌ في الأعمال عملاٌ بالحديث «إنما الأعمال بالنيات، وأنما لكل امرئ ما نوى».

رابعاٌ : النظرية الاجتماعية لسوء استعمال الحق

هذه النظرية تهدف إلى مراعاة مصلحة الجماعة، فهي إذ تعتبر أن حقوق العباد هي منحة من الله سبحانه وتعالى، فمقتضى ذلك أن يكون استعمالها على هدى من الشريعة الإسلامية، أي أن تكون ممارسة الحقوق وفق ما حددته الشريعة الغراء وفي غير ذلك يعتبر تعسفاٌ في استعمال الحق موجباٌ للمنع، وهذه النظرة مقررة في الشريعة بقواعد وتطبيقات عديدة نجدها في كتب الفقه منها مثلاٌ قاعدة «يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام». 

اقرأ أيضاَ: هل يصبح خريجو سجون ما قبل 25 يناير مليونيرات؟.. دعوى تطالب بالتعويض عن أيام الحبس

وتطبيقاٌ لهذه القاعدة نجد مثلاٌ في الحائط المائل في ملك شخص معين أنه وجب هدم هذا الحائط المائل للطريق العام ويلزم المالك بذلك وفقاٌ للضرر العام، وكذلك نجد أن الفقهاء متفقون على حماية للمصالحة العامة التي هي من مصلحة المجتمع على حجر الشخص البالغ العاقل الحر الماجن، الذي يعلم الناس الحيل ويفسد على المسلمين دينهم وذلك دفعاٌ للضرر العام، فالشريعة على هذا الأساس راقبت تصرفات الفرد وممارسته لحقوقه بما لا يضر المصلحة العامة، ولعلها من هذا المنطلق أجازت الحجر على السفيه دفعاٌ للضرر العام، وكذا أجازت الحجر على محتكر قوت العباد في بيعه بغبن فاحش بتعديه القيمة الحقيقية وذلك من أجل الصالح العام، إذ أن صالح الجماعة إنما هو حق الله ولا يجوز تعديه وهو محمي بنضر الشريعة الإسلامية إذ لا يجوز استعمال الحقوق الخاصة بما يمس حقوق مصلحة الجماعة.

خلاصة القول

فيما قال محمد محمود، الخبير القانونى والمحامى، أن خلاصة القول في استعمال الحقوق و معيار اعتبارها إساءة لاستعمالها تبعاٌ تبعاٌ لمقاصد الشريعة، وهو ما ذكره الشاطبي في تحليله لهذه المقاصد والتي يحكم من خلالها على صحة استعمال الحقوق والإساءة في استعمالها إذا قال:

«ليس في الدنيا مصلحة محضة ولا مفسدة محضة، والمقصود للشارع ما غلب منهما، وإذا تعارضتا نظر في التساوي و الترجيح»، وعلى هذا رأي الشاطبي أن الأحكام الشرعية يجب أن تنفذ و تمارس وفقا للمقاصد التي وضعها المشرع أصلاٌ .

وفي ضوء هذه الأصول-وفقا لـ«محمود» فى تصريح لـ«صوت الأمة» فقد توصل إلى إعطاء المعيار الضابط في مسألة استعمال الحق أو العمل بالإذن الشرعي من خلال الأفعال في هذه الناحية فقرر في هذا الشأن ما يمكن إيجازه بما يلي :

أولاٌ : إذا كان الفعل الجائز شرعاٌ لا يلزم عنه إضرار الغير، فيبقى جائزاٌ على أصله، ولا إشكال فيه ولا حاجة إلى الاستدلال عليه، لثبوت الدليل على الإذن ابتداء .

ثانياٌ : إذا كان الفعل جائز شرعاٌ يلزم عنه إضرار الغير، وكان فاعله لا يقصد إضراراٌ بأحد يبقى جائزاٌ لمن ثبت حقه فيه شرعاٌ وهو ضربان:

1-إذا كان الضرر عاماٌ فالفعل يمنع مما هم به «لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة كالامتناع من بيع داره أو أرضه وقد اضطر إليه الناس لمسجد جامع».

2-إذا كان الفعل يسبب ضرراٌ خاصاٌ ويكون أداؤه إلى المفسدة قطعياٌ كحفر بئر خلف باب الدار في الظلام بحيث يقع الداخل فيه بلا بد، وهذا الفعل لا يكون جائزاٌ . 

download (3)

ثالثاٌ :  إذا كان الفعل المأذون فيه شرعاٌ لم يقصد فاعله إلا الإضرار بالغير وفي أدائه مفسدة غالبة كبيع السلاح من أهل الحرب، وما يغش به ممن شانه الغش، ونحو ذلك فهذا ممنوع بلا شك .

رابعاٌ : إذا كان الفعل المأذون فيه شرعاٌ عندما يحصل منه إضرار بالغير و يكون فاعله قد قصد نفع نفسه وإضرار بالغير، مثاله المرخص في سلعته قصداٌ لطلب معاشه وللإضرار بالغير، فهنا لا إشكال في منع القصد إلى الإضرار من حيث هو أضرار لثبوت الدليل على أن القاعدة انه « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».

ومما تم تناوله سابقاٌ نصل إل النتيجة النهائية ألا وهي -بحسب «محمود» ...

وفقاٌ لشريعتنا الإسلامية قد أجيز شرعاٌ المسلم استعمال حقه، ورخصت له استعمال هذا الحق ولكن وفي نفس الوقت منعت الشريعة الإسلامية على المسلم استعمال حقه هذا إذا لم يقصد من ذلك الاستعمال إلا الإضرار بالغير،  هذا ولا غرابة في منع المسلم من قصد الإضرار بالغير، لأن السلوك السليم المطلوب من المسلم هو تحقيق لمصلحة العباد، ومقاصد الشريعة في الدرجة الأولى، لأن السلوك الذي يمس الواجب الديني التعاوني الذي ترمي إليه شريعتنا السمحة الغراء، مرفوض لأن الشريعة بذاتها تستبعد الإضرار بالآخري وتحذر من مخالفتها.

 

لهذا فإن قصد الفاعل الإضرار بالغير أو تحقق الضرر للغير عند ممارسته لحقه، أو مخالفته لما هو مشروع يعد معه منحرفاٌ عن السلوك السليم الواجب إتباعه من قبل المسلم وبالتالي يعتبر مسيئاٌ لاستعمال حقه ويمنع من هذا القصد لإضافة إلى مساءلته عما ينشأ عن فعله من أضرار للغير، وعلى هذا أن الأحكام الشرعية يجب أن تنفذ وفقاٌ للمقاصد التي وضعها المشرع أصلاٌ، ومن أبتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل، أما إن العمل المناقض باطل فظاهر، فإن المشروعات إنما وضعت لتحصيل المنافع و المصالح ودرء المفاسد، فإذا خولفت لم يكن في تلك الفعال التي خولف بها جلب مصلحة ودرء مفسدة .  

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق


الأكثر تعليقا