اكسر للبنت ضلع!

الإثنين، 12 أكتوبر 2020 08:13 م
اكسر للبنت ضلع!
شيرين سيف الدين

 
لا أعلم من هو مطلق المثل الشعبي القائل "اكسر للبنت ضلع يطلع لها 24"، ومن أين استمد تلك المعلومة الخالية من أي منطق أو رحمة أو حب أو تعاليم دينية؟.. ولا أعلم من ذا الذي اقتنع بها وأصبح ينفذ تلك النصيحة القاسية على بناته فلذات كبده؟.
 
حقا لا أستوعب كيف لقساة القلوب أن يستبيحوا ضرب بناتهن وإيذاءهن نفسيا وجسديا بحجة التربية، هل يتصور هؤلاء أن الغلظة والفظاظة ستؤدي لنتيجة طيبة؟.. لا والله الذي أمر الرسول باللين في الدعوة حيث قال تعالى " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، فما بالنا بتربية الصغار الضعاف !.
 
من الطبيعي أن يكون وطن المرء عائلته، بها يحتمي وفي أحضانها يستريح، ومن المؤلم أن تصبح أسرته سجنا يحلم بالحرية والخلاص منه.
 
هل تعلم عزيزي الأب وتعلمين عزيزتي الأم أن الألم الجسدي قد يزول عن ابنتكما، إلا أن هناك ألما نفسيا لن يزول أبد الدهر؟.. وهل تعلمان أنكما بكسر بناتكما أو أبنائكما فإنكما تكسران بأياديكما عكازكما الذي ستحتاجان للاستناد عليه في الكبر بدلا من أن تحافظا عليه حتى يصبح لكما سندا يوما ما؟.
 
هل تعلمون أيها الآباء والأمهات أن من زرع لن يحصد سوى ما زرعه؟ لذا احرصوا على غرس بذور الحب والعاطفة في علاقاتكم بأبنائكم، فإن أهم ما يحتاج إليه الأبناء هو الشعور بالأمان والراحة في أحضانكم، وهم يحتاجون للسند والحماية والثقة من قبل الأهل وحينها سيتقبلون النصيحة وسيفكرون مرارا وتكرارا قبل أن يقوموا بعمل قد يؤدي لخسرانهم الثقة والعلاقة الطيبة بينكم وبينهم.
 
من المؤذي والمحزن جدا أن نقرأ خبر هروب فتاة من أهلها بسبب قيامهم بضربها باستمرار، والأكثر حزنا ووجعا كانت نظراتها البائسة والحزن والرعب اللذان ارتسما على وجهها عند العثور عليها وعودتها لأسرتها.
 
أية فتاة حتى وإن أخطأت في مرحلة المراهقة أو الشباب فغالبا لأن الأهل لم يقوموا بواجبهم في التربية السوية والسليمة وغرس الأخلاق والقيم الكريمة بداخلها منذ الصغر، وربما لم يحتووها عاطفيا وعقليا بالشكل المناسب، وبدلا من محاولة تقويم سلوكها أيا كان بأسلوب تربوي سليم كي يكسبوا ابنة مسؤولة محبة وزوجة وأماً سوية في المستقبل، اختاروا الاختيار الأسهل وهو الأذى سواء بالضرب أو ربما حتى السب والتحقير ما يجعلها تشعر بعدم الانتماء لهم ولا لمنزلها واختيار الهرب برغم صعوبته ورهبته.
 
إن الهرب ليس بالضرورة الخروج من المنزل إلى مكان مجهول، بل قد يكون هربا بالزواج من إنسان غير مقبول، وقد يكون باختيار السفر للدراسة بالخارج والبعد عن الأهل، وقد يكون الانتحار، وهناك أنواع من الهروب النفسي بأن يختار الأبناء العزلة بعيدا عن الأهل فنجدهم متقوقعين على أنفسهم داخل غرفهم بصحبة " الهواتف المحمولة " والأجهزة الالكترونية المختلفة التي أصبحت البديل الأمثل للعلاقات الاجتماعية التي تغني عن الأهل وترحم من الجلوس والشجار والمشاحنات معهم ، فتنقطع الأحاديث، وتجف العواطف وفي النهاية نفرز للمجتمع أجيالا نصفها بالجحود، وحين تمتلأ دور المسنين بكبار السن الضعاف نتهم الأبناء بالعقوق، دون البحث عن أسبابه فربما كان العقوق في البداية من الأهل الذين جففوا منابع العاطفة والرحمة والشفقة في قلوب أبناءهم، وكما قسوا عليهم في الصغر بادلوهم القسوة في الكبر.
 
بالطبع لا أحد يبرر العقوق مهما كانت الأسباب لكن الابن العاق غالبا ما يكون مريضا نفسيا، تكويناته معقدة صعبة الفك وإعادة التركيب بشكل سليم بسبب أسلوب أهله وعلاقتهم به.
 
إن الأبناء رزق كبير ونعمة يتمناها الكثيرون ويحلمون بها، وأمانة من عند الله يجب على الأهل حملها بما يرضيه.
 
اعلموا جيدا أن من يشبع أبناءه وخاصة بناته عطفا وحنانا يحميهن من البحث عنه خارج المنازل وسط الذئاب وفي أحضان الغرباء.
 
لقد أوصانا الرسول الكريم بالنساء خيرا وشبههن بالقوارير لأن القارورة سهلة الكسر وتحتاج للمزيد من العناية والحرص واللين في المعاملة، وتحتاج البنات أن يكثر الآباء من ضمهن واحتضانهن ومدح صفاتهن حتى وإن لم تكن حقيقة، فالفتاة إن استمعت من والدها ما يعزز ثقتها في نفسها، ويعلى من قيمتها في نظر نفسها لن يستطيع مخلوق أن يسحر عقلها بكلام معسول قد يوقعها في المحظور بسبب الاحتياج العاطفي بداخلها.
 
أعزائي الأهل أرجوكم امنحوا أبناءكم الثقة واشبعوا بناتكم عاطفة ومودة كي لا تخسروهم اليوم وغدا، وحتى لا تضطروهن في النهاية للبحث عن الحب في "قمامة العلاقات".
 
 

 
تعليقات (2)
حسبي الله
بواسطة: نجوى
بتاريخ: الإثنين، 12 أكتوبر 2020 09:09 م

حسبي الله في كل من يكسر ابنته ويجعلها تعيش فاقدة للثقة بالنفس عمرها كله

في الصميم
بواسطة: Shaimaa
بتاريخ: الإثنين، 12 أكتوبر 2020 10:36 م

مقال اكتر من رائع في كل محتواه... فعلا ونفس القسوة دي اللي بعدت بنات عن اهلها او غلطت وادي الي خدوعها لابتزاز متحرشين ومغتصبين ... ربنا بيسامح ويرحم مهما غلطنا .. ولازم نكون احنا دايرة الامان لبناتنا يرجعوا لحضننا مهما غلطوا ... شكرا علي المقالة الرائعة

اضف تعليق


الأكثر تعليقا