شركة البيت الأبيض ذات المسؤولية المحدودة.. هل أثبتت دراسات الجدوى فشل صفقة كوريا؟

الأربعاء، 18 يوليه 2018 10:30 م
شركة البيت الأبيض ذات المسؤولية المحدودة.. هل أثبتت دراسات الجدوى فشل صفقة كوريا؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

 
يمضي دونالد ترامب في طريقه، يفتح ملفات السياسة الدولية كما يفتتح المشروعات والشركات، هكذا اعتاد الأمر طوال سنوات البيزنس، ويبدو أنه قد حوّل البيت الأبيض إلى شركة كبيرة.
 
تُدار الأمور في إدارة ترامب بمنطق اقتصادي مباشر، يمكن القول إن كل الإدارات الأمريكية كانت تضع العامل الاقتصادي في حساباتها، لكن الفارق هنا أن ترامب يتعامل معه كعامل وحيد، وهكذا تُحسم كل قراراته بالورقة والقلم والأرقام، أكثر من حسمها بالرؤى السياسية والمصالح الاستراتيجية.
 
يمكن القول إن الرئيس الأمريكي يدير البيت الأبيض، والبلاد بالتبعية، بمنطق الشركة ذات السؤولية المحدودة، بعدد قليل من المساهمين، ومسؤولية محدودة للغاية مهما كانت الخسائر التي ستتحملها المؤسسة بكاملها.
 
حينما شعر ترامب بعدم جدوى الوجود في سوريا بدأ تنفيذ خطة مرحلية للانسحاب، وشعر أن الاتفاق النووي الإيراني لا يحقق مكاسب اقتصادية مباشرة فانسحب منه وأعدّ حزمة عقوبات اقتصادية وعسكرية على إيران لتعويض سنوات الاتفاق غير المربحة، وفي علاقات اقتصادية وسياسية هادئة مع الصين آلمه أن يربح التنين الآسيوي آكثر منه، فشنّ حربا تجارية وفرض رسوما حمائية على السلع الصينية، والأمر نفسه يسيطر على إدارته لملف كوريا الشمالية.
 
 
قمة سنغافورة.. وعود بلاد أثر
في ضوء فلسفة السوق التي تسيطر على ترامب، ويبدو أنه فرضها على إدارته، يمكن النظر لتعاملاته مع كل الملفات، وتفسير مواقفه وقراراته، واستقراء ما يمكن أن يقرّه مستقبلا، أو يتراجع عنه.
 
كان مدهشا منذ اللحظة الأولى لإبداء قبوله لفكرة لقاء زعيم كوريا الشمالية، أن يتخلى ترامب عن الموقف الأمريكي المتشدد من الدولة الفقيرة صاحبة الطموح النووي، ولم يبدُ مقنعا للبعض أن الأمر يتصل بمساعٍ جادة لتفكيك الترسانة النووية وتأمين شبه الجزيرة الكورية والحليف المهم في "سول"، لكن لم تكن فكرة العوائد الاقتصادية واضحة وقتها.
 
في قمة سنغافورة التي جمعت دونالد ترامب بنظيره الكوري الشمالي كيم جونج أون، وافق الأخير على المطلب الأمريكي بتفكيك الترسانة النووية  لقاء رفع العقوبات الاقتصادية والعسكرية المفروضة على بلاده منذ عقود، وقدم الرئيس الأمريكي وعودا إضافية بمزيد من المساندة والدعم الاقتصادي والمشروعات المشتركة، لكن انفضت القمة في مطلع يونيو الماضي، وبعد أكثر من ستة أسابيع ما زالت الأمور في المحطة صفر.
 

رئيس الشركة يماطل العملاء
في الأيام التالية للقمة، قال دونالد ترامب إن تحقق وعوده لـ"بيونج يانج" مرهون بتخليها عن ترسانتها النووية، وإنجاز عملية تفكيكها بشكل كامل قبل اتخاذ أي قرار إيجابي أو تخفيف أي ضغط اقتصادي أو حزمة من العقوبات، وهو ما كرره وزير الخارجية مايك بومبيو خلال زيارته لكوريا الشمالية مؤخرا، وكررته الحكومة الكورية الجنوبية.
 
تعليق أمر المزايا الاقتصادية على تفكيك الترسانة النووية يُعني أن الأمر سيستغرق عدّة سنوات قبل أن تشعر كوريا الشمالية بأية فائدة اقتصادية لهذا الاتفاق، أو ترى عائدا مباشرا لتخليها عن الطموح النووي الذي كلفها سنوات من المعاناة والضغوط الاقتصادية، وهو ما أكده "ترامب" نفسه بإعلان أنه لا داعي مطلقا للإسراع من وتيرة نزع أسلحة كوريا الشمالية النووية، مؤكدا في تصريحات للصحفيين: "المباحثات مستمرة بشكل جيد جدا. لكن لا حدود زمنية لدينا، وليست هناك سرعة مُحدّدة".
 
موقف ترامب الأخير يتصادم تماما مع مواقفه السابقة، إذ أكد في أكثر من سياق أنه من الضروري الإسراع في عملية نزع سلاح كوريا الشمالية النووي، كما أكدت إدارته قبل أيام من قمة سنغافوة التي انعقدت في 12 يونيو، أن "نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية يجب أن يبدأ بدون تأخير"، وقال مسؤولون بالإدارة عقب القمة إن "العملية ستبدأ سريعا جدا"، وأكد وزير الخارجية مايك بومبيو الأمر بأن أغلب تفاصيل العملية ستنتهي بنهاية ولاية ترامب الأولى في العام 2020.
 
الموقفان المتقابلان بشكل كامل يشيران إلى نزوع جديد لدى ترامب وإدارته للمماطلة والتسويف، وربما التهرب من الالتزامات التي قطعها على نفسه أمام الزعيم الكوري الشمالي، في ضوء إعادة تقييم للمشهد وفق الحسابات الاقتصادية، ما يُعني أن الرئيس الأمريكي ربما كان يتصوّر أن الاتفاق سيعود عليه بأرباح واكتشف خطأ هذه الرؤية، أو كان يسعى من البداية لاستقطاب كيم جونج أون ووضع قدمه في بيونج يانج، في خطوة لإزعاج الصين (حليف كوريا الشمالية القوي) واستباق للحرب التجارية التي بدأها بعد أيام من قمة سنغافورة.
 
 
أنا والغريب على ابن عمي
كوريا الشمالية التي خسرت كثيرا من الدعم الصيني، تبدو في منتصف الصورة بمفردها، بينما يُضرب الحصار حولها، وتقف عُرضة لمزيد من الضغوط والابتزاز والتوجيهات من واشنطن، ومن جارتها الجنوبية.
 
لسنوات طويلة كانت العلاقات باردة وعدائية، حتى لو كان العداء مكتوما، لكن كوريا الجنوبية كانت تسوّق نفسها باعتبارها الطرف الطيب الذي يواجه تهديدات الأشرار، ومع تراجع بيونج يانج عن غطرستها، وإبداء بادرة حُسن نية بشأن رغبتها في العودة للمشهد الدولي والانخراط في علاقات طبيعية مع الأغراب/ الولايات المتحدة، وأبناء العمومة/ كوريا الجنوبية، بدا أولاد العم وكأنهم يصطفون بحدّة وتَشَفٍّ مع الجانب الآخر.
 
تصريحات ترامب المتشددة التي رهنت رفع العقوبات عن كوريا الشمالية بالانتهاء من تفكيك الترسانة النووية بشكل كامل، تواترت على ألسنة عدد من مسؤولي كوريا الجنوبية، بل إن موقف "سول" كان أكثر تشدّدا بمطالبتها لجارتها الشمالية بتحريك وحدات وآليات عسكرية في مناطق قريبة من الحدود المشتركة عشرات الكيلو مترات بعيدا عن خطوط التماس، وفرضت شروطا عديدة في استعادة التنسيق وخطوط الاتصال البحري مع "بيونج يانج".
 
موقف "سول" أكدته زيارة وفد برلماني من كوريا الجنوبية للعاصمة الأمريكية واشنطن، اليوم الأربعاء، وقالت وكالة الأنباء الرسمية "يونهاب" إن الزيارة تأتي في إطار تعزيز الأجندة الاقتصادية والأمنية، وفي مقدمتها ملف نزع السلاح النووي للجارة الشمالية، بجانب عدد من الملفات الخاصة بترتيبات الأوضاع وطبيعة العلاقات المستقبلية في المنطقة.
 
إفلاس السياسة وخسارة الشركة
بهذا المنطق الربحي قد يبدو للمتابعين أن ترامب يُحقق أرباحا للولايات المتحدة، سواء في إدارته لملف أسعار النفط ونجاحه في دفع "أوبك" لزيادة الصادرات، أو في أداء الدولار والسندات وأذون الخزانة، وفي الحرب التجارية ورسومها الحمائية، وفي انتزاع موطئ قدم مهم من التنين الصيني في شبه الجزيرة الكورية، لكن الوجه المقابل لهذه التفاصيل، إذا افترضنا أنها تمثل نجاحا اقتصاديا حقيقيا، هو أن السياسة تنزف تحت قدم الاقتصاد.
 
بشكل شبه كامل، تحول البيت الأبيض إلى شركة، ولم يعد بالمقدور فهم كثير من مواقف الرئيس الأمريكي وإدارته إلا بتقييمها من هذا المنظور، وإذا نظرنا لملف كوريا الشمالية من هذه الزاوية، فإن تراجع ترامب عن ترتيباته السابقة، ودخوله طريقا فرعيا من المماطلة والتسويف، ربما يشيران إلى أنه بعدما أبرم الصفقة مع بيونج يانج، اكتشف أنها خاسرة، أو لا تؤمِّن العوائد الكافية للمضيّ في تنفيذها، ما قد يضغط على الحساب الختامي لشركة البيت الأبيض، التي خسرت السياسة، وربما لا تسكب الاقتصاد.
 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق