عملاق بساقين من قشّ وزجاج.. هل تنتحر إيران بوضع اليورانيوم في آبار البترول؟

الإثنين، 10 سبتمبر 2018 05:00 م
عملاق بساقين من قشّ وزجاج.. هل تنتحر إيران بوضع اليورانيوم في آبار البترول؟
الرئيسان الإيراني حسن روحاني والأمريكي دونالد ترامب
حازم حسين

تضع إيران يدًا على زناد بندقيتها، وتضع يدها الأخرى على قلبها. فبين مناورات وتصريحات تستهدف في المقام الأول إظهار قدر من القوة في مواجهة واشنطن، ومخاطر اقتصادية وسياسية وعسكرية عديدة ومتنامية، لا يبدو أن دولة الملالي ورجال الدين في أفضل حالاتها.
 
كانت الأمور مستقرة نوعا ما، أو هكذا تبدو، طوال السنوات الأخيرة، منذ إبرام الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة وعدد من الدول الكبرى خلال ولاية باراك أوباما، بعد مفاوضات ماراثونية في لوزان السويسرية أبريل 2015. لكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالخروج من الاتفاق في مايو الماضي أنهى ثلاث سنوات من الهدوء الرمادي، وفتح الباب لمرحلة من التوتر قد لا تختلف فيها أعباء واشنطن ولا تهتز مصالحها، لكنها تشي بخريف قاسٍ بالنسبة للدولة الشيعية.
 
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
 
تُمسك الإدارة الأمريكية في يدها كثيرا من مفاتيح المنطقة، بل والدول الخمس الكبرى الشريكة في اتفاقها مع إيران، ما يُعني أن خروجها من الاتفاق يمثّل ضربة مباشرة لإمكانية استمراره بصورته السابقة، حتى لو ظلت الصين وروسيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا ملتزمة ببنوده وتوافقاته. القوة المادية والمعنوية التي تتوفر لواشنطن تضمن لها تمرير رؤاها وإملاءاتها بصورة نسبية وفرضها على المحيط الداعم لطهران، والمنافذ البديلة لها حال التوتر، وبالتبعية تجبر النظام الإيراني على البحث عن ثغرات جديدة، أو تطوير اللعبة بالدرجة التي تسمح لها بمزيد من المناورة، أو القدرة على الهروب من طوق النار.
 

عقوبات مُتنامية وتهديدات مُتضائلة
 
بدأت إيران مسارها الجديد منذ إطلاق الرصاصة الأمريكية على الاتفاق النووي بتغذية أطرافها المتمدّدة في مناطق السخونة الإقليمية، ربما بهدف الظهور كلاعب إقليمي فاعل، وإجبار واشنطن على التفكير قبل أي مغامرة مع طهران، وربما تحسُّبًا للحصار المستقبلي المتوقَّع، لكن ذهاب النظام الإيراني في هذا المسار باندفاع وإيقاع سريع خصم من التأثيرات المُحتملة، أو قلّل الآثار التي راهنت عليها طهران، وحرمها من بطاقاتها المُتاحة دفعة واحدة.
 
في المشهد العراقي لا يبدو أن إيران أصبحت تملك قدرة كبيرة على التأثير في المعادلة، كما كان الأمر في السنوات الماضية، وسعيًا للظهور بصورتها السابقة بدأت تُغذّي أطرافها وتنفخ في النار المشتعلة بين القوى العراقية، بل تورّطت في انتهاج سلوك عدائي بتوجيه ضربات مباشرة في العمق العراقي، وهو الأمر الذي قد يتسبّب في مزيد من الضغوط والآثار السلبية، فضلا عن تعظيم الرفض الشعبي للجار الذي يحمل ميراثا طويلا من العداء بعد حرب الثمانينيات الطويلة. وفي سوريا يبدو أن الأمور في سبيلها للاستقرار مع سيطرة الجيش العربي السوري على المشهد، وفرض سلطته على مساحات شاسعة كانت في قبضة الميليشيات، وهو ما سيقود بالضرورة إلى تضاؤل الحضور الإيراني وتهميشه، مع احتمال تصاعد الضغوط المباشرة لإخراج إيران من سوريا.
 
اليمن تسير باتجاه السيطرة على الوجود الحوثي، مع فرض الجيش وقوات التحالف سيطرتها على مناطق واسعة من الحُديدة وصنعاء وصولا إلى صعدة في الشمال، التي تُعد آخر معاقل الميليشيات الحوثية وأبرزها، وقطع خطوط الاتصال والإمداد بين الجيوب الحوثية في أنحاء البلاد. يُضاف لهذه المحاور الثلاثة تراجع التهديدات الإيرانية التي تواترت على ألسنة مسؤولين بارزين في النظام والحرس الثوري والخارجية، وعلى لسان مرشد الثورة علي خامنئي نفسه طوال الأسابيع الماضية.
 
مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي
مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي
 
 
هدّدت إيران في وقت سابق بإشعال المنطقة وتهديد التدفقات النفطية من الخليج العربي (حوالي 25% من إجمالي التدفقات النفطية في العالم) عبر السيطرة على مضيق هرمز من خلال الوحدات البحرية للحرس الثوري، ودفع ميليشيات الحوثيين المدعومة منها لتهديد الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لكن الفترة الأخيرة شهدت حضورا واضحا للبحرية الأمريكية في الخليج العربي ومضيق هرمز والمحيط الهندي، وحضورا لوحدات بحرية من عدّة دول في مدخل البحر الأحمر، وتنظيم مناورات عسكرية مشتركة بين الولايات المتحدة ومصر والسعودية، قلّصت من التهديدات الإيرانية الحوثية تماما، وأغلقت هذا الباب من المخاوف تقريبا.
 
ميليشيات الحوثيين في اليمن
ميليشيات الحوثيين في اليمن
 
في الوقت الذي تخسر فيه إيران أطرافها بوتيرة متصاعدة، تواصل الولايات المتحدة مسارها باتجاه استكمال حزمة العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. بدأ الأمر بفرض عقوبات على الشركات والبنوك المتعاملة مع الدولة الشيعية، وعلى صادرات بعض السلع. ومن المرتقب أن تشهد الأسابيع المقبلة بدء تطبيق المرحلة الأكثر قسوة بحظر صادرات النفط والغاز الإيرانية، ما يُعني مزيدا من الحصار الخانق لبلد يواجه أزمة اقتصادية حادة وآخذة في الاشتداد.
 
 
يورانيوم متوهج وآبار مُعطّلة
 
المحطة التي تقف فيها إيران الآن تبدو حيّزًا ضئيلا في جغرافيا شاسعة، تحيطه ألغام يربطها سلك واحد. لا تستقيم أوضاع طهران في الساحة السورية مع تصاعد المطالبات الأمريكية والإسرائيلية بخروجها، واتجاه روسيا للسيطرة على طموحاتها المتوسعة في الداخل السوري. وفي العراق تذهب الأمور إلى التهدئة تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية، وبشائر التوافق بين القوى السياسية حائزة الأغلبية في الانتخابات الأخيرة. والمشهد نفسه يتكرر في اليمن مع استمرار نجاحات الجيش وقوات التحالف العربي، وانحسار وجود ميليشيات الحوثيين وتأثيرها. كل التفاصيل تشير إلى موسم جفاف يزحف باتجاه النهر الإيراني الذي تمدّد في الجغرافيا الإقليمية لسنوات، مستغلاًّ التوترات السياسية والصراعات في عدد من الجبهات الساخنة.
 
احتجاجات البازار في إيران
احتجاجات البازار في إيران
 
هكذا يبدو أن إيران تستقبل الخريف بصدرٍ عارٍ، فبينما تتأهب الولايات المتحدة لإقرار حظر تدفقاتها من النفط والغاز في نوفمبر المقبل، لا تُمسك طهران أي بطاقات مساومة كافية للإبقاء على قدر من التوازن في مشهد الصراع، ربما لهذا قررت وهي تراقب آبارها التي تستعد للجفاف أن تقبض على حفنة من اليورانيوم المتوهج، آملة في فرض نسبة من شروطها على الإدارة الأمريكية، أو التخفيف النسبي من شروط الأخيرة. في ضوء هذا التصور جاءت تصريحات علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بشأن الاستعداد لزيادة قدرات تخصيب اليورانيوم حال انهيار الاتفاق النووي مع الدول الخمس الباقية بعد انسحاب الولايات المتحدة، حسبما نقلت رويترز أمس.
 
"صالحي" أشار في تصريحات سابقة إلى أن منشأة "نطنز" النووية من المُنتَظر أن تكتمل خلال شهر من الآن. وكانت قد سبقت هذه التصريحات إعلان على خامنئي أنه وجّه أجهزة الدولة المسؤولة بالعمل على زيادة قدرات تخصيب اليورانيوم حال لم يستمر الاتفاق القائم مع الدول الكبرى. وأكد رئيس منظمة الطاقة الذرية على أن خطط إيران لتدشين مفاعلات نووية للسفن "تتقدم بشكل جيد، لكنها ستستغرق بين 10 و15 سنة للاكتمال. ونقلت رويترز عنه القول إنه "ردًّا على قرار واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي ربما تتخذ إيران خطوة ثالثة تتمثل في تعليق بعض القيود التي تلتزم بها بموجب الاتفاق، منها مثالا ما يخص حجم أنشطة التخصيب ومستواها". وحملت تصريحات صالحي قدرا من التهديد الضمني، بقوله إنه مع احتمالات التعامل مع الاتفاق النووي فإن الاحتمال الأخير أن تنسحب طهران منه بشكل كامل، وحال حدوث هذا فإن "الجميع سيعانون" بحسب تعبيره.
 
حرق القنصلية الإيرانية في الموصل العراقية
حرق القنصلية الإيرانية في الموصل العراقية
 
بالنظر إلى أن موقف الإدارة الأمريكية من الاتفاق تأسّس على رؤيتها أن إيران تناور فيما يخص الالتزام بالقيود والضوابط المتفق عليها، وتواصل العمل في منشآتها النووية ومشروعات تطوير الصواريخ الباليستية، فمن غير المتوقع أن تتجاهل واشنطن خطوة إطلاق مدى العمليات الجارية لتخصيب اليورانيوم، أو تتعامل معها باعتبارها مجرّد تهديد ومناورة كلامية. هذا الأمر يُعني أن واشنطن قد تتخذ إجراءات أكثر حدّة تجاه إيران، وبترافق هذا الأمر مع حصار مرتقب للتدفقات النفطية، فإننا قد نكون إزاء تقارب مزعج للغاية بين اليوارنيوم المتوهج والآبار المختنقة بالنفط والمتوقفة عن الإنتاج. من غير المُحتمل أن تتعامل الإدارة الأمريكية مع الأمر بقدر من التهاون أو التبسيط، وبالتأكيد ستُحكم قبضتها على المسارات المحتمل أن تسلكها الدولة الإيرانية لكسر سياج الحصار والسيطرة على التطلعات النووية، وفي الوقت نفسه فإن الأمر يُشكّل ضغطا لا تحتمله طهران وقد يدفعها باتجاه خطوات جنونية. في كل الأحوال تظل النار على مقربة كبيرة من منابع النفط.

 

هروب بصواريخ قصيرة المدى

الحصار الذي يتصاعد وتحتدم تشابكاته سياسيا واقتصاديا، دفع طهران للقفز إلى الأمام بحثا عن منافذ بديلة للهرب، أو تخفيف الضغط وتسريب جانب منه لأطراف أخرى - بجانب تهديدات التوسع في أنشطة تخصيب اليورانيوم - ربما بغرض إحداث حالة من التوازن، عبر توسيع مدى التوتر والاضطراب في المنطقة.

بدأت إيران استراتيجيتها للتخلص الجزئي من أزمتها بتصدير جانب منها للجغرافيات المجاورة، بتعميق حضورها في المشهد العراقي، هكذا تعطلت فجأة مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة عقب الانتخابات التي جرت في مايو الماضي، وتبدل موقف الشيعة والتيار الصدري بصورة حادة ومفاجئة، وتطاولت الأيادي المرتبطة بالنظام في طهران داخل الجسد العراقي وفي تركيبة الصراع السياسي القائمة. هذا الحضور المتنامي دفع العراقيين لاتخاذ موقف حاد من إيران، والهتاف ضدها في التجمعات والتظاهرات، ووصل الأمر إلى اقتحام قنصليتها في البصرة وإحراقها.

التصعيد الشعبي العراقي ردّت عليه ميليشيات الحرس الثوري التي تتبع المرشد الأعلى للثورة الإيراني علي خامنئي بتوجيه ضربات صاروخية للداخل العراقي، مستهدفة مناطق وتجمعات كردية، فيما يبدو أنه ردّ على إحراق قنصلية طهران بالبصرة. إذ قال الحرس الثوري إنه قصف مجموعة تابعة للمعارضة الكردية بمدينة كويا شمالي العراق، وأسفر القصف عن مصرع 11 شخصا على الأقل. متابعا في بيان نشرته وكالة فارس الإيرانية: "استهدفت الوحدة الجوية التابعة للحرس، ووحدة طائرات مُسيّرة تابعة للجيش، اجتماعا لجماعة إجرامية ومركز تدريب إرهابيًّا بسبعة صواريخ أرض أرض قصيرة المدى في منطقة مريوان وكامياران" وأضاف البيان أنه "وفق تقارير موثوقة جُرح وقُتل عشرات من العناصر الإرهابية التي أصابت في الآونة الأخيرة عددا من المناطق الحدودية لإيران".

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

الخارجية العراقية من جانبها أدانت القصف الصاروخي الذي استهدف قضاء "كويسنجق" التابع لمدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان، وأسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، وقال متحدث الخارجية أحمد محجوب في بيان صادر عنه: "تؤكد الوزارة حرص العراق على أمن جيرانه، ورفضه استخدام أراضيه لتهديد أمن تلك الدول. كما ترفض الخارجية رفضا قاطعا خرق السيادة العراقية، من خلال قصف أي هدف داخل الأراضي العراقية دون تنسيق مسبق".

وعن تفاصيل الهجمة قال الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعارض (يتخذ من إقليم كردستان العراقي مقرا له) إن مقره الرئيسي في بلدة كويسنجق التابعة لإقليم أربيل في كردستان، تعرض لهجوم صاروخي أسفر عن مقتل 14 شخصا وإصابة 42 آخرين من كوادر الحزب. ومن جانبها أدانت حكومة كردستان الهجوم في بيان رسمي، رافضة توجيه أي ضربات لأية أهداف داخل أراضيها.

 

إيران تعود لأجواء الحرب العراقية

وسط هذا المناخ المُلبّد بالتوترات، ما زالت الأزمة الاقتصادية المتصاعدة في إيران تُلقي ظلالها على المشهد السياسي والعسكري الداخلي. في الأسابيع الماضية شهدت البلاد موجات من الاحتجاجات الشعبية، بدأت بالجنوب على خلفية أزمات مستمرة في قطاعات الطاقة والخدمات، وتمدّدت شرقًا وشمالا على خلفية ارتفاع أسعار السلع وتراجع سعر الريال مقابل الدولار، ما ألقى بظلاله على عربة الاقتصاد المثقلة بالأعباء، ورفع معدلات التضخم والبطالة، ودفع مزيدا من الإيرانيين إلى هوّة الفقر.

في الأيام الأخيرة سجّل الدولار أكثر من 142 ألف ريال إيراني. هذا التدنّي الحاد في سعر العملة المحلية انعكس بشكل مباشر على ميزان العرض والطلب في الأسواق الإيرانية بسبب ارتفاع واردات عدد من السلع الأساسية، وتأثير ارتفاع أسعار المواد الأولية ومُدخلات الإنتاج المستوردة على السلع المحلية، إضافة إلى تآكل مُدخّرات وودائع الإيرانيين بالعملات المحلية، وهو الأمر الذي يُهدد بتراجع الإنفاق الاستهلاكي مع تزايد معدل التضخم، ما يُقلّل دوران عجلة الاقتصاد ويشير إلى احتمال مواجهة موجة من الكساد (ركود تضخمي) ومع التهديدات المحيطة بتدفقات النقد الأجنبي بدخول حظر تصدير النفط والغاز حيّز التنفيذ، فإن الاقتصاد الإيراني لن يكون قادرا على البقاء بصورته الحالية، سيتضاءل النمو وتقل القدرة على توليد مزيد من الوظائف. هذه الدائرة من المخاطر لا تُعني فقط تصاعد التوترات الداخلية وارتفاع حدّة المعارضة والتظاهرات، لكن الجانب الأخطر فيها أنها قد تُسبّب قدرا من العجز عن تمويل الأنشطة العسكرية وعمليات تخصيب اليورانيوم وتطوير الصواريخ الباليستية، والمؤكد أنها ستؤثر على مخصصات الحرس الثوري وتدفقات الدعم المالي واللوجيستي لأذرعها في العراق وسوريا واليمن وغيرها.

العملة الإيرانية (الريال
العملة الإيرانية (الريال)

المشكلة الأخطر بالنسبة للاقتصاد الإيراني تتمثل في غياب الاستقرار، واستمرار حالة التأرجح بين التحسّن والتراجع. فرغم التعافي النسبي للريال في الأيام الأخيرة أمام الدولار (سجل الدولار 125 ألف ريال بعدما كان 142 ألفا قبل أيام) فإن هذا التعافي لم ينعكس بأية صورة على الأوضاع الاقتصادية الداخلية، ما زال الاهتزاز يسيطر على السوق، وهناك حالة شُحّ واضحة في كثير من السلع الأساسية. وسعيا للتغلب على هذا الأمر تعتزم طهران البدء في توزيع حصص تموينية من السلع الأساسية في أنحاء البلاد، استنادا لقواعد بيانات المواطنين وبطاقاتهم الشخصية، حسبما أكدت صحيفة "كيهان" الناطقة بالفارسية.

الصحيفة المعارضة التي تصدر من لندن قالت إن عودة النظام الإيراني لسياسات توزيع الأغذية والسلع الأساسية بالبطاقات تؤكد فشل الإدارة الحالية وعجز الإجراءات والسياسات التي لجأت إليها الحكومة عن احتواء الأزمة القائمة والمتصاعدة، خاصة مع العجز عن السيطرة على تهاوي الريال مقابل الدولار وسلّة العملات الأجنبية الأساسية. ورأت "كيهان" أن تفاقم الأزمة بشكلها الراهن قبل إقرار الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية (من المقرر بدء تنفيذها في نوفمبر المقبل) يُهدّد بمزيد من الارتباك في الأسواق، لا سيّما أن أسعار أغلب البضائع المحلية ارتفعت ثلاثة أضعاف مستوياتها قبل أسابيع، بينما توقفت مئات المصانع والشركات عن العمل في ضوء عجزها عن تدبير احتياجاتها من المواد الأولية أو الوفاء بالتزاماتها تجاه العمال والموظفين.

تقرير الصحيفة المعارضة أكده المشرف على وزارة العمل والرفاه الاجتماعي الإيرانية، أنوشيروان مُحسني بندبي (يدير الوزارة بعد عزل البرلمان للوزير علي ربيعي بسبب التردي الاقتصادي والعجز عن إدارة الأزمة) الذي قال إن الوزارة تبحث حاليا الآلية الأسلم لإصدار بطاقات تموين إلكترونية لضبط عملية توزيع السلع الأساسية على المواطنين، لافتا في مقابلة مع موقع "خبر أونلاين" الإيراني المحلي إلى أن البطاقات المُرتقب إصدارها قريبا ستُوجه لدعم الأسر محدودة الدخل والقرى والتجمعات السكنية الفقيرة.

هذه الأجواء لم تعشها إيران منذ الحرب مع العراق، وهي الفترة التي شهدت توسعا في سياسة توفير الغذاء والوقود والسلع الأساسية والسجائر عبر حصص تموينية، بسبب الأزمة الاقتصادية التي رافقت الحرب. وفي تقرير لمجلة "تجارت فردا" الاقتصادية الإيرانية يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران، موسى غني نجاد، إن عواقب اللجوء لهذه الآليات ستكون وخيمة على الاقتصاد، خاصة مع تصاعد أسعار المواد الغذائية والأدوية وتكلفة السكن بنسب تتراوح بين 20 و100% (ارتفع سعر الدجاج 5.6% والفاكهة 6.8% والألبان 0.4%، وبلغت النسبة على أساس سنوي 32.5% و83% و37.8% على التوالي) بينما يواصل معدّل التضخم رحلته الصاعدة بدفع من اختلال العرض والطلب، وتراجع الودائع البنكية بالعملات المحلية والأجنبية، وتنامي القروض الاستهلاكية.

 

اللجوء للاحتياطي.. أو الوقوف عاريا

الفخ الاقتصادي الذي وجدت إيران نفسها عالقة فيه فجأة، يختصر سنوات من اضطراب الرؤية واختلال الأجندة السياسية واستراتيجيات الإدارة والاقتصاد. ويُجسّد المعضلة الحقيقية التي تعيشها الدولة الشيعية، بتسيّد مرشد الثورة والمراجع الدينية للنظام السياسي، وامتلاكهم حقوقا وصلاحيات مطلقة لإدارة السياسية والاقتصاد وتوجيه دفة البلاد كيفما يشاؤون. بسبب هذه البنية التي يجلس على قمتها علي خامنئي ورجاله، بصلاحيات مطلقة تلغي منصب الرئيس وأدوار الوزراء والتنفيذيين، تبدّدت ثورات طهران وفوائضها المالية في مغامرات إقليمية غير محسوبة، ووجد النظام نفسه فجأة في محنة اقتصادية فادحة، كانت آخر حلقاتها تسجيل الدولار الأمريكي 142 ألف ريال إيراني قبل أيام.

الرئيس الإيراني حسن روحاني
الرئيس الإيراني حسن روحاني

سعيا لعلاج الاختلال الفادح في سوق الصرف، أقال الرئيس حسن روحاني مؤخرا محافظ البنك المركزي ولي الله سيف، وعيّن عبد الناصر همتي بدلا منه، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة للبنك على خلفية إدارته السيئة للأزمة. بينما يعتزم "همتي" ضخ 8 مليارات دولار من الاحتياطات النقدية في سوق الصرف الثانوية التي فتحتها الحكومة في يوليو الماضي لتلبية طلب المستوردين على النقد الأجنبي، وتأتي هذه الخطوة كإجراء أخير ومتطور للسيطرة على الانفلات في سعر الصرف وكبح جماح الدولار الذي يأخذ منحى صاعدا مقابل الريال. وذلك بحسب ما نقلته وكالة فارس الإيرانية عن رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان (مجلس الشورى الإسلامي) النائب محمد رضا بور إبراهيمي.

مجلس الشورى الإسلامي
البرلمان الإيراني (مجلس الشورى الإسلامي)

في وقت سابق التقى رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، محافظ البنك المركزي، وأسفر اللقاء عن اتفاق بالسماح لشركات الصرافة باستيراد الذهب والنقد الأجنبي من الخارج، ما يكسر فترة طويلة من حظر هذا النشاط. القرار يؤكد الوصول إلى مرحلة ضاغطة للمنظومة المصرفية الإيرانية التي باتت عاجزة عن تدبير احتياجات المستوردين والأنشطة التجارية والاستثمارية. يُعزز هذا التأكيد اللجوء إلى الاحتياطي النقدي كخطوة أخيرة للسيطرة على المشهد، وضخ ضعف الطلب على الدولار في السوق المحلية (يبلغ الطلب الحالي 4 مليارات دولار بحسب ما نقلته وكالة فارس عن النائب نفسه). هذا الأمر يُعني أن طهران لم تجد مسلكًا بديلا لتجاوز الأزمة إلى الرهان بآخر قطعة في ملابسها، وحال خسارة الاحتياطي أو تقلّصه بنسبة كبيرة، والفشل في السيطرة على الانفلات الحاد في سوق الصرف، فإن التطور الطبيعي أن النظام المالي والاقتصادي بكامله سيقف عاريا تماما في مواجهة الأزمة ورياحها العاتية، وفي مواجهة الضربات الأمريكية التي لن تهدأ.

البنك المركزي الإيراني
البنك المركزي الإيراني

قيود بعدد أذرع الأخطبوط

في 16 أغسطس الماضي أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو تشكيل مجموعة عمل باسم إيران، باختصار "آي إيه جي". فيما يبدو أنه اتجاه لتوحيد رؤية الإدارة الأمريكية ومواقفها وتعاملاتها بشأن إيران، وبداية لمراجعة مسار التعامل في الفترات الماضية، والعمل على وضع خطط موسّعة وشاملة لمواجهة تهديدات الدولة الشيعية، وربما البحث عن استراتيجية فعالة للضغط على النظام في طهران، بدءا من الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية، وصولا إلى دعم الجماعات والقوى المعارضة.

تأتي الرؤية الأمريكية الجديدة في ضوء قانون "الإذن بتخصيص اعتمادات لأغراض الدفاع الوطني/ إن دي إيه إيه" الذي أصدره الكونجرس في يوليو وجرى توقيعه في الأسبوع الأول من أغسطس الماضي، ويُمثّل محاولة أمريكية شاملة للتصدي لسياسات طهران التوسعية والعدائية في الشرق الأوسط، والنظر في المسائل المتعلقة بالبرنامج النووي وتطوير الصواريخ الباليستية، ودور الحرس الثوري المتنامي في العراق وسوريا ولبنان، وينص القانون بشكل واضح في مادته رقم 1237 على أن "وزير الدفاع، بموافقة وزير الخارجية، ربما يضع استراتيجية مع شركاء أجانب لمواجهة أنشطة إيران المُزعزعة للاستقرار".

في خطابه الأول عن مجموعة عمل إيران المُشكّلة منتصف الشهر الماضي، قال الوزير مايك بومبيو إن "طهران مسؤولة عن موجة من السلوك العنيف والمزعزع للاستقرار ضد الولايات المتحدة وحلفائها، بل والشعب الإيراني نفسه". وبالاستناد لما يوفره قانون "إن دي إيه إيه" فيما يخص تحديد البلاد والمناطق التي تنشط فيها إيران، وتوظيف التكنولوجيا وكل الإمكانات المتاحة لمواجهة أنشطتها، يمكن القول إن الفترة المقبلة قد تشهد تناميًا كبيرا في الجهود الأمريكية الخانقة للقدرات الإيرانية، سواء في القلب أو الأطراف، وهو ما سينعكس في تنامي أنشطة المعارضة الإيرانية بالداخل والخارج، وتراجع أدوار وتأثيرات الحلفاء والأذرع المنتشرة في المحيط الإقليمي ودول الجوار.

الفترة المقبلة ربما تكون غير إيجابية بالنسبة لمنظمة بدر العراقية ورئيسها هادي العامري، أو كتائب حزب الله ورئيسها أبو مهدي المهندس، وهما من الحلفاء التاريخيين والأذرع المباشرة لإيران في العراق، كما أن قانون "إن دي إيه إيه" يتضمن بنودا تطال عصائب أهل الحق وحركة النجباء. ومن المتوقع أن يطال الأمر حزب الله في لبنان وسوريا، وجماعة عبد الملك الحوثي في اليمن. هكذا يبدو أن إيرن التي تعاملت لوقت طويل كأخطبوط متعدد الأذرع، يمدّ أطرافه في كل الأرجاء بالتوازي وبالدرجة نفسها، تواجه شُرطيًّا أمريكيًّا يقف بالقيود، وللمرة الأولى يحمل معه قيودا بعدد أذرع الأخطبوط.

حزب الله اللبناني
حزب الله اللبناني

عملاق بساقين من قشّ وزجاج

لا يُحتمل أن تذهب الأمور الاقتصادية في إيران باتجاه التحسّن الواضح في الفترة المقبلة. أسباب الاهتزاز ما زالت قائمة، والأزمة مُرشّحة للتفاقم مع دخول المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية بحظر تدفقات النفط والغاز الإيرانيين للخارج، ما يُعني تقلّص العوائد الإيرانية بنسبة ضخمة (صادرات إيران تتجاوز 3 ملايين برميل نفط يوميا) وحتى مع احتمال تحايل طهران على العقوبات، واعتماد تركيا كمنفذ بديل للتحايل على الحظر، وأيضا احتمال أن تناور الصين واليابان وتواصلان استيراد المحروقات الإيرانية، فإن الأمر لن يخلو من خسائر ضخمة وقاسية.

الآثار الاقتصادية القائمة والمُتوقَّعَة لا تُرجّح أيضا أن تتمكن إيران من مواصلة أنشطتها العسكرية المزعجة، سواء على صعيد المشروع النووي وتخصيب اليورانيوم، أو تطوير الصواريخ والقذائف الباليستية، أو تعزيز حضورها الإقليمي وتأمين الاحتياجات المالية واللوجستية لحلفائها وأطرافها الممتدة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. المُرجح أن تتراجع تطلعات طهران خطوات إلى الخلف، لكنها بالتأكيد لن تتخلّى عن محاولاتها للمناورة وتسخين الأجواء، رهانا على احتمال النفاذ من الحصار أو تقليل آثاره الجانبية الضاغطة.

يمكن القول وفق هذا التصور إن إعلان أبرز المسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني، علي أكبر صالحي، استعداد بلاده تطوير قدراتها على تخصيب اليورانيوم، يستهدف الاستعراض والمناورة وتوجيه رسائل سياسية أكثر منها عسكرية، وهذا الاحتمال التقطته صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية مشيرة إلى أن الإعلان، وخطوة القصف الصاروخي لمقر الحزب الكردستاني الإيراني شمالي العراق، هدفهما المباشر توجيه رسالة للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، مفادها أنها تملك قدرا من القوة يكفي لإثارة المشكلات والمتاعب في الجوار، وربما في الإقليم بكامله، والأمر أقرب إلى محاولة استعراض عضلات أكثر منها تحرّكًا جادا باتجاه فرض شروطها على الواقع الجيوسياسي، أو استهداف تعزيز قدراتها العسكرية في المدى القريب.

إذا كانت إيران في الوقت الراهن لا تجد سبيلا للتخلص من الحصار المتنامي إلا عبر الهروب إلى الأمام، فإن الأمر مُرشّح للتكرار. ستواصل الولايات المتحدة ضغوطها وعقوباتها، وستواصل طهران المناورة. يبدو أن النظام الإيراني ومرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي وقيادات الحرس الثوري بفيالقه المختلفة، يحاولون الظهور في صورة العملاق الضخم القادر على إزعاج الخصوم، وربما عزّز الانتشار الإقليمي وتعدّد الحلفاء في كثير من المناطق الساخنة شعورهم بهذه الضخامة، لكن الأوهام التي تنفخ في الجسد الإيراني حتى يكبر ويتعملق، تتجاهل تماما أن هذا الجسد ينتصب على ساقين هشّتين. فبين عقوبات قاسية وآخذة في التنامي إلى حدّ تهديد الثروة النفطية والمورد الأول من النقد الأجنبي، واقتصاد مُتداعٍ وقلاقل وتوترات داخلية واحتجاجات شعبية، تبدو الصورة التي أرادها ملالي إيران لدولتهم ضخمة فعلا، لكنها مُعلقة في الفراغ. أرادوا أن تكون إيران عملاقا وأخذوا ينفخون في هيكلها حتى تمدّد في العراق وسوريا واليمن ولبنان والخليج العربي وقطر والبحرين وغيرها، لكنه ظل قائمًا على ساقين من قشّ وزجاج. ويبدو أن الأمر لن يُكلّف الولايات المتحدة أو أي خصم آخر لطهران أكثر من إثارة الريح وقدرٍ من الغبار، قبل أن يجد العملاق نفسه مُمدّدًا على الأرض، ليحترق القشّ بوهج اليورانيوم ولهيب البترول، وينكسر الزجاج تحت أقدام فقراء الإيرانيين ومتظاهريهم، وربما تتبدّد القدرة على الحركة أو استعادة التوازن لسنوات مقبلة.

 

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق