معرض «المنوفية» للكتاب.. عيب يا هيثم

الجمعة، 26 أكتوبر 2018 02:36 م
معرض «المنوفية» للكتاب.. عيب يا هيثم
حازم حسين

 
تتغيّر الأمور على كل الأصعدة، إلا في دواوين وزارة الثقافة وقطاعاتها. تظلّ الحال على ما هي عليه، بل ربما تتحوَّل فجأة إلى أسوأ ممّا كانت عليه، والدليل في الهيئة المصرية العامة للكتاب.
 
في وقت تجري فيه استعدادات الدورة الخمسين «اليوبيل الذهبي» لمعرض القاهرة الدولي للكتاب. كان يُفترض أن تعمل الوزارة، ومن خلفها هيئة الكتاب، على تحقيق حالة توافق والتفاف واسعة حول الفعالية المهمة، وأن نرى آليات عمل مغايرة لما اتّبعته الهيئة في السنوات الأخيرة، وتسبَّب في تردّي حالة المعرض الأعرق والأهم في المنطقة العربية. لكن على العكس من هذه التصوُّرات النظرية المتفائلة، لم يستوعب رئيس الهيئة والمُقرّبون منه دروس التغيير، ولعلهم لم يلحظوا تبدُّلات السياق الثقافي العام وحالة المعرض نفسه، فظلّوا على تكلُّسهم ورؤاهم القديمة، بادئين المسار قبل موعد المعرض بثلاثة شهور تقريبًا بخطوة عشوائية مليئة بالفوضى والمجاملة و«اللتّ والعَجن».. بدا هذا واضحًا للغاية، حتى للمحاسيب والرماديين وضعاف البصر، في قوائم المُختارين لعضوية اللجان القائمة على نشاط المعرض.
 
صباح الثلاثاء الماضي أصدر الدكتور هيثم الحاج علي، ابن محافظة المنوفية ورئيس هيئة الكتاب، قرارًا بتشكيل 5 لجان تنظيمية لإعداد برامج وفعاليات اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ومتابعتها. اللجنة الثقافية بواقع 25 عضوًا، والفنية 20 عضوًا، والطفل 11 عضوًا، والشباب والمبادرات 11 عضوًا، والإعلام والاتصال 18 عضوًا، بمجموع 85 عضوًا إضافة إلى 4 مُقرّرين.. وبعيدًا عن زحام الأسماء في فعالية يُفترض أنها سوق للكتاب بالأساس وليست كرنفالاً أو قافلة ثقافية، لم تكن الاختيارات نفسها واضحة المنطق، أو بريئة وخالصة من الشبهات في جانبها الأكبر.
 
بدأت الملاحظات قبل قرار رئيس الهيئة رقم 499 لسنة 2018 بتاريخ 23 أكتوبر الجاري. كانت الخطوة الأولى مع ضم الدكتور «ش. ا»، بلديات الدكتور هيثم وصديق طفولته والحاكم بأمره من وراء الستار في الدورتين الماضيتين، لعضوية اللجنة العليا للمعرض، ومعه «م. ع» الذي يصفه كثيرون في الوسط الثقافي بـ«الطفل المعجزة»، بعدما ضمّه «هيثم» لعضوية المجلس الأعلى للثقافة خلال إشرافه عليه في وقت سابق، ويُصرّ على فرضه دائمًا في كل أنشطة الهيئة وفعالياتها. واستكمالاً لحلقة الولاءات القبلية والاختيار بالمحبّة والتاريخ المشترك، حافظ رئيس الهيئة لبلدياته وصديق طفولته الثاني، عادل سميح، على موقعه الدائم في لجان المعرض خلال الدورات الأخيرة. وحول هذه الباقة من الخُلصاء وأعمدة الشلّة، تشكّلت شلل أخرى، أو بالأحرى حافظت على بقائها، لأنها قائمة منذ ولاية الحاج علي لإدارة الهيئة.
 
مقارنة قرار رئيس الهيئة الأخير بشأن تشكيل اللجان الثقافية لدورة اليوبيل الذهبي لمعرض الكتاب، بقراراته المماثلة في الدورتين الماضيتين، يكشف مساحة ضخمة جدًّا من التشابه وتكرار الأسماء. تُحسب في جانب منها على هيثم الحاج علي نفسه، وتُحسب في جوانب أخرى على شلّته من أبناء المنوفية وأصدقاء الطفولة. لكن أخطر ما فيها هو تحقيق تطلّعات بعض الأصدقاء في مجاورة الجميلات والهادئات والمريحات نفسيًّا، بعيدًا عن جدارتهن، أو حقيقة استحقاقهن التواجد في مطبخ أهم فعالية ثقافية في المنطقة. أو التي كان يُفترض أن تكون الأهم لولا رغبة أبناء المنوفية، واجتهادهم لتحويل المعرض من معرض القاهرة إلى معرض أصدقاء الطفولة في ريف المنوفية.
 
في اللجان الثقافية والإعلامية والفنية ستجد كثيرات من الجميلات اللواتي كانت العلاقات الشخصية وتفضيلات «شلة المنوفية» المُبرّر الوحيد لاختيارهن. لا تُفتّش رجاءً عن سِيَر شخصية وإسهامات ثقافية أو إعلامية، فهذا من سفاسف الأمور التي لا يحفل بها الدكتور هيثم وأصدقاؤه. وفي الغالب لا تؤثِّر على منطق الإدارة الكرنفالية على طريقة «فرح العمدة». التي يبدو أن شخصًا مُغرضًا لعب في عقول رئيس الهيئة وصحابته، وأقنعهم بأنها طبيعة معارض الكتاب، وغاية المراد من رب العباد.
 
ضمن الشبهات أيضًا، ستجد في عضوية اللجان كثيرين من المتعاونين مع الهيئة بصور عدّة، بعض أعضاء لجان القراءة والفحص لإصدارات السلاسل المختلفة، وفائزين بجائزة المعرض في الدورات الأخيرة، وكُتّاب لهم إصدارات عن الهيئة مؤخّرًا، أو لهم كتب قيد النشر بالسلاسل المختلفة، وصحفيين تُداوم الهيئة على الاستعانة بهم في أنشطتها ومدّ أواصر المودة والمحبّة والمُناغشة والدلال والمزايا المُتبادلة معهم. بشكل عام يُمكن القول إن «شلة المنوفية» اختارت بمنطق «اطعم الفم تستحي العين» وفرزت الناس على طريقة «انت معايا والا مع التانيين».. هناك استثناءات بالطبع، لكنها للأسف قليلة وتخص بعض القادمين من الأقاليم أو الأسماء البارزة التي تُختار في مثل هذه المواقف من قبيل ذرّ الرماد في العيون، وهم يعلمون مُسبقًا أن أغلبهم لن يهتموا بالحضور ولن يُداموا عليه، ولكن يختارهم القائمون لإضفاء ثقل وهالة وحصانة غير متوفرة في قماشة التشكيل العريضة وقوّته الأساسية التي ستُمارس العمل على الأرض بشكل فعلي.. كل شيء يبدو مُسخّرًا لإنجاز المعرض بنكهة «منوفية»، وإرضاء الأصدقاء ومُجاملي رئيس الهيئة والمُسبّحين بحمده أو الساكتين عنه، وفي الخلفية تجلس الشلّة مطمئنة إلى أن تجهيز كرنفال «فرح العمدة» أمر سهل ولا يحتاج عملا ولا لجانا ولا رؤية ولا تخطيطًا.
 
 
في دورة العام قبل الماضي نظمّت الهيئة زهاء 800 فعالية ثقافية مصاحبة للمعرض، بخلاف فعاليات دور النشر والتجمُّعات الخاصة. كان منها مثلاً حفل توقيع كتاب لمُغنِّي الراب زاب ثروت في أعرق مخيمات المعرض، برعاية «ش. ي» الوجه المقرر دائمًا منذ استجلبه أحد رؤساء الهيئة السابقين تقديرًا لصداقة عائلية جمعته بأسرة والدته. ورغم خروج الفعاليات بشكل سيّئ وتسجيل ملاحظات عليها أكثر من عددها، ونُصح كثيرين لرئيس الهيئة بأن يلتفت لطبيعة المعرض كسوق للكتاب، ويتخلّى عن تصوّراته الكرنفالية وسعيه الحثيث وراء «الشو». أصر الرجل وشلّته على رؤيتهم السطحية المُفرِّغة للمعرض من مضمونه، ونظّموا في دورة العام الماضي قرابة 1400 فعالية. أُلغيت عشرات منها قبل موعدها، وتأخّرت عشرات أخرى، وخرجت أغلب النسبة الباقية سيّئة ومُشوَّهة، بينما ظلّت «شلة المنوفية» ومن يدورون في فلكها يتحدّثون عن الإنجاز الرقمي الهائل، ويُفاخرون بكَمّ الفعاليات، مُتجاهلين أداء المعرض ومؤشِّراته وأرقامه كسوق كتاب بالأساس، ومتجاهلين أيضًا سطحية فعالياتهم ورداءتها.
 
الخطير ونحن نستعد لدورة اليوبيل الذهبي، أن تشكيل خمس لجان للنشاط بهذه الكثافة العددية، يُعني أن هناك إصرارًا من إدارة الهيئة على مواصلة العمل الكرنفالي، وتحويل المعرض من سوق للكتاب إلى «فرح العمدة».. كان الأمر واضحًا بقوّة في الدورة الماضية بزيادة أماكن المأكولات والمشروبات ونشر عشرات السماعات التي تُذيع مهرجانات وأغنيات شعبية في أرجاء المهرجان. ويبدو أن هذه الصورة ستتكرَّر في الدورة المرتقبة، أو على الأقل لدى هيثم وشلّته نيّة لتكرارها، رغم الجهد الذي بذلته الدولة في استعادة الوجه الحضاري للمعرض بنقله إلى أرض المعارض الجديدة، الأحدث والأفضل استعدادًا وتجهيزًا، وعملها على توفير وسائل انتقال مجانية من المناطق الحيوية والميادين ومحطات المترو حتى أرض المعارض الجديدة.
 
في كل معارض الكتاب على امتداد العالم، يهتم المسؤولون ومُخطِّطو الثقافة بالهدف الأساسي للمعرض كسوق كتاب، فيُركِّزون على تسويق الكتب واتفاقات الشراكة وتعاقدات الترجمة والحقوق، ويكون النشاط الثقافي والفني خطًّا جانبيًّا، يحتفي بالرموز الثقافية المهمة محليًّا وإقليميًّا، وبثقافة وفنون ضيف الشرف، دون أن يطغى على طبيعة المعرض أو يُغيّر وجهه. لن تجد معرضًا مهمًّا يُنظّم 1000 فعالية، ولا حتى 800، لكنك ستجده قويًّا مُنظّمًا واضح المعالم والمعلومات، أما هنا فلا تعلم هيئة الكتاب شيئًا عن دورها على ما يبدو، لا تهتم بتوفير إحصائيات واضحة عن حجم المبيعات وتعاقدات الترجمة ونقل حقوق الملكية بين الكتاب والناشرين، كما لا تعرف عدد حفلات التوقيع التي يشهدها المهرجان، بل الأفدح أنها لا تسيطر على حركة المطبوعات داخل المعرض، لتُباع الكتب المُزوّرة والمسروقة والمُروِّجة للأفكار الطائفية والإرهابية في أحضان أعرق معارض الكتب العربية والأفريقية، بينما يجلس رئيس الهيئة وشلّته في المكتب المُكيّف، ويطوف الموظفون وأعضاء اللجان للتصفيق في الفعاليات التي لا يحضرها أحد، والرقص على موسيقى المهرجانات في ردهات المعرض. 
 
المشهد العام يُنبئ عن حالة من العشوائية وسوء التخطيط وغياب الرؤية. في مسألة تشكيل اللجان أصدر رئيس الهيئة قراره الثلاثاء الماضي، وهاتف موظّفو الهيئة وسكرتارية هيثم الحاج علي شخصيًّا الأفراد المشمولين بالقرار. منهم زميل في أبرز المؤسسات الصحفية المصرية، قالوا له إنه عضو في إحدى لجان الهيئة، ثم بعد ساعتين تواصلوا معه ثانية مُعتذرين عن مشاركته، بحجة أن هناك خطأ بسبب تشابه الأسماء، وأن المقصود رئيس تحرير أحد المواقع الصغيرة وشبه المجهولة، الذي يعرضه رجل الأعمال المالك له حاليًا للبيع بسبب فشله وخسائره المالية. وبالتزامن خرج أحد أعضاء اللجنة العليا للمعرض وأضلاع «شلة المنوفية» كاتبًا عبر صفحته على موقع «فيس بوك» إن القرار به أخطاء وسيخضع للتعديل أو يصدر ملحق جديد له الأحد المقبل، مُتضمّنًا اسمي الناقد عمر شهريار والمخرج المسرحي عمرو قابيل، اللذين سقطا سهوًا. بعيدًا عن فكرة السهو وعن حجم الارتجال والعشوائية وغياب الرؤية، يبدو واضحًا أن أصدقاء رئيس الهيئة يُمارسون مهامه الرسمية، ويتحدّثون باسمه، ويطعنون في قراراته، ويُعدّلون ويُصوّبون فيها عبر صفحاتهم الشخصية. والمؤكد أن النشأة المشتركة و«الرابط المنوفي» وصداقة الطفولة كلها لا تسمح لشخص بممارسة مهام رسمية غير موكلة إليه. يُمكن أن يكون هيثم الحاج علي موافقًا وراضيًا عن هذا، لكنه في كل الأحوال يظل وضعًا خاطئًا وإشارة واضحة للشللية والانحراف الإداري.
 
حينما كتبت عن دورة العام الجاري مُنتقدًا بعض الاختلالات الهيكلية ونواتج «الشو» والإدارة الكرنفالية. قالت وزيرة الثقافة الدكتورة إيناس عبد الدايم، وكانت قد شغلت منصبها قبل أيام، إنها لن تستطيع تغيير هيثم الحاج علي قبل دورة اليوبيل الذهبي، لأنه ليس من صالح المعرض أن تتولّاه إدارة جديدة لا تعرف كواليس الهيئة وخباياها قبل دورة مهمة كدورة 2019. ولجأت الوزيرة لعلاقاتها الوطيدة ببعض الصحف والصحفيين، طالبة بشكل مباشر مُساندة هيثم وإدارة هيئة الكتاب، وحدث ما أرادت بالفعل وانبرى كثيرون من مُحبّي الوزيرة ومُشتري خاطرها في الدفاع عن هيثم الحاج علي وادّعاء نجاح المعرض واستثنائيته. كان الجميع يعلمون خطأ ما يقولون، ولم يتوقّف أحد مع هيثم أو الهيئة أو الوزيرة ليقول قولة حق، ويُعلن أن بقاء منطق الشلة والإدارة الكرنفالية أكثر خطرًا على المعرض ووجه الثقافة المصرية من تغييرهم، حتى لو قبل اليوبيل الذهبي بساعة، وليس بسنة كاملة.
 
الآن نقترب من موعد المعرض، يصعب تغيير هيثم الحاج علي الآن، لأنه لا مُتّسع لأيّة إدارة جديدة لوضع خطة عمل وضبط الأمور وإصلاح ما تسبّبت فيه «شلة المنوفية». لكن على الأقل يُمكن مراجعته وتصويب أخطائه الآن، بشكل عاجل وشامل، لو كان لدى الوزارة ومسؤوليها رغبة حقيقية في الخروج بيوبيل ذهبي مُشرّف، يليق بتاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب وباسم مصر وميراثها الثقافي. يمكن المراجعة لو كانت هناك رغبة جادة، رغم أنني شخصيًّا أشكّ في وجودها.
 
لا يمكن الحُكم على ما ستؤول إليه أمور المعرض مع انطلاقه، قبل الانطلاق الفعلي بثلاثة شهور، لكن ربما تُشير المُقدّمات إلى النتائج، أو جانب منها، وما حدث في تشكيل لجان المعرض الخمسة، ودور «شلة المنوفية» في الأمر وتدخّلاتهم فيه، وطبيعة هذه اللجان نفسها وأعدادها ووجوهها المُتكرّرة، كلها تشي بأن اليوبيل الذهبي سيكون كرنفالاً كسوابق الدورات، وأنا معرض القاهرة الدولي للكتاب يسير بساقين هشّتين، غير مُستنِدٍ لرؤية أو فلسفة واضحتين.. وهذا كفيل باستشعار الخطر، والهمس في أذن الوزيرة لتتدارك الأمر، ونُصح رئيس الهيئة بشكل واضح ودون مواربة. ما يحدث في كواليس المعرض «عيب يا دكتور هيثم».

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق