قيمة البحث العلمي مُهَدَّدَة

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2018 10:58 ص
قيمة البحث العلمي مُهَدَّدَة
حسين عثمان يكتب:

بمقتضى المادة الرابعة من القانون 126 لسنة 2008، أُضِيفَت المادة 291 إلى قانون العقوبات، وتنص على أن "يُحْظَر كل مساس بحق الطفل في الحماية من الاتجار به أو الاستغلال الجنسي أو التجاري أو الاقتصادي أو استخدامه في الأبحاث والتجارب العلمية، ويكون للطفل الحق في توعيته وتمكينه من مجابهة هذه المخاطر".

القراءة السطحية لهذه الصياغة السطحية، تساوي بين مجموعة من العلماء وذوي الخبرة يجتمعون متطوِّعين في إحدى لجان البحث العلمي، ويعملون لصالح طفل مريض، وفقًا لمرجعيات قانونية وأدبيات وأعراف علمية عالمية، وبين عصابة من محترفي الاتّجار في الأطفال، وهكذا يصبح بلاغ من حاقد أو جاهل كافيًا لإدانة عالم.. آه والله!

الموضوع أهم من مجرد إصدار قانون يُنظِّم إجراء التجارب السريرية، هو من الضرورة بمكان نعم، ومناخ وبيئة عمل البحث العلمي وتطوّراته في أشد الاحتياج إليه نَعَمين، ولكنه كأي قانون رهانه الأساسي التطبيق، ومعوّقات تطبيق قانون التجارب السريرية المُنْتَظَر إصداره في أي وقت عديدة ومتنوِّعة، ويأتي على قمة هذه المُعوِّقات الفقر في ثقافة البحث العلمي، فالمجتمع يحتاج أول ما يحتاج إلى الارتقاء بهذه الثقافة، فالعالم أو الباحث حين يُقدِم على إجراء أي بحث أو تجربة سريرية، يصطدم أول ما يصطدم بثقافة الجمود، المناهضة في كل صورها لأهداف البحث العلمي والنتائج التي يتطلَّع إليها، وأولها أنها مجهولة تتوقف على رحلة البحث ذاتها.

تزيد تعقيدات الأمور حين تتعلَّق أنشطة البحث العلمي، ومنها إجراء التجارب السريرية بالأطفال، فولايتهم خارج أياديهم، ولا يدركون من أمرهم في مجموعه شيئًا بعد، وتختلف قرارات وسلوكيات ولاة أمورهم بشأن قبول أو رفض الموضوع، باختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية والاجتماعية، ولا تغيب الاعتبارات الإنسانية في كل الأحوال، وهو ما زاد من مسؤولية لجان أخلاقيات البحث العلمي تجاه إجراء أنشطة البحث العلمي، ومنها التجارب السريرية على الأطفال، بحيث يقوم أعضاء هذه اللجان بمؤهلاتهم المُتخصِّصة وخبراتهم ومعارفهم العلمية والإنسانية مقام الأطفال وولاة أمورهم، وهي مسؤولية لو تعلمون عظيمة أمام الخالق عز وجل، قبل خلقه أجمعين، وأول من يدرك خطورتها بحق هم العلماء أنفسهم.

يلفت نظرك في هذا السياق، أنه بقدر ما كانت القيادة السياسية، ممثلة في شخص الرئيس عبد الفتاح السيسي، واعية إلى حدّ رفض توقيع مشروع القانون بعد موافقة البرلمان عليه، في استجابة تبقى محل تقدير لملحوظات هيئة استشارية تابعة لرئاسة الجمهورية، تضم علماء بوزن مجدي يعقوب ومحمد غنيم وأحمد عكاشة، ولما شاب القانون من مواد تُشكّل قيودًا على حرية البحث العلمي، تلك التي يكفلها الدستور باعتبارها وسيلة لتحقيق السيادة، بقدر ما كان تجاهل المجلس لصوت العلماء والمُتخصِّصين ذوي الصلة الوثيقة بالموضوع، وإلى حدّ تجاهل تمرير مشروع القانون على لجنة التعليم والبحث العلمي بالمجلس، اكتفاءً بدراسة لجنة الصحة لمشروع القانون المُحَال من الحكومة.

المواد الخلافية وفقًا لخطاب رئيس الجمهورية لمجلس الشعب محصورة في ثماني مواد، يتعلّق أهمها بحظر إرسال عيّنات مصرية إلى الخارج، وهو ما يناقض بقوة حرية البحث العلمي، فلا تزال إمكانيات الخارج تفوق الداخل على مستوى الأجهزة والفحوصات، وهو بالقطع يؤثِّر سلبًا على تحقيق النتائج المرجوّة من البحوث الإكلينيكية في حالة الحظر، ونعلم أن البرلمان يُعطي أولوية لاستيفاء ملحوظات رئاسة الجمهورية على مشروع القانون، ونرجوه أن ينتهز فرصة مراجعته فيعطي مساحة كافية لإفادة العلماء بعيدًا عن اللجان الرسمية، ونتوقع في النهاية إصدار قانون يضع كل النقاط على كل الحروف، وإن ظلّت قيمة البحث العلمي مُهَدَّدَة بمثل المادة الرابعة مُقدّمة هذا المقال.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق