الدرس المصري والفرنسي .. لاديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية

الجمعة، 14 ديسمبر 2018 06:29 م
الدرس المصري والفرنسي .. لاديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية
ممدوح طه تكتب:

تكلم الرئيس ماكرون بعد صمت إمتد لأربعة أسابيع ، شهدت أربعة " أيام  سبت سوداء " لعشرات الآلاف من العمال والموظفين أصحاب " القمصان الصفراء " ، مطالبين بسياسة اقتصادية باتجاه " العدالة الاجتماعية " في مواجهة السياسة الماكرونية التي يرونها منحازة للرأسمالية الليبرالية المتعولمة في الجمهورية الديمقراطية العلمانية ! 
 
وبينما أدان العنف والتخريب مؤكدا أنه في دولة القانون لا تساهل مع الذين أحرقوا وخربوا  قائلا : " حينما ينفلت العنف عن عقاله فلا مكان للحرية بل لتطبيق القانون "، ولمحاولة امتصاص الغضب أعلن زيادة الحد الأدنى للأجور، والغاء الضريبة الإضافية لأصحاب المعاشات، وعلى الأجرالإضافي، بعد الغائه لضريبة الوقود والديزل والبنزين ، ودعوته لحوار مجتمعي ووقف العنف ، مع عدم التخلي عن مشروعه وسياساته !
 
ليبقى السؤال حول إذا مانجح خطابه في تهدئة المشاعر الغاضبة ، بما سينعكس على الشارع الفرنسي يوم السبت الخامس الذي يتوقع البعض أن تنحسر فيه المظاهرات خصوصا مع المواجهة الأمنية القوية بينما يرى البعض الآخر أنها ستستمر لأسباب متعدده بعضها سياسي حزبي داخلي ثأري لليمين واليسار،وبعضها سياسي أطلسي خارجي عقابي لتوجه ماكرون الأوروبي !
 
إن ما شهدناه من مظاهرات ومصادمات عنيفة  في شوارع باريس وميادينها التاريخية الكبرى كميدان "الكونكورد "، حيث تقف المسلة المصرية شامخة عبر آلاف السنين وشاهدة على عراقة حضارات المصريين ، أو حيث يرتفع برج " إيفل"  العملاق عبر عشرات العقود شاهدا على حداثة حضارة الفرنسيين .. أو كمحيط قصر الإيليزيه حيث مقر الرئاسة ومقر البرلمان ، أو كشارع " الشانزليزيه" ونهاية ب " قوس النصر"حيث احتفل زعماء الغرب مؤخرا بالنصر على الألمان والطليان ، يظهر بعض الملاحظات والنتائج والدروس أهمها ..
 
أولا : أن ماحدث في فرنسا يعكس أزمة سياسية نابعة من أزمة عدالة اقتصادية تحولت بالتالي أزمة عدالة اجتماعية عميقة امتدت لأربعين عاما سابقة ، تمثلت في حجم دين يقارب 100%من الناتج المحلي ، ومشاكل بطالة وتراجع مستويات معيشة قطاع عريض من المجتمع الفرنسي فخرج غاضبا يطالب ب" العدالة الاجتماعية" .
 
ثانيا :  إن ماوقع من أحداث دراماتيكية في فرنسا  وبلجيكا وهولندا الديمقراطية ، يحاكي ماوقع من حركات فوضوية وتخريبية وإخوانية وإرهابية  تحت إسم " الربيع العربي " بشعارات ضد الديكتاتورية ومطالب بالديمقراطية ،  بينما نشرت الحرائق والخراب والفوضى في صورة طبق الأصل  لما نشهده حاليا في ما أطلق عليه البعض " الربيع الغربي " !
 
ثالثا :  إن المفارقة اللافتة لأنظارالمراقبين العرب وخاصة المصريين والسوريين والعراقيين والليبيين هو الموقف الفرنسي المزدوج المعايير الذي يدين العنف في فرنسا ويؤيده في مصروالعالم العربي ، ويرفض التدخل الأنجلو أمريكي في الشئون الفرنسية بينما أيده في مصر و سوريا وليبيا !
 
حيث كانت فرنسا هي المحرض والداعم للمظاهرات غير السلمية لما سمي بالربيع ، والتي اعتمدت الحرق والتخريب والفوضى في مصر، بل أن محرضها الأول كان فوضويا صهيونيا فرنسيا هو " برنارد ليفي"، بينما كانت فرنسا الساركوزية هي رأس الحربة العدوانية بالأمس ضد ليبيا العربية ، واليوم كانت فرنسا الماكرونية شريك أمريكا وبريطانيا في العدوان الثلاثي ضد سوريا العربية !!
 
رابعا : فرنسا كدولة " ديمقراطية و مدنية و ليبرالية ورأسمالية  "، ذات تراث فكري وثوري وسياسي وثقافي كان من المفترض أن يحميها من الفوضى بين عنف المتظاهرين وقمع رجال الأمن ، لكنه لم يوفر تلك الحماية، فأعادت إلى الأذهان مظاهرات الضواحي العنيفة التي واجهها الوزير ساركوزي بعنف أشد دون اعتبار لحقوق الانسان ! 
 
 وبهذا لم تكن مظاهرات السبت الأسود التي ركبها الفوضويون والمخربون هي الأولى ، ويبدو أنها ليست الأخيرة بفعل رأسمالية مأزومة وعولمة مهزومة  !!  
 
خامسا :  ان ما حدث من حراك عنيف  في مهد" الثورة الفرنسية "، وأول جمهورية ، وأول وثيقة " لحقوق الإنسان "، ومنبت اليمين اليسار في البرلمان الفرنسي ،ومصدر شعارات " الحرية والإخاء والمساواة " بالعالم الغربي ، وداعية دولة الحق والقانون و" منصة التنوير والتثوير والتفجير والتدمير بالعالم العربي ،  لم يقف عند باريس بل امتد لمدن فرنسا بل وعدد من دول أوروبا فيما أطلق عليه البعض " الخريف الأوروبي " !
 
سادسا : إن مشاهد العنف والحرق والتخريب والفوضى المدانة تحت غيوم دخان القنابل المسيلة للدموع ، في أعقاب زيادة الضرائب الإضافية التي فرضتها الحكومة على الرواتب والمعاشات والوقود وساعات العمل الإضافية ، جاءت تعبيرا خاطئا عن الغضب الاجتماعي الذي فاق الحدود للعمال والموظفين ، كشفت أزمة فرنسا الاقتصادية والاجتماعية وأظهرت مأزق ماكرون السياسي !
 
سابعا : ان الفارق كبير بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في فرنسا التي تبتعد طبقا لمشروع ماكرون الاقتصادي عن مفهوم دولة الحماية الاجتماعية الى هدف الدولة الرأسمالية النيوليبرالية ،وبين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في مصرالتي تتجه للموازنة بين الحرية الاقتصادية والحماية الاجتماعية وتحميل القادرين العبىء الأكبر لصالح غير القادرين .
 
 فبينما يرتفع في فرنسا مستوى الأجورمثلا ترتفع فيها تكاليف المعيشة عن مستوى الأجور ضعفين تقريبا في السلع والخدمات معا دون دعم أي سلعة أو خدمة، لتنخفض معه القيمة الشرائية لهذه الأجور التي تبدوعالية ، بما يزيد الأعباء والمعاناة على العمال والموظفين بما يدفع الى الغضب العارم.
 
وفي حين ينخفض مستوى الأجورنسبيا في مصر لكن، وبرغم ماجري من إصلاح جبري رفع الأسعار و تكاليف المعيشة نسبيا على الناس ، فان السلع الأساسية وبطاقات التموين و الخدمات في مصرماتزال مدعومة نسبيا بما فيها الوقود والكهرباء والمواصلات العامة والتعليم والاسكان والصحة  بمئات المليارات  لتصبح أرخص من غيرها ، ولهذا يظل لهذه الأجور قيمة شرائية معقولة نسبيا .. والمقارنة بين جدول الأجور والأسعارللسلع والخدمات يمكن أن يوضح بدقة هذا الكلام .
 
 تاسعا :  وأيضا ، الفارق أكبر بين الإصلاح الاقتصادي المصري الذي يراعي البعد الاجتماعي للتنمية والمدعوم بحزمة معقولة من إجراءات الحماية الاجتماعية ، ويسعي لأن يتحمل الأغنياء القدر الأكبر من تكاليف الاصلاح عما يتحمله الفقراء , وبين التغيير الاقتصادي الماكروني الذي يعتبر نموذجا للعولمة الاقتصادية  لصالح الرأسمالية بما خفف الأعباء عن الأغنياء وزاد الأعباء على الفقراء ! 
 
مثلا ، الوقود في فرنسا غير المدعوم كان غاليا وعليه ضريبة  ، والجديد أن حكومة ماكرون أضافت عليه ضريبة الكربون الاضافية لتزيد نار سعر الوقود اشتعالا، مع ملاحظة أن  سعر لتروقود السيارات يصل هناك الى ثلاثين جنيها تقريبا ، وهذا كثير جدا على الموظفين والعمال الذين يقطنون ضواحي باريس ولاتتوفر لهم المواصلات العامة فيضطر العامل لشراء سيارة، وعندما تأتي ضريبة فوق ضريبة على سعر البنزين والديزل الغالي الثمن أصلا فقد يتطاير الشرر فيشتعل الغضب وهو ما أعلن ماكرون عن تفهمه .
 
عاشرا: في النتيجة النهائية ، فإن الدرس الأكبر الذي يمكن الخروج به  مما جرى من    اضطرابات فوضوية تخريبة ثوروية سواء في فرنسا ضمن " الخريف الغربي ".. أو في مصر ضمن " الخريف العربي " ، هو أن تحقيق الديمقراطية السياسية لايمنع الحراك الثوري في غياب العدالة الاقتصاية أو الاجتماعية  .. وأن تحقيق الديمقراطية الاجتماعية  لايمنع الحراك الثوري في غياب الديمقراطية السياسية.   
 
ولهذا .. لابديل يل مستقبلا للاستقرارالسياسي وللنمو الاقتصادي وللعدل الاجتماعي الا بالتكامل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية في النظم السياسية ، فلا حرية سياسية بدون تنمية اقتصادية وعدالة اجتماعية والعكس صحيح، بعد أن انقسم العالم الى معسكرين متصارعين طوال الحرب الباردة بين الديمقراطية الرأسمالية الغربية ،والاشتراكية الديمقراطية الشرقية !
 
ومن هنا.. تتنامي التيارات والأحزاب السياسية الديمقراطية الاشتراكية ، والاشتراكية الديمقراطية في العالمين الغربي والعربي ،وقد يكون لها الكلمة الأخيرة لتحقيق ماتتطلع اليه شعوب العالم من استقرارسياسي وأمان اجتماعي ، ومن تطلعات مشروعة ببناء مستقبل عادل وآمن من الجوع والخوف ومن الفقر والقهر، بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والحرية السياسية والكرامة الانسانية.

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق