شمس واشنطن تغرب في سوريا.. هل سرقت روسيا الدور الأمريكي ببلاد الشام؟

الأحد، 01 يوليه 2018 12:23 م
شمس واشنطن تغرب في سوريا.. هل سرقت روسيا الدور الأمريكي ببلاد الشام؟
جانب من الخراب في سوريا - ارشيفية
حازم حسين

7 سنوات وعدة شهور مرت منذ اندلاع تظاهرات شعبية في درعا السورية، تطورت سريعا لتصبح احتجاجات واسعة في عديد من المدن، زاد تطورها لتدخل طور الحرب الأهلية مع توافد مسلحين من الخارج.
 
خلال هذه السنوات كانت الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة في المشهد بقوة، تقارير عديدة أشارت إلى تواصل واشنطن مع قطاعات وقوى منظمة من المحتجين، ورعايتها لبعض الفصائل المعارضة سياسيا، ولم يخلُ الأمر من رعاية عسكرية لأذرعها المسلحة، وحتى مع انكشاف إسقاط سلاح الجوي الأمريكي كميات من السلاح لعناصر تنظيم داعش الإرهابي، لم تنكر الولايات المتحدة الأمريكية التدخل بالدعم والتسليح، لكنها قالت إن السلاح المذكور سقط في مناطق تسيطر عليها داعش بالخطأ، بينما كان موجها لقوات سوريا الديمقراطية وبعض الوحدات التي تشتبك مع التنظيم الإرهابي.
 
سواء دعمت الولايات المتحدة الأمريكية داعش، أو دعمت قوات سوريا الديمقراطية، فإن الثابت أنها كانت طرفا مباشرا في الصراع، خارج فكرة الرقابة أو الوساطة السياسية، وأنها لم تكتف بحضورها المباشر بوحدات وقواعد عسكرية في الأراضي السورية، بل تدخلت أحيانا لفرض وجهات نظر محددة أو توفير غطاء قوي لقوى وجماعات بعينها.
 
التدخل الأمريكي لا يمكن النظر له بعيدا عن التدخل الإسرائيلي المباشر، فخلال الشهور الستة الأخيرة فقط نفذت إسرائيل أكثر من ثلاث ضربات جوية مباشرة ضد قواعد ومنشآت عسكرية ولوجستية سورية، قالت وقتها إنها تمثل تهديدا استراتيجيا لأمنها، وبالنظر للضربة الأمريكية لبعض المنشآت العسكرية والبحثية السورية قبل أسابيع، تحت غطاء ردع النظام السوري لاستخدامه السلاح الكيماوي في الغوطة الشرقية، وهو الأمر الذي نفاه النظام السوري وشككت روسيا في نوايا الاتهامات الغربية بشأنه، يؤكد أن تدخلا أكبر من اللازم اعتمدته واشنطن، ومن ورائها تل أبيب، لخلق توازن مقصود في واقع الصراع السوري، وفق حساباتهما الخاصة للمصالح والشكل المرغوب للدولة السورية.
 
رغم هذه التعقيدات، والحضور الأمريكي الضاغط على أطراف الصراع في إطار رؤية خاصة تحاول توجيه المعادلة لشاطئ ربما لا يسع مراكب النظام ولا المعارضة، نجحت واشنطن خلال السنوات الماضية في الإبقاء على جذوة النار مشتعلة تحت الرماد السوري، بالقدر الذي يوفر لها الإمساك بطرف الخيط، وشدّ الأجواء أو إرخائها، بينما على الجانب المقابل واصلت روسيا جهودها للحفاظ على المكتسبات المتحققة لها منذ ما قبل التظاهرات السورية، بالوجود العسكري المقنن في زمن الرئيس السابق حافظ الأسد، والعلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية فوق الطبيعية مع دمشق، والأهم مصالحها الحيوية في ساحل الشام والظهير السوري، بما يُعني مزيدا من الحضور في المنطقة العربية، وخطوط تواصل وإمداد أوسع مع إيران وغيرها من الحلفاء.
 
الرؤيتان الأمريكية والروسية كان باديا منذ اللحظة الأولى حجم ما بينهما من تعارض، ليس فقط في ضوء دعم موسكو للنظام السوري وبشار الأسد، وتشدد واشنطن في الإطاحة بهما، ولكن في ضوء تركيبة الصراع التي كانت قوة الدفع الأمريكية تستهدف توجيهها إلى غلبة المتظاهرين، خاصة المحسوبين على جماعة الإخوان وحلفائها من التيارات الدينية، بينما انصب تركيز روسيا على كيفية صيانة الوجه العلماني السوري، بالشكل الذي يضمن الحفاظ على مكتسباتها في الشام، ويقطع الصلات والروابط المحتملة مع الجيوب الإسلامية في العراق وبعض بلدان المنطقة، ومع النظام التركي الذي يتحرك وفق طموحات وتطلعات إمبراطورية.
 
في إطار توازن ضيق بين الرؤيتين سارت المعادلة طوال السنوات الماضية، مع مناوشات واتهامات متبادلة بين موسكو وواشنطن، ومحاولات لا تنقطع من كل منهما لتحقيق مكاسب وانتصارات على حساب الأخرى، واقتطاع مزيد من الأرض من تحت قدميها، لكن ظل التوازن قائما لم يختل، بين علاقات روسية وطيدة مع النظام، وخطوط اتصال أمريكية عميقة ومتعددة مع المعارضة، لكن يبدو أن هذه الصيغة المتوازنة قد أصابها قدر من الاختلال في الفترة الماضية.
 
حالة الاختلال تلك يمكن ملاحظتها في تتبع النجاحات الروسية المتحققة على حساب دوائر النفوذ الأمريكية التقليدية، فربما للمرة الأولى تنفتح قنوات اتصال مباشرة وعميقة بين موسكو والمعارضة السورية، التي تلقت دعما سياسيا وإعلاميا ولوجستيا واسعا من الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم هذا الرباط الوطيد جلست المعارضة على طاولة روسيا مؤخرا.
 
بحسب متحدث باسم المعارضة السورية، فإنهم خاضوا جولة حوار خلال الساعات الأخيرة مع مفاوضين من الجانب الروسي، كان المحور المباشر للقاء يدور حول التوصل لاتفاق سلام في إحدى البلدات التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة جنوب غربي سوريا، وجرى تنظيم اللقاء بوساطة أردنية، بينما تؤكد المؤشرات المتاحة بشأنه أنه شهد أجواء إيجابية وتقاربا بين الجانبين، في وقت كانت موسكو تشدد تحركاتها للسيطرة على تمدد عناصر المعارضة المسلحة في الحزام الجنوبي، وتنتقد التدخلات الأمريكية المباشرة لدعم وتسليح هذه القوات.
 
المتحدث باسم غرفة العمليات المركزية الممثلة لقوات الجيش السوري الحر، إبراهيم الجباوي، قال في تصريحات لوكالة "رويترز" إن فريقا يمثل الجيش الحر حضر جولات المباحثات مع ضباط روس في بلدة "بصرى الشام"، ويأتي هذا بعد تصريحات سابقة من مصادر ومقاتلين بقوات المعارضة، أشارت إلى فشل جولة محادثات جرت أمس السبت مع فريق من الضباط الروس، بينما تتمحور مطالب الجانب الروسي في استسلام قوات المعارضة المسلحة بشكل كامل.
 
مؤشرات اللقاءين، وما ستتلوهما من لقاءات أخرى، وبغض النظر عن مدى نجاحها، تؤكد أن واشنطن لم تعد الوكيل الحصري للمجموعات المسلحة في الجنوب الغربي لسوريا، وربما في مناطق أخرى من البلاد، وأن هذه الوحدات التي تمتعت طويلا بدعم الولايات المتحدة، بدأت تمسك زمام أمورها، وتتحدث بلسانها، وفق حساباتها الشخصية ورؤيتها لمصالحها، ما يُعني أن واشنطن خسرت مزيدا من الأرض في سوريا، وكل خسارة تصيب الوجود الأمريكي في سوريا، قد تعني بالضرورة مكسبا جديدا يُضاف لرصيد النظام بشار الأسد، والقوات الروسية المتمركزة في كثير من أنحاء سوريا.

لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق