عبدالحليم قنديل يكتب: أمريكا المهزومة.. هكذا أصبحت روسيا الآمر الناهي في سوريا

الإثنين، 15 أكتوبر 2018 03:00 م
عبدالحليم قنديل يكتب: أمريكا المهزومة.. هكذا أصبحت روسيا الآمر الناهي في سوريا
عبدالحليم قنديل

صارت روسيا صاحبة الأمر والنهي وجعلت القواعد الأمريكية شرقي سوريا في وضع الرهينة
 
فرص واشنطن في شن حرب عسكرية ضد إيران صارت شبه معدومة
 
 
ربما لم يعد لأمريكا سوى لغة "ترامب" الفظّة السوقية، وادعاء المقدرة والجبروت، حيث الضعف المُخزي، فواشنطن تخسر استراتيجيًّا في كل مكان، تخسر في الشرق الأقصى أمام الصين، وتخسر في سوريا والهند أمام روسيا، وتخسر في العراق أمام إيران المُحاصَرة، التي قد تُنهكها عقوبات الاقتصاد المُتلاحقة، لكنها تبدو صامدة ببركة تحالفاتها مع الصين وروسيا، ويصوِّرها "ترامب" نفسه كوحش أسطوري قادر على احتلال الشرق الأوسط في 12 دقيقة لاغير!.
 
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
 
نعم، قالها "ترامب" بالنص في حفل انتخابي تمهيدًا لاقتراع التجديد النصفي للكونجرس، ليس المستمع فيه بأعقل من المُتحدِّث، ولا فرصة لأحد أن يتوقّف أو يراجع ما يُقال، أو أن يكشف ما فيه من شطط عقلي فادح، فالمواطنون الأمريكيون العاديون مشهورون بالجهل السياسي، وانعدام المعرفة بالعالم، ووعيهم محلي جدًا، ولا يفهمون سوى لُغة الدولارات، التي لا يجيد "ترامب" سواها، فهو كتاجر عقارات يُزيِّن لهم الصفقات، ويعدهم بجبال من تريليونات الدولارات، وما من بضاعة انتخابية عنده، غير العودة لاستعراض هزلي مُتكرِّر، لا يأتي فيه غالبًا على ذكر الصين ولا روسيا، فهو يعرف أن اللعب مع الكبار له حدود، ويكتفي بالتراقص البهلواني أمام جمهوره، والتضخيم المجاني لخطر إيران الساحق، وإلى حدّ ادعاء قُدرة طهران على احتلال الدول العربية المجاورة كلها في 12 دقيقة (!)، وهو خطر يدّعي "ترامب" أنه يمنعه ويُقدِّم الحماية لدول الخليج العربية الضعيفة الغنية، وبالذات لأكبر وأغنى دولة فيها، وهو ما يُفسِّر ولعه بالابتزاز العلني الفاجر، وطلب التريليونات مقابل الحماية، ليس من حكام السعودية وحدها، بل من كل الملوك والأمراء الخليجيين، وقد تسابقوا زرافات ووحدانًا للدفع، وتعهَّد كبيرهم بصفقات لصالح واشنطن، بلغت قيمتها 400 مليار دولار، بينما دفع الآخرون مئات المليارات، وتعهّدوا بحُسن تمويل ورعاية القواعد العسكرية الأمريكية، والتسابق إلى استضافتها، وكأنها نعمة الرب المُنقذ الحامي من إيران، وهو ما شجّع ترامب على استمرار اللعبة، وطلب التريليونات بعد مئات المليارات، وتهديد التابعين بخطر السقوط في أسبوعين، لو تخلّت عنهم أمريكا وتركتهم على حافة الغرق، بسحب عدد من بطاريات «الباتريوت» الأمريكية، وعلى أمل تسليم ما تبقّى عندهم من فلوس، وهو وضع كارثي، فوق ما ينطوي عليه من إهانة غير مسبوقة لتوابع أمريكا، فلم يُبق لهم "ترامب" خيارًا سوى دفع الفواتير، وبالأرقام التي يُقدِّرها، وقد يزيد الحساب أضعافًا، بعد ملابسات قضية جمال خاشقجي، فأمريكا اقتصاد مَدين بنحو عشرين تريليون دولار، وهي تريد تسديد ديونها من جيوب المُدمنين لحمايتها الموهومة، وهي لا تحميهم أبدًا، بل تضعهم دائمًا تحت وطأة الشعور بالخطر الإيراني، ودون أن تُجازف بشنّ حرب عسكرية لا تستطيعها ضد إيران.
 
الرئيس الإيراني حسن روحاني
 
الحقيقة، أن ما يفعله "ترامب"، على فظاظته غير المسبوقة، ليس جديدًا على السياسة الأمريكية، فقد لعبت أمريكا من قبل بورقة خطر عراق صدام حسين، وابتزّت ممالك الخليج، فدفعوا جميعًا، وتحمّلوا فواتير حرب أمريكا لغزو واحتلال العراق، وكانت النتائج في الحساب الختامي لصالح إيران، التي أضافت العراق عمليًّا إلى أملاكها، ودون أن تدفع فِلسًا واحدًا، بل أضافت ثروات العراق إلى خزائنها، وتبادلت الشدّ والجذب مع نفوذ المحتل الأمريكي للعراق، ونصبت حُكّامًا للعراق المُمزّق، يستقون وحيهم من طهران قبل غيرها، وهو ما بدا ظاهرًا في اختيارات الرؤساء الأخيرة في العراق، فقد فازت طهران على واشنطن، برغم وقوف المال الخليجي وراء الضغوط الأمريكية، لكن القصة انتهت، وقد فازت إيران (ثلاثة صفر) على أمريكا في المباراة العراقية، ونصّبت رؤساء جُددًأ للجمهورية والبرلمان والحكومة من الموالين لطهران، وبَنَت جدار حماية جديدًا حول أراضيها، وأجرت استعراضات صاروخية، قصفت شرقي سوريا الذي تُقيم عليه القوات والقواعد الأمريكية بمعيّة الأكراد، وهو ما بدا معه أن لحم إيران شديد المرارة في فم أمريكا، فوق أن واشنطن لا تستطيع ولا تريد خوض حرب لاحتلال إيران وإسقاط نظامها، لا تريد لأن إيران ليست صيدًا سهلًا، وليس بوسع واشنطن تحمّل تكاليف حرب خاسرة جديدة، بعد أن آلت إلى خسران واستنزاف مالي مُريع في حربي العراق وأفغانستان، وبغير أمل قريب ولا بعيد في النصر.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
 
صحيح أن إسرائيل تريد من واشنطن خوض حرب عسكرية ضد إيران، ودول الخليج الأغنى أيضًا تريد الحرب نفسها، ولا مانع عندها من دفع الفواتير مُنقّحة ومَزيدَة، لكن "ترامب" يريد استلام التريليونات من الدولارات دون أن يخوض حربًا، يُريد أن يتلقّى الحساب بغير أداء المهمة المستحيلة، فإيران ليست وحدها، ومعها روسيا والصين ودول أوروبية حافظت على الاتفاق النووي، وأنشأت نظام مقايضة مالية، تلتفّ به على عقوبات الاقتصاد الأمريكية الساعية لخنق طهران، فوق أن الحساب العسكري في المنطقة لم يعد لصالح واشنطن، فقد صارت ورقة سوريا كلها تقريبًا في جيب روسيا، وفشلت محاولات دفع موسكو لصدام مع طهران، فروسيا تلعب أوراقها بمهارة وكفاءة وأستاذية، ويكفيها أن تُسلِّم إيران بأولوية اعتبارات موسكو، مقابل تقديم الحماية للوجود الإيراني في سوريا، ولدور قوة حاسمة كحزب الله في لبنان، ومع كل حادثة تبدو كخسارة لروسيا، يزيد النفوذ الروسي في سوريا أضعافًا، فمع تورّط تركيا في إسقاط مقاتلة روسية ذات مرّة، حوّلت موسكو الأزمة إلى فرصة ذهبية، ولم تكتف بالاعتذار التركي، بل طوّعت نفوذ تركيا في سوريا، وطوت طموحات أردوغان تحت جناحيها، ومع تورّط إسرائيل في ملابسات إسقاط طائرة استطلاع روسية بصاروخ سوري، حوّلت موسكو الخسارة إلى مكسب جديد، وفرضت ما يشبه إغلاق المجال الجوي السوري، وزوّدت دمشق بصواريخ «إس 300»، ولم تأبه بصراخ واشنطن وتل أبيب، وأضفت حماية على الوجود الإيراني الذي تستهدفه إسرائيل في سوريا، ولم يعد مُمكنًا لإسرائيل أن تُغير على سوريا بطائراتها، إلا أن تحصل على إذن مسبق من موسكو، فقد صارت روسيا صاحبة الأمر والنهي في المشرق العربي كله، وجعلت القواعد الأمريكية شرقي سوريا في وضع الرهينة، وهو ما يُعني ببساطة أن فرص واشنطن في شن حرب عسكرية ضد إيران صارت شبه معدومة، وهو ما تستفيد منه إيران كتحصين إضافي يُفيدها في مرحلة اختناق الاقتصاد بسبب العقوبات الأمريكية، فقد صارت سوريا، وما جرى ويجري فيها، معملاً لاختبار وصناعة قواعد التوازن الدولي الجديد، الذي تخسر فيه واشنطن باطّراد، وتكسب موسكو على طريقة عقد صفقات «إس 400» الأخيرة إلى الهند، وقد مضت فيها نيودلهي رغم التحذيرات الأمريكية خشنة اللهجة، فأمريكا لم تعد وحدها حاكمة بأمرها في مجريات الدنيا، بل تنازعها موسكو عسكريًّا، وتنازعها الصين اقتصاديًّا، وتحالف «موسكو بكين» يدوس على أعصاب أمريكا في مفاوضات نزع السلاح النووي مع كوريا الشمالية، إلى حد أن "ترامب" لم يعد يأمل سوى في نظرة عطف من «كيم» الثالث رجل كوريا الشمالية، الذي يستقوي بدعم موسكو وبكين الضمني، ويُلاعب أمريكا بالقطعة في رقصة «استربتيز» سياسي.
الرئيس الصيني شي جين بينج
 
هل يُعني ذلك كله شيئًا بالنسبة لأحوال منطقتنا المنكوبة؟ نعم يُعني أشياء كثيرة، أولها أن الاعتماد على أمريكا أقرب طريق للخُسران المبين، ليس فقط بخسارة عوائد البترول الخليجي، التي يُريد "ترامب" الاستيلاء عليها بالجملة، وبلغة فظّة آمرة، لا تحتمل تأويلاً، وقد لا يفهم ذلك حُكّام الخليج الذين أدمنوا منح العطايا والهبات من مال الشعب الذي احتكروه، لكن المنطقة العربية ليست وقفًا على حُكّام الخليج، ولا يليق أبدًا أن تكون كذلك، فهم يذهبون بالمنطقة إلى هاوية سحيقة، ويُفضّلون خدمة إسرائيل على التصالح والتفاهم مع إيران، ودون نتيجة عملية أكيدة سوى زيادة نفوذ إيران، وهو ما لا يصح أن تندفع إليه دول كبرى في المنطقة كمصر، التي غاب دورها القيادي طويلاً، ويُراد دفعها اليوم إلى ما يُسمّى «تحالف الشرق الأوسط»، وهو حلف ناتو مصري خليجي بإشراف أمريكا، وبهدف وحيد، هو إذكاء الحرب مع إيران بالوكالة عن واشنطن، وهو حلف بائس إن قام، لن يكون مصيره أقل بؤسًا من أحلاف أقامتها أمريكا ضد مصر نفسها في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، ولا نتصوّر أن مصر ستتورّط في الحلف الجديد المثير للريب، وقد أفشل خليجيون مشروعها لإقامة حلف عربي خالص باسم «القوة العربية المشتركة»، بينما هو الحل الأفضل للعرب في خرائط العالم الجديد.
 
منظومة صواريخ إس 300 الروسية
منظومة صواريخ إس 300 الروسية

 

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق