قصة منتصف الليل.. «هاجر» انتقمت من والدها بنفس الكأس

الأربعاء، 31 أكتوبر 2018 10:00 م
قصة منتصف الليل.. «هاجر» انتقمت من والدها بنفس الكأس
صورة أرشيفية
إسراء بدر

اتكأت على الأرض لحظة دفن والدها، ترفض عيونها خروج دمعة واحدة، لفت انتباه الحاضرين لحظة الدفن حالة "هاجر" وقوتها فى فراق والدها، فلم يظهر على تفاصيل وجهها الشعور بالحزن أو ألم الفراق، إلا أن المقربين لها يتفهمون أمرها.

فقد عاشت "هاجر" منذ أن فتحت عيناها على الدنيا وبدأت تتعرف على من حولها وتنطق حروفها الأولى، وهى لم تجد والدها أمامها، فلم تجد سوى أمها، وبعد التحاقها بالمدرسة، علمت أن هناك عنصرا مفقودا فى الأسرة وهو الأب، فبدأت تسأل أمها، ولكنها رفضت الحديث عنه فى أول الأمر، وظلت تتهرب لسنوات إلى أن أصرت "هاجر" معرفة سبب عدم وجود أب لهذه الأسرة مثل باقى الأطفال فى عمرها، فأخبرتها أمها بحقيقة والدها، وبقصة انفصاله عنها أثناء حملها بها، ورفض التواصل لرؤيتها، وبدأ حياة جديدة مع زوجة أخرى، وأنجب منها أطفالا آخرين.

ذهلت الطفلة من أمر والدها، فهو على اختلاف تام بالآباء الذين تستمع لأحاديث صديقاتها عنهم، فقررت البحث عن والدها عسى أن تكون أمها مخطئة فى حقه، وبحثت عن وسيلة للتواصل معه فى كل مكان، إلى أن وجدت رقم هاتفه مع أحد أقاربها، فسيطرت الفرحة على قلبها، وأمسكت بالهاتف لتسمع صوته، وتطلب منه رؤيته، فلم تحلم الفتاة الصغيرة سوى بأن تسمع صوته وتقابله ليحتضنها وتناديه بـ"بابا"، وهى الكلمة التى طالما حلمت بها.

بالفعل رد الأب عليها، ولكنها لم تشعر باللهفة التى توقعتها منه، فتعامل معها وكأنها طفلة تطلب المساعدة، ووعدها بأن يقابلها ويكافئها بقطعة "شيوكولاتة"، ورغم المعاملة البالدة التى تعاملت بها الفتاة من أبيها، إلا أنها فرحت بشدة، وانتظرت اليوم الذى ستقابل فيه والدها، ولم تكن تعلم أنه مجرد وعد هوائى لا أساس له من الصحة.

استمرت لسنوات طويلة تهاتفه، وفى كل مرة يعدها ذات الوعد، وتحولت الفتاة المرحة وطفولتها البريئة، لتصيبها حالة من العزلة والاكتئاب، وهى على يقين بأن علاجها الوحيد فى أن ترى والدها، وأن ينفذ وعده ويقابلها، ولم تتمنى منه قطعة الشيكولاتة، فاحتضانه لها كان تتخيله لذة الحياة الدنيا، وكانت أمها تنظر لها بعين الشفقة وتحاول أن تنسيها أمره، ولكن الفتاة كانت مصرة على الوصول لهدفها فى رؤية والدها، وتصدق أعذاره فى كل مكالمة.

ظلت على هذا الحال إلى أن تخرجت من الجامعة، وتبلغ من العمر ما يقرب من 21 عاما، وكانت تعيش كل هذه السنوات على ذات الأمل وهو رؤية والدها، إلى أن جلست مع نفسها، وبدأت تفكر فى الأمر بعقلية ناضجة، فقررت أن تهاتفه للمرة الأخيرة، فوعدها ذات الوعد، ولكنها فى هذه المرة حددت له موعد اللقاء وانتظرته فى هذا الموعد، ولكنه لم يأت، فقررت أن تعتبر والدها توفى إلى الأبد، وألا تهاتفه مجددا، ولا تريد سماع صوته أو رؤيته، وأيقنت حينها أن مستقبلها العملى هو الأهم فى أن يحتل هذه المكانة الكبرى من التفكير، وسرعان ما تولت مناصب رفيعة فى سنوات قليلة، وصار اسمها تتداوله الصحف والقنوات الفضائية، لتجد والدها هو من يبحث عنها لمقابلتها، وهنا ارتبكت الفتاة وسيطرت الحيرة على تفكيرها، هل تستمر فى قرارها باعتبار أبيها متوف أم تراه وتحتضنه وتلبى رغبة قلبها فى نداءه بـ"بابا"، خاصة بعد وفاة أمها وإقامتها بمفردها دون أنيس أو جليس.

ولكنها لم تستغرق وقت فى التفكير، لتقرر الخضوع أمام رغبة والدها، وجاء إليها بالفعل لمقابلتها، ولكن لسانها تعلق فى سقف فمها ورفض أن ينطق "بابا"، وعندما أسرع لاحتضانها رفضت يداها أن تلتف حوله لمعانقته بمشاعر لا إرادية، فلقد تمكن الجفاء من قلبها تجاهه، وبعد دقائق وجدته يطلب منها أن يعيش معها، فبعد زواجه لعدة مرات وإنجابه العديد من الأطفال من كل زوجة، قرر أن يترك كل شئ ويعيش معها.

كان من الممكن أن تكون هذه الكلمات مصدر بهجة لها، إذا وقعت على أذانها قبل سنوات، ولكنها أعادت التفكير فى الأمر وتذكرت حديث والدتها قبل وفاتها: "مش هايجيلك غير لما يحتاجلك وتقدرى تصرفى عليه، لكن طول ما انتى بتدرسى أو محتاجة حاجة عمره ما هايجيلك عشان ميضطرش يتحمل مسئوليتك".

ورغم كلمات أمها التى ظلت تتردد فى أذنيها، إلا أنها وافقت على طلب والدها، ولكن ليس من باب الحب، ولكن على سبيل الانتقام، فقد ترتكته فى المنزل وهو فى الستين من عمره، وتأتى له مرة أسبوعيا، وتترك له صندوق مليئ بالشيكولاتة بأنواعها المختلفة، فهكذا ظن الأب لسنوات أنه بقطعة من الشيكولاتة سيعوض ابنته عن مشاعر الأب التى حرمت منها لسنوات، فعاملته بالمثل، فحاول اللجوء لباقى أفراد العائلة، ولكنه لم يجد من يقف بجانبه لمساعدته، لعلم الجميع بوجهه الحقيقى.

لم يستمر الوضع كثيرا، فالأب الستينى لم يتحمل كمية السكريات اليومية، وأصيب بغيبوبة سكر وتوفى على أثرها، وحينها نظرت "هاجر" إليه قائلة: "شربتك من نفس الكاس اللى شربت منه سنين عمرى.. خلى الشيكولاتة تعوضك عن الأكل والشرب والحب والحياة".

 
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق